الصحافه

ما معنى إعلان عراقجي أن “القناة الدبلوماسية مفتوحة مع ويتكوف”؟

ما معنى إعلان عراقجي أن “القناة الدبلوماسية مفتوحة مع ويتكوف”؟

تسفي برئيل

  بين المعطيات المتناقضة حول عدد القتلى، والأنباء عن دراسة الولايات المتحدة لخيار شن هجوم على إيران، وتقارير عن إعادة فتح قناة التواصل الدبلوماسية، بات صعباً في هذه المرحلة التكهن بمآل الاحتجاجات في إيران. ينبغي التعامل بحذر وتحفظ مع إعلان ترامب أن نظام إيران تواصل مع واشنطن وطلب التفاوض، وأن “هذا الاجتماع مخطط له بالفعل”. الرئيس الأمريكي “يتريث” في العادة. وفي مناسبات كثيرة، بما في ذلك قضايا تتعلق بإسرائيل، مثل صفقة الرهائن أو التوصل إلى حلول سياسية، كان قد أظهر تفاؤلاً كبيراً، لكن تبين أحياناً أنه تفاؤل لا أساس له من الصحة.

 بنفس الدرجة من التشكك، ينبغي التعامل مع رد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الذي أوضح أمس بأن “القناة الدبلوماسية بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، مفتوحة دائماً، ويتم تبادل الرسائل بينهما عند الضرورة”، قبل ثلاثة أسابيع فقط، صرح عراقجي بأن محادثاته مع ويتكوف جمدت لبضعة أشهر. ومع ذلك، لم ينف المتحدث ووزير الخارجية حتى الآن إمكانية عقد لقاء بين الطرفين. ويبدو أن من حاول، وربما نجح، فتح هذه القناة هي سلطنة عمان، الوسيط الناجع والمخضرم بين أمريكا وإيران، وقد زار وزير خارجيتها، بدر بن حمد بوسعيدي، طهران السبت والتقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

 إذا كان النظام في إيران قد بادر الآن إلى خطوة دبلوماسية سيتم تنفيذها، فقد يساهم ذلك -حسب رأيه- في تهدئة رياح الحرب والتهديد الأمريكي بشن هجوم في إيران. والأهم أنها خطوة قد تحد من انتشار المظاهرات التي تعم عشرات المدن والبلدات في أرجاء إيران، والتي يشارك فيها -حسب تقارير غير مؤكدة- حوالي 1.5 – 2 مليون شخص. ويبدو أن إيران تقدر بأن ترامب، الذي ما زال “يفحص كل الاحتمالات” لإلحاق الضرر بالنظام، لم يتخذ قراره النهائي حتى الآن، وأن “يده الممدودة للدبلوماسية” لم تتراجع بعد. وتحفظات أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين يشككون في فائدة الهجوم العسكري، تسمع بوضوح في إيران.

ثمة تقارير تفيد بممارسة ضغوط من السعودية وقطر ودول عربية أخرى في محاولة لإقناع ترامب بعدم فتح جبهة جديدة في إيران، ومحاولة إسقاط النظام. ذريعتهم الأساسية أنه لا بديل واضحاً للنظام حتى الآن، وأنه لا توجد قيادة متفق عليها تتشكل داخل صفوف الاحتجاجات وتحظى بالشرعية الشعبية، وأن إسقاط النظام قد يشعل حرباً أهلية تنتشر إلى حدودهم. من جهة أخرى، لا تضمن إيران أنه حتى لو قرر ترامب فتح المفاوضات أنه لا يفعل ذلك تحت ضغط كبير – سواء من أجل الوفاء بوعده للمتظاهرين وتنفيذ تهديده “إذا بدأ النظام في إطلاق النار فسنبدأ أيضاً”، أو من أجل تسريع وتيرة موافقة إيران على شروطه.

 بين ضغط الشارع والتهديد الأمريكي، كان السؤال المحوري للنظام، وما زال، هو مدى ولاء الجيش والحرس الثوري واستعدادهما لمواصلة المواجهة مع المتظاهرين. ويأتي هذا في ظل تقييم يفيد بأن أي هجوم أمريكي سيستهدف أهدافاً للنظام، بما في ذلك البنى التحتية المدنية للحرس الثوري. وفي نهاية الأسبوع، أظهرت تقارير في إيران بأن النظام أمر الحرس الثوري بـ “رفع حالة التأهب القصوى”، وحسب بعض التقارير، فقد صدرت له بالفعل أوامر للبدء في العمليات. وأظهر تقرير آخر أن النظام لجأ للجيش لفحص طرق وخطط لمشاركته في قمع المظاهرات. مع ذلك، حسب هذا التقرير نفسه الذي لم يتم التحقق منه، هناك تخوف من انشقاق جماعي في حالة صدور مثل هذا الأمر. ورغم أن الجيش والحرس الثوري أعلنا قبل بضعة أيام بأن “المساس بالأمن خط أحمر” وأن الجيش “سيدافع بحزم” عن الوطن ضد “من يسعون إلى ضعضعة النظام والأمن”، لكنهما يفحصان التطورات بقلق. ويعود ذلك بالأساس إلى نهج تنظيمي يقوم على المصالح الذاتية، ما يجبرهما على حماية مكانتهما ومستقبلهما، وبالأساس ممتلكاتهما التي تتعرض للتهديد بالهجوم.

 الحرس الثوري الذي يضم منذ 1981 قوات الباسيج (منظمة تجنيد المضطهدين)، وهو كيان اقتصادي هائل يسيطر على معظم مجالات الاقتصاد في إيران، وميزانية الدولة للعام 2025 تخصص للحرس الثوري وفروعه الستة حوالي 6 مليارات دولار في السنة، أي ضعف ميزانية الجيش تقريباً، ولكن هذا ليس إلا جزء من تمويل الحرس الثوري، وربما ليس الجزء الأكبر. والحرس يسيطر أيضاً على مشاريع عقارات مستقبلية ومحطات نفط وأسطول ناقلات النفط التي تسوق النفط بالسر، متجاوزاً بذلك العقوبات. ويمتلك شبكات ووسائل إعلام ويدير المطارات ويشارك في كل المناقصات الحكومية تقريبا. إضافة إلى ذلك، هو شريك في مؤسسات توصف بأنها “جمعيات خيرية”، البونياد، التي تعمل بدورها كمجموعات أعمال شاملة. بفضل كل ذلك، يعتبر الحرس الثوري أغنى جهة في البلاد. وليس هذا فقط، بل يوظف مئات آلاف العمال وملايين آخرين بشكل غير مباشر.

 بنية الحرس الثوري التحتية الضخمة تمنحه سيطرة على شريحة واسعة من المواطنين الذين يعتمدون على مصانعه في معيشتهم. بالنسبة لهم، أي تغيير جذري في نظام الحكم بدون ضمانات واضحة لنتائجه يعتبر تهديداً وجودياً. في دولة يصنف فيها ثلث المواطنين كفقراء، وعدد سكانها تحت جيل الثلاثين نسبتهم 60 في المئة، وعدد كبير منهم مثقفون ولكنهم يفتقرون إلى الفرص الاقتصادية، فإن الوظيفة في شركة أو في مشروع تابع للحرس الثوري أو للنظام بشكل عام، هي ركيزة اقتصادية حيوية، حتى لو كان ثمنها الولاء والاستعداد للتجنيد.

 تأسس الحرس الثوري بأمر من الخميني كهيئة مسؤولة عن تطبيق أسس الثورة الإسلامية واستيعابها وحمايتها، في وقت كان ينظر فيه للجيش، الذي ورثه النظام عن الشاه في 1979، بأنه هيئة مشتبه فيها غير مضمون ولاؤها. ومنذ ذلك الحين، أصبح الحرس الثوري الذراع العسكرية والسياسية التي تدعم النظام نفسه، ويمكن تشبيه وضعه بدرجة كبيرة بوضع الجيش المصري، الذي يدير إلى جانب مهماته العسكرية نظاماً اقتصادياً مستقلاً غنياً بالأصول، ويمول نفسه وأعضاءه، وملايين آخرون يعملون لخدمته. وتعتبر هذه الهيئات، في إيران ومصر، ذات حساسية كبيرة لأي صدمة شعبية قد تضر بالنظام القائم وتعرقل عمل “آلة الاقتصاد” التي تدعمها، وفي أسوأ الحالات قد تفقدها السيطرة على هذه الموارد.

 عندما قرر الجيش المصري الانحياز إلى جانب المتظاهرين ضد حسني مبارك عند اندلاع ثورة الربيع العربي قبل 15 سنة، لم يكن القرار نابعاً من ردة فعل مفاجئة تجاه الديمقراطية والحقوق المدنية، بل كان إدراكاً لخطر فقدان المؤسسة العسكرية نفسها التي تقوم على فكرة “جيش الشعب” لشرعيتها، ومن ثم فقدان القاعدة الاقتصادية والسياسية التي تقوم عليها. هذا ما جعل الجيش يتصرف بهذا الشكل. وبطريقة غير مباشرة، أصبح الجيش المصري أكثر من مجرد درع للاحتجاجات، إذ استولى على الحكم، مبدئياً بـ “صورة مؤقتة” إلى حين إجراء الانتخابات. وبعد انتخاب مرسي، الذي ينتمي لحركة الإخوان المسلمين، استكمل الجيش هذه الخطوة في غضون سنة، فقام وزير الدفاع في حينه، عبد الفتاح السيسي، الذي عينه مرسي، بعزله والاستيلاء على السلطة بدلاً منه “باسم إرادة الشعب”. الحكومة تغيرت ولكن نظام الحكم بقي قائماً.

 الوضع في إيران مختلف. نظرياً، بإمكان الحرس الثوري تنفيذ انقلاب وعزل المرشد الأعلى علي خامنئي وإقامة نظام عسكري. ولكنها خطوة ستلقي عليه المسؤولية المباشرة والحصرية لحل الأزمة الاقتصادية وإعادة بناء البلاد، فضلاً عن مواصلة قمع حركة الاحتجاج التي لن تجد في هذا الانقلاب ما تصبو إليه. ولا يمكن لعملية إعادة بناء حقيقية أن تبدأ إلا من خلال رفع العقوبات المفروضة على إيران من قبل أمريكا وأوروبا. والحرس الثوري سيجبر عندها على دفع الثمن الذي يطلب من النظام القائم بدفعه.

 من وجهة نظرهم، من الأفضل للمرشد الأعلى تحمل العواقب، فيما هم يكتفون فقط بتنفيذ الأوامر من أعلى. بهذه الطريقة، ستستمر معادلة ميزان القوة والتبعية فيما بينهم وبين القيادة المدنية. وربما يطلب وزير الخارجية الإيراني من ويتكوف استئناف المفاوضات، المؤشر على أن النظام والحرس الثوري قد وصلا إلى مفترق طرق استراتيجي، حيث يبرر الحفاظ على النظام دفع ثمن سياسي باهظ، وذلك بعد أن صرح خامنئي في أيلول الماضي بأنه “لن توافق أي دولة في العالم على التفاوض تحت التهديد”. ولكن الآن، رغم خطاب وسياسة الولايات المتحدة التي امتنعت عن تحديد هدف لإسقاط النظام، فإنه هدف أصبح مشروعاً، حتى لو افتقر تحقيقه إلى خطة عملية.

 هآرتس 13/1/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب