تحقيقات وتقارير

**الجيش العراقي: من التأسيس الوطني إلى لحظة الحل

**الجيش العراقي: من التأسيس الوطني إلى لحظة الحل
تفكيك المؤسسة العسكرية كمدخل لتفكيك الدولة**
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
شكّل الجيش العراقي، منذ تأسيسه في السادس من كانون الثاني/يناير 1921، الركيزة الأساسية لبناء الدولة العراقية الحديثة، ومؤسستها الوطنية الأوسع حضورًا وتأثيرًا. ولم يكن الجيش مجرد قوة عسكرية، بل كان حاضنًا للهوية الوطنية، ورافعة للسيادة، وأداة توحيد لمجتمع متنوع إثنيًا ومذهبيًا. وانتهى هذا الدور التاريخي عند لحظة مفصلية في 23 أيار/مايو 2003، حين صدر قرار حل الجيش العراقي، إيذانًا بتفكيك الدولة ومنظومتها العقائدية والسيادية.
التأسيس وبناء العقيدة الوطنية (1921–1958)
تأسس الجيش العراقي في ظل المملكة العراقية، وبإرادة وطنية قادها الملك فيصل الأول، رغم قيود الانتداب البريطاني. تولت وزارة الدفاع، برئاسة الفريق جعفر العسكري، مهمة بناء جيش مهني يعتمد التطوع والانضباط، ويستند إلى عقيدة الدفاع عن الوطن وحدوده.
خلال هذه المرحلة، تشكّل الجيش بوصفه مؤسسة جامعة، بعيدة نسبيًا عن الانقسامات، وأسهم في بناء الإدارة والانضباط العام للدولة. وبرز دوره القومي مبكرًا في حرب فلسطين عام 1948، حيث سطر واحدة من أكثر الصفحات إشراقًا في تاريخه، ولا سيما في معركة جنين، التي رسّخت صورة الجيش العراقي كقوة عربية مقاتلة دفاعًا عن فلسطين.
من الجمهورية الأولى إلى عسكرة السياسة (1958–1968)
مع ثورة 14 تموز 1958، دخل الجيش مرحلة جديدة، حيث انتقل من موقع الحارس للنظام إلى الفاعل السياسي المركزي. جرى توسيع بنيته، وتحديث تسليحه عبر اتفاقيات مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية، وصدر عدد من القوانين العسكرية التي نظمت الخدمة والترقيات.
غير أن تداخل العسكري بالسياسي أدخل الجيش في دوامة الانقلابات والصراعات الداخلية، ما أضعف تدريجيًا حياده المؤسسي، دون أن يفقد دوره كعمود فقري للدولة.
عقيدة الدولة المركزية وبناء القوة الشاملة (1968–1988)
مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1968، ثم تولي صدام حسين الرئاسة، أعيد تشكيل الجيش ضمن عقيدة تقوم على الدولة المركزية القوية. شهد الجيش توسعًا غير مسبوق في العدد والتسليح والتنظيم، وجرى بناء قوات نوعية مثل الحرس الجمهوري والحرس الجمهوري الخاص.
خلال الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، تحوّل الجيش العراقي إلى واحد من أكبر جيوش العالم، حيث بلغ قوامه قرابة مليون جندي، وامتلك خبرة قتالية واسعة، وبنية قيادية معقدة، وقدرة على خوض حروب تقليدية واسعة النطاق.
ذروة القوة وبداية التآكل (1988–2003)
بلغ الجيش العراقي ذروة قوته في نهاية الثمانينيات، واحتل المرتبة الرابعة عالميًا من حيث العدد عام 1990. غير أن غزو الكويت، ثم حرب الخليج الثانية، أدخلا الجيش في مواجهة غير متكافئة مع تحالف دولي واسع، أعقبتها عقوبات دولية قاسية.
أدت هذه المرحلة إلى:
تآكل القدرات العسكرية والتكنولوجية
إنهاك البنية الاقتصادية الداعمة للجيش
تراجع الجاهزية القتالية
انكفاء العقيدة من الهجوم إلى البقاء والدفاع
ورغم بقاء الجيش مؤسسة قائمة حتى عام 2003، إلا أنه كان يعمل في بيئة حصار خانقة، أضعفت قدرته على التطور، دون أن تفقده رمزيته الوطنية.
2003: قرار الحل وتفكيك المنظومة الوطنية
في 23 أيار/مايو 2003، أصدر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر القرار رقم (2)، القاضي بحل الجيش العراقي وكافة المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتسريح مئات الآلاف من الضباط والجنود، وإلغاء الرتب والامتيازات.
لم يكن هذا القرار إجراءً إداريًا، بل تحولًا استراتيجيًا استهدف:
كسر العمود الفقري للدولة العراقية
تفكيك العقيدة الوطنية الجامعة
إفراغ مفهوم السيادة من مضمونه
فتح المجال أمام الفوضى الأمنية والهويات الفرعية
وقد شكّل هذا القرار أحد الأسباب المباشرة لانهيار الأمن، وصعود الجماعات المسلحة، وتحوّل العراق إلى ساحة صراع مفتوحة.
خلاصة تاريخية
إن حل الجيش العراقي لم يكن نهاية مؤسسة عسكرية فحسب، بل كان إعلانًا غير مباشر عن نهاية الدولة المركزية التي تأسست عام 1921. فقد أُسقط الجيش بوصفه حاملًا للعقيدة الوطنية، وضابطًا للتوازن المجتمعي، وحارسًا للسيادة.
وبين تأسيسه عام 1921 وحلّه عام 2003، مثّل الجيش العراقي قصة دولة بكاملها: صعودًا، قوةً، أخطاءً، ثم انهيارًا مدويًا. وما زالت تداعيات تلك اللحظة التاريخية تلقي بظلالها الثقيلة على العراق حتى اليوم.
إعداد وتقرير:
المحامي علي أبو حبلة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب