إيران على صفيح ساخن: احتجاجات داخلية متصاعدة وتصعيد خارجي يفتح أبواب المجهول

إيران على صفيح ساخن: احتجاجات داخلية متصاعدة وتصعيد خارجي يفتح أبواب المجهول
الرابع من يناير / كانون الثاني 2026
اعداد وتقرير المحامي علي أبو حبلة
صحيفة صوت العروبة
تدخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة بالغة الحساسية، في ظل تزامن غير مسبوق بين تصاعد الاحتجاجات الشعبية الداخلية وتكثيف الضغوط والتهديدات الخارجية، ما يضع الدولة أمام تحديات مركّبة سياسية وأمنية واقتصادية، ويجعل المشهد مفتوحًا على سيناريوهات متعددة خلال الأسابيع المقبلة.

احتجاجات واسعة… الاقتصاد في صدارة المشهد
اندلعت شرارة الاحتجاجات الأخيرة من سوق طهران الكبير (البازار)، في مؤشر يحمل دلالات سياسية وتاريخية عميقة، قبل أن تمتد سريعًا إلى عشرات المدن والمحافظات. وجاءت هذه التحركات على خلفية الانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما فجر غضبًا شعبيًا متراكمًا منذ سنوات.
وبحسب تقارير مستقلة، شملت الاحتجاجات أكثر من 70 مدينة، من بينها طهران وأصفهان وشيراز وتبريز والأهواز، إضافة إلى مدن في غرب البلاد ومناطق كردستان وبلوشستان، في مشهد يعكس اتساع رقعة السخط وتحوله إلى حالة عامة عابرة للفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية.
وشارك في التظاهرات تجار، وطلاب جامعات، وعمال، ومتقاعدون، رافعين شعارات تركز على المطالب المعيشية والعدالة الاجتماعية، في تأكيد واضح على أن جوهر الحراك اقتصادي – اجتماعي، بعيدًا عن الشعارات الأيديولوجية أو السياسية التقليدية.

خسائر بشرية واعتقالات
على الصعيد الإنساني، تحدثت مصادر محلية ومنظمات حقوقية عن سقوط قتلى وجرحى واعتقال العشرات. ففيما أقرت وكالة “فارس” الرسمية بمقتل خمسة أشخاص، تشير تقديرات مستقلة إلى أعداد أعلى، خصوصًا في محافظة لورستان، إضافة إلى تقارير عن نقل معتقلين إلى سجن إيفين، ما يزيد من حدة القلق الحقوقي داخليًا وخارجيًا.
موقف رسمي متباين… بين الحزم والاحتواء
تعكس ردود الفعل الرسمية الإيرانية تباينًا واضحًا داخل مؤسسات الحكم. فقد تبنت جهات أمنية وقضائية خطابًا صارمًا، محذرة من “استغلال الاحتجاجات” و”التدخل الخارجي”، ومتوعدة برد حازم على أي محاولة لزعزعة الاستقرار.
في المقابل، دعا الرئيس مسعود بزشكيان إلى الإنصات لمطالب المحتجين المشروعة، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مفتوحة، وهي مقاربة تعكس إدراكًا رسميًا لخطورة الأزمة واستحالة معالجتها بالحلول الأمنية وحدها.
ميدانيًا، أعلنت السلطات إغلاق المدارس والمؤسسات العامة بذريعة الطقس البارد وترشيد الطاقة، غير أن مراقبين رأوا في هذه الخطوة محاولة غير مباشرة للحد من التجمعات الشعبية وكبح زخم الاحتجاجات.
تصعيد خارجي غير مسبوق
زاد المشهد تعقيدًا مع دخول أطراف دولية على خط الأزمة بشكل علني. فقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل في حال “قمع المتظاهرين”، في تصريح اعتبرته طهران تدخلًا سافرًا في شؤونها الداخلية.
الأخطر تمثل في تصريح علني نادر لجهاز الموساد الإسرائيلي باللغة الفارسية، دعا فيه المحتجين إلى مواصلة حراكهم، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لاستثمار الغضب الشعبي وتدويل الأزمة بما يخدم أهدافًا سياسية وأمنية إسرائيلية.
وردّت إيران برسالة رسمية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، شددت فيها على أن هذه التصريحات تمثل خرقًا للقانون الدولي ومبدأ سيادة الدول.
سياق أمني وإقليمي بالغ التوتر
تأتي هذه التطورات في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية، ما زالت متأثرة بتداعيات المواجهة العسكرية المحدودة بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران 2025. كما زاد التوتر بعد الهجوم الإرهابي الدموي في مدينة كرمان أثناء إحياء ذكرى اغتيال الجنرال قاسم سليماني، والذي أودى بحياة أكثر من مئة شخص، في واحدة من أكثر الهجمات دموية في تاريخ إيران الحديث.
الأزمة الاقتصادية… جوهر الغضب ومفتاح الحل
تشير المعطيات إلى أن الأزمة الاقتصادية العميقة تشكل المحرك الأساسي للاحتجاجات، في ظل:
تراجع حاد في قيمة العملة الوطنية.
تضخم تجاوز 40%.
استمرار العقوبات الدولية.
غياب إصلاحات اقتصادية هيكلية قادرة على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين.
إلى أين تتجه الأمور؟
تقف إيران اليوم أمام اختبار داخلي وخارجي مزدوج. فاستمرار الاحتجاجات أو تراجعها سيعتمد على قدرة السلطات على تقديم حلول اقتصادية حقيقية، وطبيعة تعاملها الأمني مع الشارع، ومدى نجاحها في تحييد التدخلات الخارجية.
في المحصلة، لم يعد القمع وحده كافيًا لاحتواء الأزمة، كما أن الوعود المجردة لم تعد مقنعة لشارع يرزح تحت وطأة الغلاء والتضخم. المشهد الإيراني مفتوح على احتمالات متعددة، والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار الاستقرار أو الانزلاق نحو مزيد من التوتر وعدم اليقين.




