الافتتاحيهرئيسي

دافوس 2026: مخاض النظام الدولي وتوازنات الشرق الأوسط

دافوس 2026: مخاض النظام الدولي وتوازنات الشرق الأوسط

بقلم:رئيس التحرير 

يأتي منتدى دافوس 2026 تحت شعار “روح الحوار” في لحظة تبدو فيها لغة الحوار أقل حضوراً من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة. فالعالم يقف على تخوم نظام دولي يتداعى، بينما تصعد قوى جديدة وتعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي والسياسي بعيداً عن القواعد التي أرستها المؤسسات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.

تقرير المخاطر العالمية الصادر قبيل المنتدى وضع “المواجهة الجيواقتصادية” في صدارة التهديدات خلال العامين المقبلين، ما يعكس انتقال الاقتصاد من وظيفة التعاون إلى أداة الصراع بين القوى العظمى. كما أظهرت الاستطلاعات أن نصف المشاركين يتوقعون عالماً مضطرباً خلال السنوات المقبلة، وهي قراءة تشير إلى أن منطق العولمة التكاملية الذي ساد العقود الماضية لم يعد قادراً على ضبط النظام الدولي.

في هذا السياق، لا يظهر دافوس منصة لإنقاذ عالم قديم بقدر ما يظهر محطة من محطات التكيف مع عالم جديد يقوم على “تعددية تنافسية” تتقدم فيها التكتلات الإقليمية، والشراكات الانتقائية، وسياسات الحمائية القومية، بدل المظلة الدولية الواحدة.

تحولات الشرق الأوسط في قلب المشهد الدولي

الشرق الأوسط يمثل اليوم فضاءً مركباً لإعادة تشكيل العلاقات الدولية، ليس فقط بسبب الطاقة والممرات البحرية، بل أيضاً بسبب ارتباط المنطقة بالصراعات الجيوسياسية الكبرى بين واشنطن وبكين وموسكو. المبادرات الصينية، والتحولات الخليجية نحو اقتصاد متنوع، وتراجع الوجود الأميركي المباشر، وصعود الدورين التركي والإيراني، كلها مؤشرات على انتقال المنطقة من موقع “الملحق” بالنظام الدولي إلى موقع “الفاعل” في تشكيله.

مستقبل إسرائيل بين تآكل الهيمنة الأحادية وصعود قوى جديدة

التحولات العالمية تضع إسرائيل أمام أسئلة استراتيجية جديدة. فمنذ قيامها اعتمدت على ثلاث ركائز: الدعم الغربي الواسع، التفوق العسكري النوعي، واحتكار تعريف الأمن في المنطقة. غير أن هذه الركائز تهتز بفعل ثلاثة عوامل رئيسية:

صعود قوى آسيوية كالصين والهند التي لا تتبنى المقاربة الغربية التقليدية للصراع.

عودة القانون الدولي والرأي العام العالمي كأدوات تأثير، خاصة بعد الحرب على غزة وما خلفته من تداعيات سياسية وأخلاقية.

تحول أولويات التحالفات الخليجية من الأمن العسكري إلى التنمية الاقتصادية والابتكار والتنوع الاستراتيجي.

هذه التحولات لا تنهي الدور الإسرائيلي إقليمياً، لكنها تخفف من احتكارها للقرار الأمني، وتفرض عليها إعادة تعريف موقعها في معادلة النظام الدولي الجديد.

القضية الفلسطينية: من ملف تفاوض إلى اختبار للنظام الدولي

القضية الفلسطينية لم تعد تُدار فقط كملف سياسي أو أمني، بل كقضية قانونية وإنسانية واستراتيجية تمس مكانة القانون الدولي نفسه. ومع تراجع هيمنة القوة الأحادية، يتقدم البعد الحقوقي والأخلاقي في المشهد الدولي إلى جانب البعد السياسي، ما يعيد الاعتبار لتقرير المصير وللمرجيعية الدولية كأدوات تأثير فعلية.

بالنسبة للفلسطينيين، تفتح هذه اللحظة فرصة مهمة لكنها مشروطة بإصلاح النظام السياسي، وتوحيد التمثيل، وتطوير أدوات العمل الدبلوماسي والقانوني بما يتناسب مع طبيعة النظام الدولي القادم. فالعالم الجديد لا يمنح الفرص لمن يفتقدون البنية المؤسسية والاستراتيجية.

ووفق الدلائل والمعطيات ، لا يبدو دافوس هذا العام قادراً على استعادة النظام الدولي القديم، لكنه قد يسهم في إدارة الانتقال إلى نظام جديد أكثر تعددية وأقل استقراراً. الشرق الأوسط في قلب هذا التحول، وإسرائيل لم تعد اللاعب الوحيد في معادلة الأمن الإقليمي، والقضية الفلسطينية تتحول إلى اختبار للقانون الدولي وشرعية القوة. وفي زمن التحولات الكبرى، تتقدم القوى التي تعرف كيف توائم مصالحها مع طبيعة النظام القادم، لا مع النظام الذي مضى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب