دينيّة أكثر ومكارثية…

دينيّة أكثر ومكارثية…
أنطوان شلحت
في حال دفعت القيادة الدينية إسرائيل نحو ضم الضفة الغربية سيتم تطبيق الاحتمال الثالث والأكثر إثارة للقلق، وهو استمرار ضعف الديمقراطية أمام قوى معادية للديمقراطية، وسيتوقف الكنيست عن العمل، وستتزايد الفوضى التي ستتحول إلى أمرٍ مألوف.
إذا كانت النبوءة بشأن إسرائيل قبل عقد ونصف عقد، في مجمل التوقعات المتعلقة بتركيبتها الديموغرافية، تؤكّد أنها ستصبح دولة دينية أكثر، فإن أغلب التوقّعات، في كل ما يرتبط بهيكل الحكم فيها استقرّت عند النبوءة الذاهبة إلى أنها ستصبح مكارثية.
ويجري الحديث عن توقعات عامي 2010 و2011، ففي الأول نُشرت دراسة حملت عنوان “إسرائيل 2010 – 2030: في الطريق إلى دولة دينية”، أعدّها معهد حايكين للأبحاث الجيو-إستراتيجية في جامعة حيفا، وفيها وصف للتحولات الديموغرافية التي تمر على المجتمع الإسرائيلي من خلال التركيز على النمو الطبيعي في قطاع اليهود الحريديين (المتشدّدون دينياً) والقطاعين الديني والعلماني وبين العرب وانعكاسات ذلك على هذه التحولات. وتوصلت إلى استنتاجات مفادها بأن المتدينين اليهود سيشكلون أغلبية بين السكان في إسرائيل في عام 2030، وأن من شأن هذا الأمر أن يؤدّي إلى واحد من ثلاثة احتمالات: الأول، أن تنجح الأغلبية العلمانية في إقامة تحالف علماني والقيام بـ”ثورة علمانية” في جميع المجالات، وإذا لم ينجح هذا سنشهد، في الاحتمال الثاني، دولة تشمل مجتمعا دينيا وحريديا متزايدا باستمرار ويرافقه اتساع حجم الفقر وستكون هناك أقلية علمانية تقبل بنمط حياة دينية ونظام ديني. ورأت الدراسة أنه في حال دفعت القيادة الدينية إسرائيل نحو ضم الضفة الغربية سيتم تطبيق الاحتمال الثالث والأكثر إثارة للقلق، وهو استمرار ضعف الديمقراطية أمام قوى معادية للديمقراطية، وسيتوقف الكنيست عن العمل، وستتزايد الفوضى التي ستتحول إلى أمرٍ مألوف.
وبموجب الدراسة، إمكان تحقق الاحتمالين الثاني والثالث يتم بناء على معطياتٍ تتوقع أن يصل عدد الحريديين في إسرائيل في 2030 إلى مليون نسمة، بالاستناد إلى معطيات النمو الطبيعي بينهم التي تصل إلى ما بين 6% و7% في العام الواحد. وأضافت أن زيادة كبيرة لهذا الحد في السكان سيحول القطاع الحريدي، الذي لا يشارك كثيرون من أبنائه في سوق العمل، إلى عبء على باقي السكان الذين يدعمونهم. كما أنه عقب زيادة عدد الحريديين ستزداد القوة الانتخابية للأحزاب الدينية، وقد تصبح الأجندة العامة والحيز العام والمميزات الثقافية مصوغة وفقا لمعتقدات العالمين، الحريدي والديني، وسيتحول التعليم إلى تعليم توراتي، وسيسير القانون وفقا للشريعة اليهودية، وستختفي مضامين كثيرة نشرها الإعلام في حينه. وتوقعت أن تؤدي تحولات كهذه إلى هجرة متزايدة للسكان اليهود العلمانيين من إسرائيل. وفي الواقع، تجاوز عدد الحريديين المليون، حيث تفيد معطيات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي بأنه بلغ 1.35 مليون في عام 2024، وارتفعت نسبتهم إلى 13.5% من السكان اليهود.
وفي عام 2011، اتخذ الكنيست الإسرائيلي قرارا بإقامة لجنة تحقيق لكشف الجهات التي تقف وراء منظمات حقوق الإنسان في البلد. وهدف القرار إلى تقييد عمل هذه المنظمات في كل ما يرتبط بكشف معلومات تنطوي على تجريم لدولة الاحتلال. ولفت معارضو القرار إلى أن هذا السعي إلى فرض قيود على نشاط هذه المنظمات، يحبط القدرة على التحقيق بشكل ناجع في شبهات جرائم الحرب. فهذه المنظمات هي، في كل ما يتعلق بقطاع غزّة خصوصا، العنوان الإسرائيلي الوحيد الذي يمكن للفلسطينيين أن يتوجهوا إليه بشكاويهم حول شبهات كهذه، كما أن هذه المنظّمات هي، في كل ما يتعلق بالضفة الغربية، عنوان مريح أكثر من جهات ودوائر الحكم الإسرائيلية، والتي لا تحظى، بطبيعة الحال، بثقة السكان الواقعين تحت الاحتلال.
وبالإضافة إلى ذلك، لجنة التحقيق هي قلب للأمور رأسا على عقب في كل ما يتعلق بمجال صلاحيات الكنيست التي تنبثق عن وظيفتيه، وهما سنّ القوانين ومراقبة السلطة التنفيذية. ومحاولة الكنيست ممارسة رقابة على المجتمع المدني لا تقع في نطاق صلاحياته، وهي، بالتالي، إساءة استخدام صلاحيات لا يمتلكها. وبذا يحول نفسه من هيئة رسمية تمثل سيادة مجموع المواطنين إلى ذراع سياسية في يد اليمين، ما يشبه، إلى حدٍّ كبير، المكارثية الأميركية.




