منوعات

أزمة الإقليم: عندما وقع الإعلام المصري في «حيص بيص»!

أزمة الإقليم: عندما وقع الإعلام المصري في «حيص بيص»!

سليم عزوز

في الأسبوع الماضي، ضرب الإعلام المصري «لَخْمَةً» ووقع في «حيص بيص»، كناية عن الارتباك، وتصرف على أنه من «بنها»، كناية عن التجاهل، وبدت القنوات التلفزيونية كما لو كانت تبث من المريخ، حيث يبحث عالم «ناسا» عصام حجي عن المياه هناك!
فقد حدث ما لم يكن في الحسبان، ويفوق أكثر الأحلام جنونًا، ليس لأن دولة الإمارات الشقيقة دخلت في طور جديد من سياساتها الخارجية المقلقة بحصار السعودية من اليمن، فالمفاجأة كانت في الحسم السعودي غير المتوقع، باستهداف سفينتين مبحرتين من الإمارات في ميناء المكلا اليمني، وإصدار إنذار شديد اللهجة يمهل القوات الإماراتية 24 ساعة للخروج من اليمن. فلم تنتظر القوات انتهاء المهلة، وبدأت في تنفيذ الأمر بعد سويعات، و«بإرادتها الحرة»، وبشكل أبهرني على المستوى الشخصي.
أقول قولي هذا وقد «رميت طوبة» السعودية تمامًا، واستقر في وجداني أنه لا أمل في صفحة جديدة، تمكن ولو من أداء المناسك. وفي زمنٍ ولّى كانت لي بعض الانتقادات لأهل الحكم، وفي حفل استقبال في إحدى السفارات في القاهرة، وقف معنا دبلوماسي سعودي، وكنا لفيفًا من الأساتذة الصحافيين، وأكد استعداده لتوجيه دعوة لي للعمرة، وأن سفري سيكون على مسؤوليته الخاصة، وقلت له: وما الذي يضمن ألا تكون في الزنزانة المجاورة لي؟ وضحكنا، وقال إن تصوراتي غير صحيحة. ومضى زمن وجاء آخر، وفي اللحظة التي حلّ فيها الملك سلمان في الدوحة، كان لدي اعتقاد أن عهدًا جديدًا قد بدأ، وقد قررت في هذه اللحظة التاريخية أنه لا مبرر لتأجيل أداء الفريضة!

عندما أبهرني الحسم

ولأن المنحوس منحوس، فقد وقع الحصار، وأبليت بلاءً حسنًا كتابة. صحيح أن «مارك ابن أبيه» أغلق هذه الصفحة تمامًا، وأغلق صفحة قبلها واثنتين بعدها لخروجي على تقاليد مجتمعه، وكنت لا أكترث بـ«تويتر»، لكن أكيدًا هناك من يحتفظون بهذه المنشورات، ولست نادمًا على شيء كتبته، فلو عادت الكرة، لا قدّر الله ولا سمح، لكتبته من جديد، ومن فرض الحج والعمرة عالمٌ بالحال.
ومع هذا فقد أبهرني الموقف السعودي، لحماية الأمن القومي للبلاد، وقد كان حاسمًا كحد السيف، ولعل الطرف الإماراتي الشقيق لم يكن يفكر، ولو لحظة في هذا الحسم، ولو فكر لما فعل، وقد وضع نفسه في ورطة؛ فهو إن رفض الإنذار هُزم، وإن انصاع له هُزم. فكيف غابت عنهم شخصية محمد بن سلمان، ورئيس الإمارات كان مقرّبًا منه؛ ألم يلاحظ أنه يسيطر عليه، أنه الامتداد الطبيعي لجده الملك عبد العزيز آل سعود؟! لقد تابعت في هذا ذاك قناة «العربية»، فإذا بها تقف على خط النار، وذهبت «سكاي نيوز عربية» في الخلاف بعيدًا. وعلى منصات التواصل كان هناك توازن ردع، وإن كان من الطبيعي أن تكون الغلبة للسعوديين، لأنهم في مجملهم كُتّاب محترفون، أما الطرف الآخر فقد انغمس الفريق ضاحي خلفان في تمثّل أن المعنى في بطن الشاعر، وحذا حذوه أستاذ العلوم السياسية عبد الخالق عبد الله. والقلم ليس طيّعًا في يد معظم الأكاديميين، وإذا قيل لهم انفروا تثاقلوا إلى الأرض، والمعارك تحتاج للرشاقة، لا للنظر في العمق الاستراتيجي للأشياء وتأمل الفكرة وتخيّل المنهج!

ورطة الإعلاميين المصريين

ولم يكن هذا هو موضوعي الأثير، فقد أشفقت على الإعلاميين المصريين من «هذه الورطة»، وهم في حكم قول أهل القرى: «لو بصقت لأعلى سقطت على وجهي.. ولو بصقت لأسفل سقطت في صدري»، فأين المفر؟!
من المفترض أن أي تهديد للبحر الأحمر تهديدٌ للأمن القومي المصري، والمعنى أن تنحاز القاهرة بإعلامييها للموقف السعودي. وإذا تركنا الموقف الرسمي لأنه لا يقع ضمن اختصاص هذه الزاوية «فضائيات وأرضيات»، فإن الموقف بالنسبة للإعلاميين حساسٌ للغاية، فلم يفتح الله عليهم بشيء، وهذا متوقع!
في يوم 22 الشهر الماضي، نُشر لي في موقع آخر مقالٌ بعنوان «فرز وتجنيب للمشاع من الإعلاميين المصريين»، وتقوم فكرته على ضرورة أن يفكر النظام المصري أنه إذ دخل في خلاف مع أي نظام في الإقليم من الحلفاء السابقين، سينظر حوله ولن يجد أحدًا، لأن الوحدة السابقة جعلت من البساط أحمدي، ومن الإعلاميين المؤيدين للمرحلة على المشاع. ولا بد من جلسة فرز وتجنيب، قبل أن يجد النظام المصري في وقت من الأوقات نفسه في موقف الرئيس اللبناني شارل الحلو وهو يخاطب صحافيي بلاده: «أهلًا بكم في وطنكم الثاني لبنان»!
بيد أن ضرورة الفرز والتجنيب تأتي الآن لدوافع أخرى لهذه الملكية للشيوع، وقد وجدنا أن الأزمة هي بين الإقليم ذاته، فكان لا بد من الحياد وتجاهل الصراع الحاد لاختلاط الولاءات. فالكل الذي كان في واحد لم يعد كذلك، والأزمة بدأت ولن تنتهي، والشرخ الذي حدث لا يمكن أن يلتئم.
وإذا كان الحياد يُقبل على مضض في الأزمة الحالية، فلن يكون مقبولاً من الأطراف في المرحلة المقبلة، وساعتها سيكون قد آن الأوان لتحديد المواقف والانخراط في الصراع؛ فلن يكون الحياد مقبولًا على الدوام، لكن تكمن الأزمة في اختلاط الأنساب.
تقول العرب: جاء لك الموت يا تارك الصلاة!

نقل وقائع صلاة الجمعة

وددت لو أن قناة «ماسبيرو زمان» قامت بإعادة نقل صلاة الجمعة، فتعفينا من مشاهدتها حيّة، ومن رؤية الأداء الاستعراضي لوزير الأوقاف أسامة الأزهري، بمسبحته حيث يظهرها أمام الكاميرا مسبّحًا والقرآن يُتلى، والخطيب يخطب، حين يلزم الصمت، يوشك أن يستخدمها في الصلاة!
هذا فضلًا عن أن «زمان» أفضل من «الآن»، من حيث القراء (المقرئون) ومن حيث الخطباء. وفي الجمعة قبل الماضية أسعدني أن أشاهد قرآن الجمعة للشيخ مصطفى إسماعيل منطلقًا من «ماسبيرو زمان»، فاعتقدت أن الأمنية تحققت، لكن يا فرحة ما تمت، فقد تم الاكتفاء بالتلاوة دون باقي الوقائع!
الصورة باهتة، وأكيدًا هناك طرق حديثة لمعالجة هذا الخلل، لكن القوم لا يفكرون في ذلك. ومع ضعف الصورة فإن صوت الشيخ مصطفى إسماعيل له مذاقه الخاص، ويذكر بزمنٍ ولّى (1974)، كان فيه قراء مصر على هذا المستوى من العظمة. فمن بقي من العظماء، وفي أي مجال؟!
«ماسبيرو زمان» هي الإنجاز الوحيد لأنس الفقي، آخر وزير إعلام قبل الثورة، وإن كانت تُدار بشكل عشوائي الآن، وكأن مدير القناة مجرد أمين مكتبة يفتقد للحس الإعلامي، فيمد يده ويسحب أقرب فيديو ويقدمه للبث. ولهذا يحدث تكرار عرض الحلقة الواحدة من البرنامج الواحد أكثر من مرة، وإعادة بث العمل الدرامي الواحد مرات عدة في فترات متقاربة، لأن أمين المكتبة يخلد للراحة، ولا يقوم بجرد المكتبة ليقف على ما فيها من كنوز لم تُنهب بعد، ويضع خريطة برامجية بناءً على ذلك! ولم يكن موقفًا أن يتم تغيير اسم مسجد التلفزيون إلى مسجد الهيئة الوطنية للإعلام، ولم يكن اسمه مسجد اتحاد الإذاعة والتلفزيون، فلماذا هذا العبث؟!
ويبدو أن رئيس الهيئة الجديد وجد أنه لا بد أن تكون له بصمة، وأن هذه البصمة هي في تغيير اسم مسجد المبنى، فغيّره هو بدوره إلى مسجد «الليث بن سعد». عبث في عبث!
وعلى ذكر رئيس الهيئة المسلماني، الذي يفرقع بمب العيد، فبعد افتتاح استوديو نجيب محفوظ واستوديو أحمد زويل، فقد افتتح قبل أيام برفقة رئيس الوطنية للصحافة استوديو «ماسبيرو النهري»! كل هذا ولم يُنسب لعهده برنامج واحد يمكن أن يجعل لافتتاح ثلاثة استوديوهات معنى.
إن فرقعة البمب تُصدر دويًا ولا تُحدث أثرًا.

أرض جو:

مع أن عمرو أديب خاض في الحياة الخاصة لنفر من المعارضين بالمخالفة للدستور المصري وقوانين الإعلام، إلا أنني تمنيت ألا تكون حياته الخاصة موضوعًا للهجوم والنقد بعد إعلان طلاقه من الإعلامية لميس الحديدي وإقدامه على الزواج من سيدة أعمال!
وكان لافتًا أن إعلامية بليدة دخلت على الخط، وفرشت الملاية لعمرو، وكأننا في خناقة غوازي. وبالمناسبة فقد صدر عن مركز الترجمة في وزارة الثقافة المصرية كتاب «الغجر في مصر المعاصرة.. على هوامش المجتمع»، وهو رسالة دكتوراه لألكساندرا بارس، يمكن من قراءته فهم هذه الظواهر الإعلامية.
لماذا لا يتحرك الأعلى للإعلام لوضع حد لهذه الفوضى؟

 صحافي من مصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب