تقليم أظافر الامارات في الجنوب اليمني: عن هروب الزبيدي وترسيخ النفوذ السعودي

تقليم أظافر الامارات في الجنوب اليمني: عن هروب الزبيدي وترسيخ النفوذ السعودي
أضيفت إلى تعقيدات المشهد الجنوب اليمني في الساعات القليلة الماضية أحداث زادت من عمق الأزمة وأعادت رسم حدود النفوذ بين الجانبين السعودي والاماراتي في تلك المنطقة. كان أبرزها هروب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، من عدن إلى أبو ظبي عبر مقاديشو، تاركاً قواته وقياداته في حالة من الفوضى والانكشاف العسكري والسياسي. يعد هذا الهروب مؤشراً واضحاً على انهيار مشروع كامل سعت أبو ظبي لفرضه في الجنوب، وعلى مدى عقد من الزمن، قائم على فائض القوة وغياب التقدير الدقيق لمحدودية التحالفات الإقليمية.
الهروب، بما حمله من دلالات، سبق قرار إسقاط عضوية الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي، وإحالته إلى القضاء بتهم ثقيلة، أبرزها الخيانة العظمى. إلا أن ترتيب الأحداث يوحي بأن القرار السياسي جاء توثيقا لانكسار ميداني، لا العكس. فالمعادلة التي كانت تمنح الزبيدي موقع “الشريك الإجباري” في الجنوب سقطت لحظة غادر المشهد، تاركاً قواته تتفكك سريعاً، وقياداته تبحث عن مخارج تفاوضية مع الرياض.
السؤال الجوهري لا يتعلّق بمصير الزبيدي كشخص، بل بالتحوّل البنيوي الذي دفع السعودية إلى الانتقال من سياسة إدارة الخلاف مع الإمارات، إلى كسر أدواتها في الجنوب. فتمدّد المجلس الانتقالي نحو حضرموت والمهرة لم يُقرأ في الرياض كتحرّك تكتيكي، بل كاختراق مباشر لأمنها القومي. هاتان المحافظتان لا تمثلان فقط عمقاً جغرافياً للمملكة، بل عقدة أمنية واقتصادية وقبلية تمتد على طول حدود حسّاسة، جعلت أي محاولة لفرض سلطة انفصالية فيهما خطاً أحمر غير قابل للتفاوض.
الرهان الإماراتي، وفق قراءات متقاطعة، قام على افتراض أن السعودية باتت أقل استعداداً للمواجهة، نتيجة استنزاف الحرب اليمنية، والضغوط الدولية، وتعدّد الجبهات الإقليمية. كما عوّلت أبو ظبي على أن تشابك المصالح بين الطرفين، خلال السنوات الماضية، سيمنع الرياض من الذهاب إلى خيار القطع أو الحسم. غير أن هذا التقدير تجاهل متغيراً أساسياً، أن المملكة لم تعد ترى في الجنوب ساحة نفوذ مشتركة، بل ملفاً أمنياً خالصاً لا يحتمل ازدواجية القرار.
بالتالي، يمكن فهم التحوّل السعودي كإعادة تعريف للشراكة، لا مجرد رد فعل على تصعيد ميداني. فالمملكة انتقلت من ضبط الوكلاء إلى إعادة هندستهم، ومن استيعاب التناقضات إلى تصفيتها. وفي هذا السياق، لم يكن استهداف معاقل المجلس الانتقالي، ولا سحب الغطاء السياسي عن قيادته، سوى رسائل عملية بأن أي مشروع انفصالي خارج الإطار الذي ترسمه الرياض بات غير قابل للحياة.
الحوار الجنوبي الذي تدفع به السعودية لا يُقارب كمسار توافقي بقدر ما يُستخدم كأداة فرز سياسي. فالرياض لا تبحث عن إعادة إنتاج المجلس الانتقالي بصيغة معدّلة، بل عن تفكيك بنيته الصلبة، وإعادة توزيع الولاءات داخل الجنوب على قاعدة “الأمن أولاً”. ومن هنا، تبدو مشاركة بعض قيادات الانتقالي في هذا الحوار أقرب إلى محاولة للنجاة الفردية، منها إلى تمسك بمشروع سياسي جامع.
أما الإمارات، فتجد نفسها أمام معادلة جديدة لم تكن في الحسبان. فخسارة ورقة المجلس الانتقالي، أو تحجيمها إلى هذا الحد، تعني تراجع قدرتها على فرض وقائع ميدانية في جنوب اليمن، في لحظة إقليمية تشهد إعادة ترتيب شاملة للأدوار. ولا يبدو أن أبو ظبي، حتى الآن، مستعدة للذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع الرياض دفاعاً عن مشروع بات مكلفاً سياسياً وعسكرياً.
دخل الجنوب اليمني فعلياً، مرحلة ما بعد “الانتقالي” بوصفه لاعباً مهيمناً. اذ أن هروب الزبيدي وخروجه من اليمن على هذه الشاكلة تحت جنح الظلام، لم يكن مجرد نهاية شخصية، بل إعلان نهاية مرحلة. مرحلة سقطت فيها أوهام فرض الأمر الواقع، لصالح معادلة جديدة تُدار من مركز القرار السعودي، وتُعيد رسم حدود النفوذ والوظيفة السياسية للقوى المحلية، وهذه المرة مع تحجيم سعودي للدور الاماراتي، أقل ما يقال عنه “تقليم أظافر” جاء هذه المرة بخشونة.




