المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين تجديد الشرعيات وإعادة تعريف الدور الوطني

المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين تجديد الشرعيات وإعادة تعريف الدور الوطني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يعقد المجلس الثوري لحركة فتح في رام الله دورته الثالثة عشرة في لحظة سياسية وتنظيمية حساسة تتقاطع فيها التحضيرات للمؤتمر الثامن مع نقاشات عميقة حول مستقبل الحركة ودورها وموقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني. وقد ناقش المجلس الثوري ثلاثة ملفات رئيسية ذات طبيعة سياسية وتنظيمية واستراتيجية، في سياق إعادة تقييم واقع الحركة وتحديد وجهتها في المرحلة المقبلة.
أولًا: اجتماع الثوري وملف التحضير للمؤتمر
ناقش اجتماع المجلس الثوري ملف التحضير للمؤتمر الثامن والمقرر عقده في نيسان/أبريل 2026، وما يرتبط به من ترتيبات تنظيمية وقانونية وسياسية. ويُنظر إلى المؤتمر بوصفه محطة لإعادة بناء الشرعية التنظيمية داخل الحركة، وربطها بشرعية القيادة السياسية في ظل واقع فلسطيني يتغير بسرعة. كما تطرّق الاجتماع إلى علاقة الحركة بالمؤسسات الوطنية وإلى ضرورة إعادة تفعيل منظمة التحرير بوصفها المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني.
ثانيًا: انتخابات الأقاليم والشرعية التنظيمية وفق النظام الداخلي
يمنح النظام الداخلي لحركة فتح أهمية بالغة لانتخابات الأقاليم، إذ تنص المواد التنظيمية على أن الانتخابات يجب أن تُجرى كل سنتين لضمان تجديد التمثيل وتفعيل القواعد التنظيمية (المادة 32)، بما يسمح للأقاليم بانتخاب ممثليها للمؤتمر العام والمجلس الثوري. وفي حال تعذر إجراء الانتخابات في ظروف خاصة، يجيز النظام تشكيل لجان تسيير أعمال مؤقتة (المادة 33)، على أن لا تتحول هذه الحالة إلى وضع دائم.
إن انتخابات الأقاليم تشكل في جوهرها خط الدفاع الأخير عن التمثيل القاعدي في الحركة، وبغيابها تصبح الشرعية التنظيمية عرضة للجمود، وتُفقد الحركة أحد أهم مصادر تجددها الداخلي. ولذلك فإن عقد المؤتمر الثامن دون استكمال هذا المسار سيُدخل الحركة في نقاش سياسي حول مدى اتساق الشرعية التنظيمية مع الشرعية السياسية.
ثالثًا: قراءة واقعية لواقع فتح اليوم
تمر حركة فتح اليوم بواحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخها السياسي والتنظيمي، ويمكن توصيف هذا الواقع عبر ثلاثة مستويات:
المستوى التنظيمي:
تعاني الحركة من حالة جمود في بعض الأقاليم والمواقع التنظيمية، ومن ضعف في تدفق الكوادر الشابة نحو مواقع القرار، ومن تراجع في الحيوية الداخلية التي كانت تميز مراحل سابقة. كما أن التفاوت بين حضور فتح في الضفة وغزة والخارج يزيد من تعقيد المشهد التنظيمي.
المستوى السياسي:
تواجه الحركة تحديًا في تحديد دورها داخل النظام السياسي الفلسطيني، وفي العلاقة بين الحركة والسلطة، وبين الحركة والمنظمة. وفي ظل الحديث الدولي عن إعادة هيكلة السلطة وإعادة بناء غزة، تصبح فتح مطالبة بإنتاج رؤية وطنية لا تكتفي بإدارة الواقع بل تسعى إلى صياغته.
المستوى الجماهيري:
تراجع الثقة الشعبية بالنخب السياسية الفلسطينية عمومًا وبمؤسسات النظام السياسي بشكل خاص يجعل من الحاجة لاستعادة التواصل مع الجمهور الفلسطيني مدخلًا استراتيجيًا. ويشكل الشباب المحور الأهم في هذه المعادلة، فبهم تبدأ إعادة البناء وبغيابهم تنتهي الحيوية السياسية.
رابعًا: التحولات الفلسطينية والإقليمية وتأثيرها على المؤتمر
إن انعقاد المؤتمر الثامن في هذه اللحظة يتقاطع مع ثلاثة مسارات كبرى:
حرب غزة وتداعياتها على بنية النظام السياسي وعلى مفهوم المقاومة وإعادة الإعمار
التحولات الإقليمية في العلاقة مع إسرائيل ودور العواصم العربية في الملف الفلسطيني
الضغوط الدولية لإعادة تعريف مؤسسات الحكم الفلسطينية
هذه التحولات تجعل من المؤتمر ليس حدثًا تنظيميًا، بل محطة لإعادة تعريف الحركة ودورها ورؤيتها وموقعها في قيادة المشروع الوطني.
خامسًا: مستقبل فتح بين خيارين
تقف فتح أمام مفترق طرق:
فإما أن يتحول المؤتمر الثامن إلى منصة لتجديد الشرعيات وضخ دماء جديدة وإعادة بناء العلاقة مع الجمهور الفلسطيني، وبخاصة الشباب، واستعادة المبادرة الوطنية؛
أو يبقى المؤتمر محطة شكلية تُكرّس الجمود ولا تغيّر موقع الحركة في النظام السياسي، ما يفتح الباب لقوى أخرى لملء الفراغ.
خلاصة استراتيجية
إن مستقبل فتح لا ينفصل عن مستقبل فلسطين. فالتجديد التنظيمي ليس مسألة داخلية بل جزء من معركة استعادة المشروع الوطني الفلسطيني ومؤسساته ومرجعياته. والتاريخ لا ينتظر القوى المترددة، بل يمنح الفرصة لمن يمتلك قدرة الفعل والت




