فلسطين

في يوم المعلّم الفلسطيني:

في يوم المعلّم الفلسطيني:
المعلّم بين تآكل المكانة وصمود الرسالة… والتعليم في مواجهة التدمير وفقدان الثقة
إعداد وتقرير: قسم التحرير
مقدمة
يحلّ يوم المعلّم الفلسطيني هذا العام في لحظة وطنية شديدة القسوة، تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع تداعيات الاحتلال وسياساته التدميرية، لتنعكس مباشرة على واقع المعلّم والمنظومة التعليمية برمّتها. ففي الوقت الذي يُفترض أن يكون المعلّم حجر الزاوية في بناء الإنسان الفلسطيني وحماية وعيه، يجد نفسه اليوم أمام تحديات غير مسبوقة تمسّ مكانته، واستقراره، ودوره المجتمعي، وتضع التعليم الفلسطيني أمام اختبار مصيري يتعلق بالثقة والهوية والمستقبل.
المعلّم الفلسطيني: رسالة وطنية في مواجهة الضغوط
لم يكن المعلّم الفلسطيني يومًا مجرّد ناقل للمعرفة، بل شكّل عبر عقود طويلة أحد أعمدة الصمود الوطني، وحارسًا للهوية، وفاعلًا أساسيًا في بناء الوعي الجمعي. غير أنّ الواقع الراهن يكشف عن فجوة متزايدة بين حجم هذه الرسالة العميقة وبين الظروف المهنية والمعيشية التي يعمل في ظلها المعلّم اليوم.
فالمعلّم الفلسطيني يعاني من تراجع الاستقرار الوظيفي والمالي، وضغوط معيشية متراكمة، وبيئة تعليمية تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحماية القانونية والمهنية. كما أسهم ضعف السياسات الداعمة واهتزاز الخطاب التربوي في تراجع الاعتبار المجتمعي لمكانة المعلّم، الأمر الذي انعكس سلبًا على دافعيته وقدرته على أداء دوره التربوي على الوجه الأمثل، رغم ما يبديه من التزام وتفانٍ في ظروف بالغة الصعوبة.
واقع التعليم الفلسطيني: أزمة مركّبة وليست عابرة
تعاني المنظومة التعليمية الفلسطينية من أزمة بنيوية عميقة، لا يمكن اختزالها في نقص التمويل أو الإمكانيات فقط، بل تتعلق بتراكم سياسات وقيود أثّرت في جودة التعليم ومخرجاته. ويبرز من بين هذه التحديات الاكتظاظ الصفي، وضعف البنية التحتية، والفجوة بين المناهج التعليمية ومتطلبات العصر وسوق العمل، إلى جانب محدودية برامج التدريب والتأهيل المستمر للمعلّمين.
وقد أدّت الأوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة إلى تراجع ثقة المجتمع بالتعليم بوصفه مسارًا ضامنًا للمستقبل، ما وضع المدرسة والمعلم أمام تحدٍ مضاعف يتمثل في الحفاظ على دور التعليم التربوي والوطني في آن واحد.
التعليم في غزة: حين يتحول الاستهداف إلى سياسة
لا يكتمل الحديث عن واقع التعليم الفلسطيني دون التوقف عند الكارثة غير المسبوقة التي تعرّض لها قطاع غزة، حيث شهدت المنظومة التعليمية دمارًا واسعًا خلال حرب الإبادة، طالت المدارس والجامعات ومراكز التعليم، وأخرجت عددًا كبيرًا منها عن الخدمة كليًا أو جزئيًا. لقد تحولت المؤسسات التعليمية إلى ركام، في انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف المنشآت التعليمية.
ولم يكن الدمار ماديًا فحسب، بل بشريًا بامتياز، إذ سقط المئات من المعلّمين والمعلّمات، والطلبة والطالبات، بين شهداء وجرحى، ما شكّل ضربة قاسية لقلب العملية التعليمية وللمجتمع الفلسطيني بأسره. هؤلاء الضحايا كانوا حَمَلة معرفة وأمل، واستهدافهم يعني استهداف المستقبل ذاته.
وفي غزة، تعطّلت العملية التعليمية لأشهر طويلة، وحُرم مئات آلاف الطلبة من حقهم الأساسي في التعليم، فيما وجد المعلّم نفسه بين فقدان الأمان والنزوح، أو محاولة الاستمرار في أداء رسالته بوسائل بديلة وفي ظروف إنسانية قاهرة، إيمانًا بأن التعليم في زمن الحرب ليس ترفًا، بل فعل صمود ومقاومة للجهل واليأس.
كما تعرّض التعليم العالي لضربة خطيرة مع تدمير أو تعطيل معظم الجامعات والكليات، ما يهدد بضياع سنوات من الجهد الأكاديمي، ويُنذر بفجوة معرفية عميقة ستلقي بظلالها على جيل كامل، وعلى مستقبل التنمية الفلسطينية.
هيبة المعلّم: مدخل لا غنى عنه لإصلاح التعليم
إن استعادة هيبة المعلّم ليست مطلبًا نقابيًا أو فئويًا، بل مدخلًا أساسيًا لإصلاح التعليم وبناء الثقة المجتمعية به. فالهيبة تُبنى عبر سياسات عادلة تضمن الكرامة المهنية والاستقرار الوظيفي، وتوفّر حماية قانونية واضحة داخل البيئة المدرسية، وتعزّز حضور المعلّم في الخطاب الرسمي والإعلامي بوصفه شريكًا في صناعة القرار التربوي، لا مجرّد منفّذ له.
كما تتطلب هذه الهيبة إشراك المعلّمين في صياغة السياسات التعليمية، والاستثمار الجاد في تدريبهم وتأهيلهم، والاعتراف بدورهم المحوري في بناء الإنسان الفلسطيني القادر على التفكير النقدي وحمل الهوية الوطنية.
استعادة الثقة بالتعليم: رؤية وطنية شاملة
إعادة الثقة بالمنظومة التعليمية الفلسطينية تستدعي رؤية وطنية شاملة، تنطلق من اعتبار التعليم قضية استراتيجية لا بندًا ثانويًا. وتشمل هذه الرؤية تطوير المناهج بما يواكب العصر ويعزّز الهوية، وربط التعليم باحتياجات المجتمع وسوق العمل دون التفريط بدوره الثقافي والوطني، وتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة والمجتمع المحلي.
كما يتطلب الأمر تحييد التعليم قدر الإمكان عن التجاذبات السياسية، وحمايته بوصفه حقًا إنسانيًا أصيلًا، وضمان استدامته في وجه الأزمات والعدوان.
خاتمة
في يوم المعلّم الفلسطيني، لا تكفي عبارات التقدير الرمزية، بل تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة وشجاعة لواقع التعليم وسياساته. فاستعادة هيبة المعلّم، وإعادة الثقة بالتعليم، تشكّلان ركيزة أساسية لبناء مجتمع فلسطيني قادر على الصمود والتجدد، وحماية وعيه وهويته، وصناعة مستقبله رغم كل التحديات.
إن تكريم المعلّم الحقيقي يبدأ حين يشعر أن مجتمعه ومؤسساته تقف إلى جانبه، وتمنحه المكانة التي تليق بدوره بوصفه صانع الأجيال، وحارس الوعي، وأحد أعمدة المشروع الوطني الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب