الافتتاحيهرئيسي

مجلس ترمب للسلام: هندسة سياسية خارج الأمم المتحدة وتثبيت لسياسة الأمر الواقع

مجلس ترمب للسلام: هندسة سياسية خارج الأمم المتحدة وتثبيت لسياسة الأمر الواقع

 

بقلم رئيس التحرير 

يثير انضمام رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى ما تُسمى “مجلس السلام” الذي يرأسه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب تساؤلات جوهرية حول طبيعة المجلس وأهدافه وموقعه داخل النظام الدولي. فالخطوة، برغم أنها تبدو سياسية في ظاهرها، تعكس توجهاً نحو إعادة تشكيل الإقليم وتهميش الشرعية الدولية لصالح ترتيبات تخدم التفوق الإسرائيلي وتنتقص من الحقوق العربية والفلسطينية.

سلام خارج القانون الدولي

من أبرز الإشكاليات أن مجلس السلام بتوليفته القائمة يعمل خارج إطار الأمم المتحدة، ويتجاهل قراراتها ويُضعف منظومتها، في انتقاص واضح من الشرعية الدولية ومؤسساتها. فالمجلس لا يستند إلى قرارات مجلس الأمن أو الجمعية العامة، ولا يأخذ حق تقرير المصير الفلسطيني أو مبادئ القانون الدولي كأساس. وبذلك يُعاد تعريف “السلام” وفق مقاربة أمنية-قسرية لا حقوقية-قانونية، تُكافئ القوة بدلاً من أن تحمي الحقوق.

محاربة الأونروا وتصفية ملفات الحل الدائم

ويتقاطع عمل المجلس مع حملة سياسية أوسع تستهدف منظمات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها وكالة الأونروا، باعتبارها ركناً قانونياً في قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة. فالمساس بالأونروا ليس إجراءً مالياً أو إدارياً عابراً، بل محاولة لتفكيك أحد أهم ملفات الحل الدائم، وإعادة صياغة الصراع خارج المرجعية الأممية.

نتنياهو وشرعنة الضم والاستيطان

إن حكومة نتنياهو، وهي حكومة يمين متطرف وتحالف قوى استيطانية-دينية، لا تعترف أصلاً بقرارات الشرعية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وتواصل سياسة توسيع الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتهويد القدس، وفرض الضم التدريجي عبر تشريعات داخلية تتعارض مع اتفاقيات جنيف الرابعة ولاهاي، ومع قواعد القانون الدولي الإنساني.

ودخول نتنياهو مجلس السلام يشكل عملياً إقراراً بسياسة الأمر الواقع وترسيخاً لمبدأ الكيل بمكيالين، بما يمنح إسرائيل غطاءً إضافياً لمواصلة التوسع على حساب الشعب الفلسطيني والدول العربية دون ثمن سياسي أو قانوني.

تهديد للأمن القومي العربي

الأخطر أن المجلس يتقاطع مع مشروع أوسع لإعادة هندسة المنطقة تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد”، بحيث تصبح إسرائيل لاعباً محورياً في الأمن الإقليمي دون الالتزام بمبادئ التسوية العادلة أو احترام السيادة العربية. وهذا التحول يحمل آثاراً استراتيجية على الأمن القومي العربي، وعلى توازنات القوى، وعلى مستقبل فلسطين كقضية مركزية تاريخية.

تغييب منظمة التحرير وتجاوز التمثيل الفلسطيني

كما يبرز توجه لتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، عبر خلق قنوات سياسية موازية خارج الإطار الدولي وملفات الوضع النهائي، وتحويل القضية الفلسطينية إلى مسار اقتصادي-إنساني، بعيداً عن جوهرها السياسي والحقوقي.

مطلوب موقف عربي-فلسطيني واضح

أمام هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى:

أولاً: تثبيت المرجعية القانونية الدولية ورفض أي مسارات سياسية خارج الأمم المتحدة أو على حساب مبادئ القانون الدولي.

ثانياً: دعم الأونروا ومؤسسات الأمم المتحدة باعتبارها خط الدفاع القانوني والسياسي عن حقوق الفلسطينيين.

ثالثاً: تفعيل مؤسسات الأمن القومي العربي لمنع فرض ترتيبات إقليمية تتجاوز السيادة العربية وتخدم الهيمنة الإسرائيلية.

رابعاً: تعزيز وحدة النظام السياسي الفلسطيني وتمكين منظمة التحرير من أداء دورها التمثيلي والدبلوماسي.

خامساً: رفض الإملاءات الأمريكية في مسار السلام، والتأكيد أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة ولا يمر عبر تهميش الحقوق أو تجاوز الشرعية الدولية.

خاتمة

مجلس ترمب للسلام ليس مساراً للسلام، بل محاولة لإعادة تعريف السلام خارج القانون الدولي، وبمنظور يهمش الأمم المتحدة ويستهدف الحقوق الفلسطينية ويهدد الأمن القومي العربي. والمطلوب اليوم من الدول العربية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية موقف استراتيجي واضح لا يخضع للضغوط ولا للإملاءات، ويعيد الاعتبار للشرعية الدولية كمرجعية وحيدة لتحقيق سلام عادل ومستدام في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب