تحقيقات وتقارير

ما إمكانات نجاح الرياض في إدارة ملفات أبو ظبي في اليمن؟

ما إمكانات نجاح الرياض في إدارة ملفات أبو ظبي في اليمن؟

أحمد الأغبري

دمج التشكيلات المسلحة ليست يسيرة؛ وفي حال فشلها فإن التوقعات تذهب إلى ما هو بعيد؛ لاسيما وأن المجلس الانتقالي المنحل ليس من السهل أن يتقبل فقدان أهم ورقة مناورة.

صنعاء ـ «القدس العربي»: تواجه الرياض مهمة ليست يسيرة في جنوب وشرق وغرب اليمن، بعد خروج أبو ظبي، وهو ما يستدعي طرح أسئلة عديدة تبحث في إمكانات نجاح المملكة في إدارة ملفات الإمارات هناك، وهل نفهم أن هذا النجاح هو انتقال السيطرة على تلك المناطق من مناطق نفوذ إماراتية إلى مناطق نفوذ سعودية، أم ستكون هناك معالجات تتجاوز ما كان عليه الوضع سابقًا؟
في العاشر من كانون الثاني/يناير الجاري أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن تشكيل اللجنة العسكرية العليا برئاسة الرياض، بينما لم يصدر إعلان أو بيان بأعضائها وما زال الأمر مبهمًا حتى كتابة هذا التقرير؛ وهو ما يطرح سؤالًا مهما، يُضاف إلى سؤال عن أسباب وضع رئاسة اللجنة؛ وهي لجنة عسكرية وطنية سيادية برئاسة خارجية.
عقب الإعلان عن تشكيل اللجنة وصل وفد عسكري سعودي إلى عدن، وبدأ في زيارة عدد من المناطق التي تتواجد فيها تشكيلات عسكرية خارج مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، وصدر عدد من التصريحات عن رئيس الوفد اللواء فلاح الشهراني، والتي تتحدث عن جهود دمج التشكيلات تحت قيادة حكومية وأهمية إخراج تلك القوات من المدن؛ لكن على ما يبدو من تعقيدات الواقع أن مهمة الدمج ليست يسيرة، لكنها ممكنة في الوقت ذاته، كما أن مهمة اللجنة لا تقتصر على دمج تلك التشكيلات، بل ستعالج كل الملفات التي خلفتها أبو ظبي، بما فيها القواعد العسكرية التي عملت على إنشائها في سقطرى وميون وزقر وغيرها؛ وهو ما يتطلب في أسرع وقت شغلها بقوات يمنية ذات عقيدة وطنية خالصة.
ما يمكن قوله إن العملية تتطلب وقتًا، كما تتطلب، أيضًا، تركيزًا على كل الاحتمالات، وفي المقابل الاشتغال على إجراءات عاجلة تغلق أي منفذ لاستغلال المرحلة لفتح أبواب جديدة تنحرف بمسار العملية، أو بالأصح إفراغها من مضمونها، وإعادة الأمور للنقطة صفر.
يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي في مركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء، عبد الكريم غانم، لـ«القدس العربي»، أن «المملكة العربية السعودية تواجه تحديات كبيرة في إدارة الملفات التي خلفتها الإمارات في اليمن، فعلى الرغم من استبعاد قيام أبو ظبي بدور مباشر لتقويض الجهود التي تقوم بها السعودية في اليمن، إلا أن نجاح الرياض في طي الملف الإماراتي يرتبط بالمضي قدمًا في دمج الفصائل المسلحة التي أسستها أبو ظبي في جنوب وشرق اليمن، وفي المخا، بالقوات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع».
لكنه يقول إنه «بالنظر إلى ما تعرض له الجيش الوطني من استهداف لهويته الوطنية في المحافظات التي خضعت للنفوذ الإماراتي، حيث حل الولاء للقيادات العسكرية والمشاريع السياسية، ما دون الوطنية محل الولاء للوطن، فمن الأهمية بمكان إعادة بناء القوات المسلحة على أسس وطنية، وعدم الاكتفاء بدمج الوحدات العسكرية بل دمج الأفراد من شمال اليمن وجنوبه في إطار مؤسسة الجيش التابع لوزارة الدفاع، وتحت راية اليمن، وإنهاء أي ازدواجية في الولاء، لقوى محلية أو إقليمية تنازع الجمهورية اليمنية النفوذ والسيادة على أراضيها ومياهها الإقليمية، كما تتطلب المرحلة القادمة من القيادة السعودية والقيادة السياسية اليمنية إخراج المعسكرات من المدن إلى مسرحها العملياتي».
ويعتقد غانم أن «من المهم القطيعة مع النهج الإماراتي في دعم الميليشيات وشراء الولاءات، والعمل على دمج مختلف التشكيلات العسكرية التي مولتها أبو ظبي أو الرياض في إطار مؤسسة الجيش، والتحول من دعم الفصائل العسكرية إلى دعم مؤسسات الدولة، وتفكيك ما يمكن تسميته بالبنية العميقة لحلفاء أبو ظبي في اليمن، والتي توغلت في مختلف أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، والإحلال التدريجي للقيادات الوطنية محل قادة الفصائل العسكرية التي شكلت سلطات أمر واقع، ونازعت الدولة السيطرة على الأرض، وإن كان الاحتفاظ بهذه القيادات، مؤقتًا، نوعا من التكتيك الذي تتطلبه هذه المرحلة».
لكن عبدالكريم غانم يرى «أن نجاح الرياض في إدارة الملفات التي خلفتها الإمارات في اليمن لا يعني تحويل مناطق النفوذ الإماراتية إلى مناطق نفوذ سعودي، ليس فقط لأن اهتمامات أبو ظبي بالجزر والموانئ تختلف عن اهتمام المملكة العربية السعودية بأمن حدودها الجنوبية، بل لأن النهج السعودي في اليمن يتجه حاليًا، وفي ظل المتغيرات الراهنة، نحو دعم استعادة الدولة في اليمن، وإعادة بناء النفوذ داخل مؤسساتها، بما يجعل منها دولة جارة موالية للرياض، خلافا للنهج الإماراتي في بناء فصائل عسكرية تعمل بالوكالة».

العنف المسلح

إن مهمة دمج التشكيلات المسلحة ليست يسيرة؛ لأنه في حال فشلها أو تأخر القيام بها فإن التوقعات تبدو أكثر خطورة، وتذهب إلى ما هو بعيد؛ لاسيما وأن المجلس الانتقالي المنحل ليس من السهولة عليه أن يتقبل فقدان أهم ورقة مناورة، بدونها سيفقد حضوره وتأثيره؛ وبالتالي فالسؤال عن إمكانية نجاحها سؤال مهم.
يقول غانم: «دمج التشكيلات المسلحة للمجلس الانتقالي الجنوبي في الجيش اليمني يواجه تحديات كبيرة، فمن المتوقع أن يواجه القرار ليس فقط برفض عيدروس الزُبيدي، بل العديد من القيادات الجنوبية المتشددة، التي ترى أن طرح القضية الجنوبية بمعزل عن امتلاك السلاح سيجعل منها قضية منسية، فهناك مخاوف من أن يؤدي الدمج إلى تجريد الجنوب من أي مركز قوة مهم، وعلى الرغم من مغادرة زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي للمشهد السياسي، إلا أن هناك قيادات وسطية مؤثرة قادرة على تأجيج الصراع وتوتير المشهد السياسي من خلال تحريك الشارع أو انتهاج العنف المسلح».
ويرى «أن ضمان إمكانية نجاح دمج الفصائل المسلحة، يتطلب القيام بما يلي: أن يعمل رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن والتحالف العربي بقيادة السعودية على تعزيز الثقة بالقوى الجنوبية وتجنب الإقصاء والتهميش، والهيكلة الجذرية للتشكيلات العسكرية، وتغيير القادة العسكريين المشكوك في ولائهم للجمهورية اليمنية، وخلط الأفراد من الشمال والجنوب في إطار جيش وطني واحد، من مختلف الخلفيات الاجتماعية والسياسية في إطار وحدات عسكرية مشتركة، والانتظام في دفع المرتبات لكافة التشكيلات العسكرية، بما فيها تلك المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل دون نقصان، من خلال هيكل رواتب وأجور موحد لكافة القوى العسكرية. واتباع إجراءات دمج غير انتقائية، تشمل كافة الفصائل العسكرية التابعة لمختلف الجماعات والقيادات السياسية داخل اليمن، بما في ذلك قوات ألوية العمالقة وقوات درع الوطن وقوات المقاومة الوطنية وغيرها، وإعادة بناء عقيدتها القتالية على أسس وطنية، مستندة إلى الدستور والقوانين اليمنية، وكما أن الدمج سيعني حصر السلاح بيد الدولة، ومن المهم توحيد الرواتب وصرفها حصرًا من قبل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وليس من قبل أي جهة داخلية أو خارجية أخرى» في إشارة إلى ضرورة عدم القبول بقيام أي دولة بالتكفل برواتب هذه القوات.
ويتوقع: «في حال فشل مهمة الدمج، وهو ما لا نتمنى حدوثه، أن تضعف ثقة المجتمع اليمني بقدرة الحكومة اليمنية على توحيد صفوفها وحل أزمات البلد المتفاقمة، كما أن فشل عملية الدمج أو التقاعس في استكمالها سيقود إلى حالة من الانسداد والاحتقان السياسي، ويحيل اليمن إلى بؤرة من التوتر والصراع».
يبقى ملف القواعد العسكرية من الملفات الهامة والتي تتطلب معالجة تراعي ظروف البلد واحتياجاته الاستراتيجية وحقوقه السيادية؛ فإلى أي اتجاه ستسير معالجة هذا الملف؟
يقول غانم: «بعد صدور قرار رئيس مجلس القيادة السياسي في اليمن، بمغادرة القوات الإماراتية لليمن، وتحت ضغط سعودي أنهت أبو ظبي وجودها العسكري في قاعدة جزيرة ميون اليمنية، في باب المندب، وحلت محلها قوات درع الوطن الممولة سعودًيا. لكن لا يزال وجود القواعد العسكرية الإماراتية في أرخبيل سقطرى غير محسوم، حيث أنشأت الإمارات مجموعة من القواعد العسكرية الجوية في الجزيرة الرئيسية، وفي جزيرة عبدالكوري، وتقول أبو ظبي إنها دفعت أموالًا لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، عيدروس الزُبيدي، مقابل إنشاء هذه القواعد العسكرية، وعلى الرغم من الضغوط السعودية المتواصلة على الإمارات لإخلاء القواعد العسكرية في جزيرة سقطرى إلا أن أبو ظبي ما تزال متشبثة بالبقاء فيها، ويمكن القول بأن استعادة السيطرة السياسية والعسكرية للحكومة اليمنية على أرخبيل سقطرى المأهول بالسكان سيجعل من الصعوبة استمرار الحامية العسكرية الإماراتية في هذه القاعدة، إلى جانب وجود قنوات سياسية وقانونية يمكن أن تسلكها الحكومة اليمنية لإنهاء الوجود العسكري الإماراتي في هذه القواعد».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب