صحافي إسرائيلي:”كلما قتلوا زادت فيهم شهية الانتقام.. يتمنون لو يجهزوا على آخر غزي لطمس الجريمة”

صحافي إسرائيلي:”كلما قتلوا زادت فيهم شهية الانتقام.. يتمنون لو يجهزوا على آخر غزي لطمس الجريمة”
في السنة والنصف الأخيرة تعرضت للعديد من موجات الكراهية عندما كتبت عن القتل والتجويع والدمار والتهجير التي نفذتها دولة إسرائيل في غزة. لقد اتُهمت بكل شيء، من السذاجة إلى الخيانة، من التحدث باسم حماس إلى يودنرات (هيئة أنشأتها ألمانيا في الحرب العالمية لتمثيل الجالية اليهودية في تعاملها مع السلطات النازية). ولكن في الفترة الأخيرة، وصلت أكبر الموجات – عندما تجرأت على نشر روابط في الفيسبوك للتبرعات لصالح عائلات في غزة، على خلفية وضعها القاسي بسبب الأمطار. نير زادة، تمنى بأن أصاب بكل الأمراض الموجودة في العالم، أما دانييل شماعيا فقد أراد تقديم السيانيد لي، وهذا رون ديار كتب بأنه من المؤسف أنني لم أقتل في الكارثة – هؤلاء هم الأكثر لطفاً من بين الذين تمنوا لي، لأن الأكثر فظاظة لن تتحملهم هذه الصفحة.
مظاهر الكراهية هذه هي طرف جبل الجليد لنزع الإنسانية السائد في الجمهور الإسرائيلي تجاه سكان غزة. في الأيام الأخيرة، سعى عشرات آلاف الإسرائيليين إلى التعبير عن فرحهم في الشبكات الاجتماعية إزاء الأفلام عن الخيام الغارقة والتي تطايرت بسبب الرياح والأطفال الغارقين في المياه الباردة وصرخات الاستغاثة المفجعة للأمهات. أحد المتنبئين الجويين في القناة 14 أعرب عن أمله في اقتلاع آخر خيمة، مضيفاً إلى هتافات الأستوديو: لا مشكلة عندي لو فني كل من هم هناك”. “ما داموا هناك، فمستقبلهم الخيام البالية”، كتب مدير عام “منتدى كهيلت” مئير رؤوبين. وأضاف ناشط الدعاية يوسف حداد: “الإشفاق عليهم لا يجعل أحداً أكثر إنسانية”. الالاف كرروا عبارة “لقد طلبوا طوفان الأقصى وحصلوا عليه”، وكأن الأطفال الذين يتجمدون في الخيام الممزقة هم الذين ارتكبوا المذبحة أو أطلقوا عليها هذا الاسم.
الأمر الأكثر رعباً هو أن الكراهية والتجريد من الإنسانية ازدادا طردياً مع القسوة التي مارسناها ضد شعب غزة. قد يتساءل البعض عما إذا كان قتل ما معدله 27 طفلاً كل يوم لمدة سنتين وتجويع الأشخاص حتى الموت، وتشريد ما يقارب مليوني شخص، وتدمير مدن بالكامل، كان من المفروض أن يخفف حدة الكراهية قليلاً ويهدئ من نهم الانتقام، بل ويثير بعض الشفقة على الأطفال الخائفين الذين لم يستطيع آباؤهم حمايتهم من البرد، وعلى الرضع الذين كانوا يتجمدون حتى الموت، رغم ذلك لاحظنا أن الأمر يسير في الاتجاه المعاكس: كلما زاد قتلنا فيهم ازدادت كراهيتنا لهم، وازدادت الرغبة في محوهم.
قد تكون رغبتنا في محو غزة هي رغبة أيضاً في محو جرائمنا وإخفاء الأدلة وإسكات الشهود الذين قد يتحدثون عنها؛ ولكنه افتراض متفائل. فمعظم الرأي العام في إسرائيل لا يعترف حتى بارتكابنا جرائم في غزة. الـ 71 ألف قتيل مباشر ومؤكد، وعشرات القتلى غير المباشرين أو الذين ما زالت جثثهم تحت الأنقاض، وتدمير 80 في المئة من المنازل والبنى التحتية، ومليون شخص يعيشون في الخيام، وانخفاض معدل المواليد بنسبة 40 في المئة – كلها أرقام مجهولة تماماً للجمهور.
ما زال الخطاب العام في إسرائيل يركز حصراً على كوننا نحن الإسرائيليين ضحايا مذبحة 7 أكتوبر واختطاف الرهائن، وكأنه لم تمر سنتان على ذلك اليوم المشؤوم. هذا الخطاب هو نتيجة غسل الأدمغة من قبل قيادة فاسدة فقدت الضمير الأخلاقي ومعارضة خائفة وإعلام متملق. وحدود هذا الخطاب يتم الحفاظ عليها بصرامة من خلال العنف في الشوارع الذي يمارسه نشطاء اليمين المتطرف والشرطة، وجهود مؤسسية وغير مؤسسية لإسكات الأصوات.
موجة للكراهية المتصاعدة ونزع الإنسانية هي نبوءة تحقق ذاتها. هذه الكراهية ستعبر عن نفسها بالعنف والوحشية تجاه السكان العرب في يافا، والسائقين العرب في القدس والسجناء الأمنيين المعتقلين في مصلحة السجون وأطفال البدو في الترابين والفلاحين في الضفة الغربية والمتظاهرين اليهود أينما حاولوا الاحتجاج على تقييد حريتهم – هذا ما يحدث بالفعل. ستنفذ أعمال العنف من قبل الجيش الإسرائيلي والشرطة ومصلحة السجون وجهاز الأمن العام (الشاباك) وكتائب الإرهاب الاستيطانية، وستكون شرعية هذا العنف مطلقة – ملاحقة الأعداء وتطهير المعسكر. لم يكتمل الانتقام حتى الآن ولم يكتمل النصر حتى الآن.
نير حسون
هآرتس 2/1/2026



