اليمن: «الانتقالي» يُعلن حلّ نفسه من الرياض وناطقه الرسمي يتهم السعودية باحتجاز الوفد

اليمن: «الانتقالي» يُعلن حلّ نفسه من الرياض وناطقه الرسمي يتهم السعودية باحتجاز الوفد
أحمد الأغبري
صنعاء- ”: أعلن الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي)، عبدالرحمن الصُبيحي، الجمعة، من الرياض، في بيان متلفز، حلّ المجلس وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية وإلغاء كافة مكاتبه في الداخل والخارج، فيما نفى متحدث المجلس الرسمي، أنور التميمي، قرار الحلّ، واتهم السعودية باحتجاز وفد المجلس في الرياض. كذلك اعتبر نائب رئيس المجلس، هاني بن بريك، أن قرار الحل تم تحت الضغط والاكرام لفريق المجلس المكبل بقيود الإقامة الجبرية، حد قوله.
في الأثناء، تداولت منصات التواصل الاجتماعي بيانًا منسوبًا للمجلس الانتقالي (على ما يبدو جناح الزُبيدي)، لم ينشره على موقعه الالكتروني ولا في حساباته على منصات التواصل، يدعو فيه أنصاره في عدن والمكلا لتنظيم مسيرتين، السبت، تعبيرًا عن دعمهم للانتقالي ورئيسه عيدروس الزُبيدي، ورفضهم لأي حلول منقوصة، حد تعبيره.
في المقابل، أعلنت محافظة عدن، الجمعة، إقرار منع التظاهرات والمسيرات والتجمعات والفعاليات الجماهيرية خلال الفترة الحالية، في سياق الحفاظ على الأمن والاستقرار والسكينة العامة، وفق صورة وثيقة رسمية متداولة على منصات التواصل الاجتماعي.
وأعلنتْ هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، قرار الحلّ، عقب اجتماع ضمّ القيادة التنفيذية العليا والأمانة العامة وبقية الهيئات التابعة للمجلس.
وقال الإعلان، إن حلّ المجلس جاء بعد تقييم الأحداث الأخيرة المؤسفة في محافظتي حضرموت والمهرة، وما تلاها من مواقف رفض لكل جهود التهدئة وإنهاء التصعيد، وما نجم عن ذلك من تداعيات خطيرة ومؤلمة، مشيرًا إلى البيان الصادر عن وزارة الخارجية السعودية لرعاية حوار جنوبي لحل قضية الجنوب.
وأضاف أن «قيادات المجلس لم تشارك في قرار العملية العسكرية تجاه محافظتي حضرموت والمهرة، التي أضرت بوحدة الصف الجنوبي وتسببت في الإساءة إلى العلاقة مع التحالف بقيادة الرياض، التي قدّمت ولازالت تضحياتٍ كبيرة ودعمٍ سياسي واقتصادي وعسكري مستمر، مما جعل استمرار وجود المجلس لا يخدم الهدف الذي أسس من أجله».
وقال الإعلان «وفي ضوء ما سبق، وما تتطلبه المسؤولية التاريخية تجاه قضية شعب الجنوب، فإننا نعلن حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي وحلّ كافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء كافة مكاتبه في الداخل والخارج، والعمل على تحقيق هدفنا الجنوبي العادل من خلال العمل والتهيئة للمؤتمر الجنوبي الشامل تحت رعاية المملكة».
وأشاد «بما صدر من المملكة العربية السعودية الشقيقة من التزامات واضحة وصريحة وما لمسناه من حرصٍ بالغ على قضيتنا».
ودعا «مختلف الشخصيات والقيادات الفاعلة في الجنوب إلى الانخراط في مسار مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل».
مما سبق فإن قرار الحلّ نفسه قد جاء استشعارًا لخطورة المرحلة التي دخل فيها المجلس، لاسيما بعد الخسائر المكلفة للعملية العسكرية في حضرموت والمهرة بشريًا وسياسيًا، وما تجلى عنها من انفراد واضح في صنع القرار داخل هيئاته العليا، وما ترتب على هروب رئيس المجلس عيدروس الزُبيدي، في ظل استمرار المجلس على التغطية على مخالفات مالية جسيمة، كان يشرف عليها، وفي مقدمتها الجبايات غير القانونية في المحافظات، التي كانت تحت سيطرته، علاوة على ما تم كشفه من خلال مصادر اقتصادية عن أرقام بمبالغ مهولة كان يتسلمها المجلس، بما فيها الأموال التي كان يتلقاها شهريًا من خزينة الدولة، بمتوسط يصل إلى عشرة مليارات ريال يمنيّ، وفق الباحث وحيد الفودعي، وغيرها من التجاوزات.
لم تقتصر أسباب حل المجلس الانتقالي على ذلك، بل تمتد إلى ما صار يمثله من خلال تشكيلاته المسلحة من دولة داخل دولة، معيقًا لعمل الحكومة ومتحكمًا بقرارها بل كان هو الدولة، علاوة على ما يمثله من معوق لمسار دمج التشكيلات المسلحة في جهاز واحد، فضلًا عن إعاقة مسار التسوية السياسية الشاملة من خلال رؤيته التي تضع العربة قبل الحصان من خلال حل القضية الجنوبية قبل حل القضية اليمنية، مما جعل من قرار حلّ المجلس في الرياض ضرورة ملحة، وفق مراقبين.
كما لا يمكن أن نتجاوز موقف الرياض في هذا الاتجاه، وإصرارها على تصفيه كل أشكال الوجود الاماراتي في جنوب وشرق اليمن في سياق ما تعيشه اللحظة الراهن من تنافس بين القوتين؛ وبخاصة بعد أحداث الـ30 من ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
أُنشئ المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو/أيار 2017، وتحديدًا عقب قرار الرئيس عبدربه منصور هادي بإقالة عيدروس الزُبيدي من عملة محافظ لعدن. واعتمد المجلس في تكوينه على هيكلة افترض من خلالها أن يمثل نواة لتأسيس دولة، فلم يلتزم بهيكلة الأحزاب. ولا يمكن تبرير هذه التشكيلة بأن قانون الأحزاب اليمني يرفض إنشاء أحزاب ترفض وحدة أراضي البلاد، بقدر ما كانت النزعة الانفصالية هي الساند لتشكيلته.
يُدير المجلس الانتقالي عددًا من التشكيلات المسلحة منها: قوات الأحزمة الأمنية، قوات العاصفة، ألوية الحماية الرئاسية، قوات النخبة الحضرمية، قوات دفاع شبوة (النخبة الشبوانية سابقا). ويبلغ عدد منتسبي هذه التشكيلات زهاء مئة ألف.
يبقى السؤال عن مصير هذه التشكيلات بعد إعلان حله، وفي هذا ثمة سيناريوهين: الأول دمجها في هيكل قوات وزارتي الدفاع والداخلية. السيناريو الثاني هو تسريحها، لكن هذا السيناريو مستبعد؛ لأنه سيترتب عليه نشوء فصيل مسلح سري يقوم بعمليات ضد الحكومة؛ مما يجعل من السيناريو الأول مرجحًا، باعتباره سيحتوي هذه التشكيلات، وسيحتوي ما لديها من عتاد عسكري.
“تحت الإكراه”
لكن إعلان حل المجلس الذي تم من خلال وفد المجلس الذي يزور الرياض لحضور مؤتمر الحوار الجنوبي، وعدده يصل إلى ستين شخصية، لم يلق استجابة من قيادات أخرى في المجلس، وبخاصة البعض منها، بما فيها مَن هو مُقيم خارج البلاد، كنائب رئيس المجلس، هاني بن بريك، الذي اعتبر «أن ما يجري مهزلة سياسية يشهدها العالم. الإكراه موجبٌ للعذر في قول كلمة الكفر، فكيف بما هو دون الكفر من إعلان قرار سياسي تحت الضغط والإكراه لفريق المجلس الانتقالي المكبل بقيود الإقامة الجبرية».
وقال في تدوينتين: «نناشد المجتمع الدولي ممثلاً بالأمين العام للأمم المتحدة والدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن التدخل العاجل والفوري لإطلاق سراح وفد المجلس الانتقالي الجنوبي المحتجز في الرياض، والذي أُجبر مُكرهاً في مسرحية هزلية باعثة للاشمئزاز على إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي».
كذلك، المتحدث الرسمي باسم المجلس، أنور التميمي، الذي قال في حسابه على منصة إكس إن «القرارات المتعلقة بالمجلس لا يمكن اتخاذها إلا من قبل المجلس بكامل هيئاته وبرئاسة الرئيس الزُبيدي»، مضيفًا أن «اتخاذ قرارات المجلس ستتم فور الإفراج عن وفد المجلس الانتقالي الموجود في الرياض»، مشيرًا إلى أن «المجلس سيواصل التعاطي الإيجابي والبنّاء مع كافة المبادرات السياسية بما يتيح لشعب الجنوب تقرير مستقبله».
على الجانب الآخر في قيادة المجلس المؤيد للإعلان، أعرب عضو هيئة رئاسة الانتقالي، راجح باكريت، عن «خالص الشكر للمملكة العربية السعودية على اهتمامها الصادق بالقضية الجنوبية»، معلنًا «دعمنا الكامل للجهود التي تقودها قيادة المملكة لتحقيق الأمن والاستقرار وتطبيع الأوضاع، ودعم مسارات القضية الجنوبية العادلة عبر مؤتمر الحوار الوطني الجنوبي–الجنوبي».
كذلك، قال القيادي في الانتقالي، نائب وزير الإعلام والثقافة والسياحة، صلاح العاقل، في تصريح تلفزيوني، إن حل المجلس الانتقالي هو بداية حل القضية الجنوبية برعاية المملكة العربية السعودية، التي ترعى المسار التفاوضي ممثلًا في الحوار الجنوبي الذي ستشهده الرياض قريبا.
صناعة الأصنام
على صعيد مواقف أبناء جنوب اليمن، فقد انقسموا، أيضاً، بين رافض وراض، ومن المؤيدين للقرار، مستشار الرئاسة، ياسين عُمر مكاوي، الذي قال إن «القضية الجنوبية اليوم وُضعت في مسارها الصحيح وخارطة حلها أضحت في متناول الجنوبيين بمكوناتهم الثابتة الرافدة لها، ومن أجل المضي في رسم تلك الخارطة بمشاركة العقل الجنوبي المتمنطق بالوعي لا بالسلاح، ومن أجل ذلك حُل المجلس الانتقالي لتمضي سفينة القضية إلى مرساها بعيداً عن المغامرات وصناعة الأصنام».
أيضًا، كتب وزير النقل الأسبق، صالح الجبواني، معربًا عن سعادته بإعلان حل المجلس: «من فرط الفرح ـ كما يقول أشقاؤنا في مصر ـ حتى «طارت عيناي»، سارعت إلى شكر المملكة العربية السعودية على حل المجلس الانتقالي. غير أن الحقيقة، التي يقتضي الإنصاف قولها، إن هيئات المجلس ذاته هي من اتخذت هذا القرار، وهو أمر لا يغيّر من جوهر قناعتنا السابقة بأن هذا الكيان وُلد ميتًا، وقد قلنا ذلك بوضوح منذ لحظة تأسيسه».
على الجانب الآخر، قال الأكاديمي جلال حاتم إنه «لا يمكن الثقة بوعود أو ضمانات إذا كان سيف الإكراه مسلطًا على رقاب المفاوضين. أي عملية سياسية قادمة يجب أن تُبنى على ضمانات دولية رصينة تحمي المشاركين من مصير الاحتجاز والابتزاز» في إشارة إلى أن إعلان حل المجلس الانتقالي في الرياض تم تحت الإكراه.
كذلك، كتب علي ناصر العولقي، قائلاً إن «السعودية استدرجت وفد المجلس الانتقالي الجنوبي تحت غطاء الحوار، ثم حوّلت الحوار إلى أداة إكراه سياسي»، مضيفا: «الوفد ذهب إلى الرياض للحوار، لا لتقديم صكّ نهايته تحت الاكراه والتهديد».
حساسية المرحلة
على المستوى الحكومي، قال وزير الخارجية والمغتربين في الحكومة المعترف بها دوليًا، شائع الزنداني، في تصريح صحافي، إن «القرار الشجاع الذي اتخذته قيادات المجلس الانتقالي اليوم (أمس) يعكس وعيًا بحساسية المرحلة، ويؤكد أن المصلحة العامة لقضية الجنوب فوق أي اعتبارات أخرى، ويمهد لفرصة تاريخية لحوار مسؤول يضع قضيتهم على طريق الحل العادل والشامل».
كما اعتبرت رئاسةُ هيئةِ التشاورِ والمصالحةِ، حلِّ المجلسِ، «خطوةً إيجابيةً تُسهمُ في تهيئةِ المناخِ العام نحو الحوارِ والتوافقِ الوطني والمصالحة».
قرار شجاع
سعوديًا، اعتبر وزير الدفاع، الأمير خالد بن سلمان، في تدوينة على حسابه على منصة إكس أن «القرار الذي اتخذته الشخصيات والقيادات الجنوبية بحل المجلس الانتقالي كان قرارًا شجاعًا حريصًا على مستقبل القضية الجنوبية، وتشجيعًا لمشاركة باقي أبناء الجنوب في مؤتمر الرياض خدمة لقضيتهم».
وقال إن «قضية الجنوب أصبح لها مسار حقيقي ترعاه المملكة، ويدعمه ويؤيده المجتمع الدولي عبر مؤتمر الرياض، الذي نسعى من خلاله لجمع إخوتنا أبناء الجنوب، لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة بما يلبي إرادتهم وتطلعاتهم».
وأضاف: «ستشكل المملكة لجنة تحضيرية بالتشاور مع الشخصيات الجنوبية للإعداد للمؤتمر، الذي سيشارك فيه شخصيات جنوبية من كافة محافظات الجنوب دون إقصاء أو تمييز، وستدعم المملكة مخرجات المؤتمر ليتم طرحها على طاولة حوار الحل السياسي الشامل في اليمن».
كذلك اعتبر السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، أن «القرار الشجاع لقيادات الانتقالي بحل المجلس أكدّ حرصهم على مستقبل القضية الجنوبية».
إنهاء حظر التجوال
في المقابل، أعلنت عمليات القوات الأمنية في عدن، أمس الجمعة، «إنهاء حظر التجوال في عموم مديريات عدن، وعودة حركة المواطنين والمركبات إلى وضعها الطبيعي، ابتداءً من اليوم».
كما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، عن استئناف تشغيل مطار سيئون الدولي أمام الرحلات الجوية، ابتداءً من صباح يوم الأحد، الموافق الـ 11 من يناير/ كانون الثاني الجاري.
ووفقاً لبيان الهيئة، «فإن هذا الاستئناف يأتي عقب استكمال كافة الأعمال الفنية الخاصة بإعادة التأهيل في عدد من مرافق المطار، بما يضمن الجاهزية التشغيلية، ورفع مستوى السلامة والخدمات المقدّمة للمسافرين وشركات الطيران».
“القدس العربي




