كتب

شهادات تُروى لـ«القدس العربي»: نساء غزة من فقدان البطاقة الشخصية إلى فقدان الدعم

شهادات تُروى لـ«القدس العربي»: نساء غزة من فقدان البطاقة الشخصية إلى فقدان الدعم

وردة الشنطي

غزة –: تحت وطأة الحروب والنزوح، تواجه النساء والأطفال وكبار السن في غزة تحديات إنسانية ومعيشية هائلة. وليس الفقدان ماديًا فقط، بل يمتد ليشمل الحقوق الأساسية والوثائق الضرورية التي تتيح لهم الحصول على مساعدات، ودعم، أو أدوات حياتية تساعدهم على الصمود.
كثيرون فقدوا أوراقهم الثبوتية، وتقاريرهم الطبية، أو بطاقاتهم الشخصية، ليجدوا أنفسهم أمام جدران إدارية تمنعهم من استعادة أبسط حقوقهم. هذه المعاناة اليومية تكشف هشاشة الدعم المؤسسي في أوقات الطوارئ والحرب، وتسلّط الضوء على قصص نساء صمدن رغم كل العقبات، وحاولن توفير حياة كريمة لأنفسهن ولأسرهن.

خيبة بنك

كانت بتول يوسف تعيش حياة بسيطة في مخيم جباليا، حياة مثقلة بالقلق لكنها مفعمة بالمسؤولية، خصوصًا تجاه ابنتها ياسمين. لم تكن تطلب من الدنيا أكثر من الأمان وسقف يحمي صغيرتها، لكن القصف الذي طال بيتها قلب كل شيء رأسًا على عقب. وفي لحظة واحدة، لم تخسر بتول جدران المنزل فقط، بل فقدت أوراقها الثبوتية كلها، وعلى رأسها بطاقتها الشخصية، تلك القطعة الصغيرة من الورق التي تختصر وجود الإنسان وحقه في الحياة الكريمة.
مرت الأيام ثقيلة، تنقلت خلالها بتول بين النزوح والخوف، حتى جاءت الهدنة، فتنفّس الناس الصعداء، وفتحت بعض الأبواب المغلقة، وكان من بينها أبواب «بنك فلسطين»، فشعرت حينها بشيء من الأمل.
فهناك كفالة مخصصة لابنتها ياسمين، كفالة يمكن أن تعني طعامًا ودواءً ودفترًا مدرسيًا، ويمكن أن تعني مستقبلًا أقل قسوة لطفلة لم تعرف من طفولتها سوى أصوات الطائرات.
توجهت بتول إلى البنك، تحمل بين يديها ورقة إثبات صادرة عن جهة رسمية، ظنّت أنها ستكون كافية في ظرف استثنائي كهذا. وقفت في الطابور، وعيناها تراقبان الوجوه المتعبة من حولها، وكلها تشبهها في الفقد والانتظار.
وعندما جاء دورها، شرحت قصتها بهدوء حاولت أن تخفي خلفه الانكسار، لكن الرد كان قاسيًا وبسيطًا في آن واحد: لا يمكن فتح حساب دون بطاقة شخصية صادرة قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
خرجت بتول من البنك بخطوات بطيئة. لم يكن الرفض مجرد إجراء إداري، بل كان صفعة جديدة لامرأة أنهكتها الحرب. كيف يمكن لورقة مفقودة تحت الركام أن تحرم أمًا من حق ابنتها في الكفالة؟ وكيف يمكن للأنظمة أن تعجز عن رؤية الإنسان خلف المستند؟
عادت بتول إلى ياسمين، حاولت أن تبتسم، وأن تخبرها أن الغد سيكون أفضل، لكنها في داخلها كانت تعلم أن معركتها لم تنتهِ بعد، وأن فقدان البطاقة لم يكن مجرد خسارة وثيقة، بل خسارة اعتراف بوجودها وحقها في العيش بكرامة، في زمن أصبحت فيه النجاة نفسها بحاجة إلى إثبات.

ثقل يومي

روان أحمد حسين سيدة أنهكتها المسؤولية قبل أن يتعبها الزمن، أم لثماني بنات، تحمل على كتفيها أثقال أسرة كاملة في واقع لا يرحم، خاصة بعد أن أصبح زوجها عاطلًا عن العمل بسبب إصابة أقعدته عن الكسب والحركة.
ومنذ ذلك اليوم، صارت روان المعيل الوحيد، والملجأ الأخير، والصوت الذي يحاول أن يبقى ثابتًا وسط ضجيج الحرب والحاجة.
في الشهور الأولى للحرب، اضطرت روان للنزوح من غزة إلى المحافظة الوسطى. لم تكن الرحلة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل عبورًا قاسيًا عبر الخوف والتفتيش والانتظار الطويل.
وعند حاجز نتساريم، وسط الزحام والتوتر والدموع، فقدت روان بطاقتها الشخصية. لم تنتبه في اللحظة نفسها، ولم تكن تعلم أن تلك البطاقة ستتحول لاحقًا إلى جدار صلب يقف بينها وبين أبسط حقوقها.
اليوم، تستيقظ روان كل صباح على سؤال واحد: كيف تؤمّن احتياجات بناتها؟ تحاول بكل ما أوتيت من صبر أن تفتح حسابًا في المحفظة الإلكترونية بال باي، علّها تتمكن من استلام مساعدات نقدية تقدمها مؤسسات دولية للأسر المتضررة. هذه المساعدات ليست رفاهية، بل ضرورة تعني الطعام، والدواء، وملابس تقي بناتها برد الخيام وقسوة الشتاء.
تذهب وتعود، تسأل وتشرح قصتها مرة تلو الأخرى، لكن الإجابة تبقى نفسها: لا يمكن فتح الحساب دون بطاقة شخصية. لا أحد ينكر معاناتها، لكن الإجراءات لا ترى سوى الوثائق، ولا تسمع حكايات الفقد والنزوح.
وفي المساء، تجتمع بناتها حولها، تحاول أن تبدو قوية، تزرع فيهن الأمل، وتعدهن أن الغد سيكون أفضل، بينما يسكن داخلها قلق دائم وخوف من أن يطول الانتظار.
قصة روان ليست استثناء، بل صورة لنساء كثيرات فقدن أوراقهن تحت وطأة النزوح، وفقدن معها القدرة على الوصول إلى الدعم. ورغم كل ذلك، تواصل روان المحاولة، لأن الاستسلام ليس خيارًا لأم تعلم أن بقاء بناتها يعتمد على صمودها.

كرامة معطّلة

ابتهال أبو عمر تعيش اليوم حياة تختصرها خيمة، ومساحة ضيقة من القماش لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء. تقيم وحدها في أحد مخيمات النزوح، بعد أن فرّقتها الحرب عن أسرتها، وجعلت من وحدتها عبئًا إضافيًا فوق معاناة لا تنتهي.

وتعاني ابتهال من إعاقة حركية تجعل الكرسي المتحرك ضرورة لا غنى عنها. كان التقرير الطبي الذي بحوزتها الدليل الوحيد على حالتها الصحية وحقها في الحصول على الدعم، لكن خلال النزوح القسري فُقد التقرير، كما فُقدت أشياء كثيرة لا يمكن تعويضها.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ فصل جديد من المعاناة، معاناة سببها ورقة ضاعت في طريق النزوح. وفي المخيم، تحاول ابتهال الاعتماد على نفسها قدر الإمكان، لكن كل خطوة خارج خيمتها رحلة شاقة، وكل محاولة للوصول إلى نقطة خدمات تحتاج جهدًا مضاعفًا ووقتًا أطول.
ورغم وضوح حالتها للعيان، إلا أن الإجراءات الرسمية لا تعترف إلا بالوثائق، ولا ترى الألم الذي لا يحمل ختمًا. توجهت إلى أكثر من جهة إنسانية، شرحت وضعها، وقدمت ما استطاعت من إفادات شفوية، لكنها كانت تُقابل بالاعتذار ذاته: لا يمكن توفير كرسي متحرك دون تقرير طبي معتمد.
شعرت حينها أن الإعاقة لم تعد في جسدها فقط، بل في النظام الذي يعجز عن التعامل مع ظروف استثنائية فرضتها الحرب. وفي ليالي المخيم الطويلة، تجلس ابتهال أمام خيمتها، تراقب حركة الناس من حولها، وتفكر في كيف يمكن لوثيقة واحدة أن تحرم إنسانة من حق أساسي في الحركة والكرامة.
ورغم القهر، لا تزال تحتفظ بقدر من الأمل، أمل أن يُعاد النظر في هذه الإجراءات، وأن يُنظر إليها كإنسانة قبل أن تُطلب منها الأوراق. فقصة ابتهال ليست حالة فردية، بل صرخة صامتة لذوي الإعاقة في زمن الحرب، حيث يصبح فقدان ورقة سببًا لفقدان أبسط حقوق الحياة.
وتبرز قصص النساء في النزوح والحروب قوة الصمود والأمل رغم فقدان الحقوق والوثائق. فبرغم العقبات المعيشية الكبيرة، تبقى إرادتهن صلبة، وتؤكد هذه التجارب الحاجة إلى دعم حقيقي ومرن يحمي كرامة الإنسان، ويضمن حقوقه الأساسية حتى في أصعب الظروف.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب