الافتتاحيهرئيسي

نيكتا خر تشوف وحرب السويس 1956 وعالم اليوم: أين النظام الدولي؟

نيكتا خر تشوف وحرب السويس 1956 وعالم اليوم: أين النظام الدولي؟

بقلم: رئيس التحرير 

في عالم يسوده الصراع على النفوذ والقوة، تظل أحداث التاريخ مدرسة أساسية لفهم واقع النظام الدولي، خصوصًا عند النظر إلى حرب السويس عام 1956 وما أعقبها من تحولات، وصولًا إلى زمن غورباتشوف وعالم اليوم.

حرب السويس 1956: دروس القوة والسيادة

شكل العدوان الثلاثي على مصر (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) بعد تأميم قناة السويس اختبارًا حقيقيًا للنظام الدولي في منتصف القرن العشرين. رغم التفوق العسكري للمعتدين، انتهت الحرب بانتصار سياسي لمصر تحت قيادة جمال عبد الناصر، نتيجة الضغط الدولي المباشر من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

من منظور القانون الدولي، كان العدوان انتهاكًا صارخًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة ضد وحدة واستقلال الدول. وما يبرز قوة الحدث هو أن الأمم المتحدة، رغم محدودية سلطتها آنذاك، استطاعت فرض نتائج سياسية على المعتدين، وهو درس واضح بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن الشرعية الدولية والقوة السياسية مجتمعتين قادرتان على ردع العدوان.

خورتشوف ونهاية ثنائية القطبية

الإصلاحات التي قادها غورباتشوف في الاتحاد السوفييتي (البيريسترويكا والغلاسنوست) كشفت هشاشة النظام الدولي القائم على توازن القوى بين المعسكرين الشرقي والغربي. انهيار الاتحاد السوفييتي أتاح مجالًا للتدخل الأحادي أو الثنائي في النزاعات الإقليمية لاحقًا، كما ظهر في حروب الخليج وليبيا والعراق.

الدرس هنا واضح: النظام الدولي يعتمد على توازن القوى وليس على المبادئ القانونية وحدها. عند انهيار هذا التوازن، يصبح القانون الدولي هشًا أمام الطموحات العسكرية والسياسية للدول الكبرى.

النظام الدولي اليوم: هشاشة وتحديات متزايدة

بعد أكثر من ستة عقود على حرب السويس، يظهر اليوم أن النظام الدولي موجود شكليًا، لكنه هش ومجزأ، ويعتمد أكثر على إرادة القوى الكبرى من التزاماتها القانونية. أبرز التحديات:

ضعف المؤسسات الدولية: مجلس الأمن غالبًا ما يعكس مصالح القوى الكبرى، ويفتقر إلى آليات فعالة لمنع العدوان أو حل الأزمات بسرعة وموضوعية.

التدخلات العسكرية والأحادية: استمرار الحروب الإقليمية وفرض العقوبات واستهداف الدول الضعيفة يظهر أن القانون الدولي يُطبَّق غالبًا وفق مصالح الدول الكبرى.

التهديدات العابرة للحدود: الإرهاب، التغير المناخي، والأزمات الاقتصادية الدولية تكشف أن النظام الدولي التقليدي غير مجهز للتعامل بفاعلية مع تحديات القرن الحادي والعشرين.

التحليل القانوني والسياسي

القانون الدولي حاضر نظريًا، لكنه ضعيف عمليًا؛ النصوص مثل ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف تحظر العدوان، لكن تنفيذها مرتبط بمصالح القوى الكبرى. توازن القوى هو الضمان الحقيقي للنظام الدولي، كما أظهرت حرب السويس، حيث الضغط الدولي والتوازن بين القوى قادران على ردع العدوان، في حين يؤدي غياب هذا التوازن إلى فراغ أمني تستغله القوى المتغلبة.

الخلاصة

النظام الدولي موجود، لكنه هش وضعيف، ومؤسسيًا غير قادر على حماية الدول الصغيرة أو تطبيق القانون الدولي دون تدخل القوى الكبرى. التاريخ، من حرب السويس إلى نهاية الاتحاد السوفييتي، يعلمنا أن الشرعية والقوة السياسية يجب أن تتكامل مع القانون الدولي لتحقيق الأمن والاستقرار.

اليوم، مع تصاعد الصراعات الإقليمية والعالمية، يبرز التحدي الأكبر: إعادة بناء النظام الدولي على أسس أكثر عدلاً وفاعلية، تربط القوة بالمسؤولية وتحمي سيادة الدول ومصالح الشعوب، قبل أن تتوسع فجوة الفوضى الدولية وتصبح الصراعات أكثر دموية وضررًا على المجتمع الدولي برمته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب