تلك كورونا ؟

تلك كورونا ؟
نجيب طلال
لنتذكر رغـم أن البعـض ال يريد أن يتذكر :
ليست شهوة ؛ أن أسرد ما َحـدث البارحة ، بْعـدما استحضرني حنين خاص لزيارة حمام بلدي ؛ بدون تخطيط مسبق
وبدون تحريض من جسدي الذي نسي أجواء وطقوس الحمام؛ أي نعم ! حمام بلدي لالستحمام ، لمعانقة حرارته
وممارسة الشغب الخاص الذي ال يتوفر في الحمام المنزلي ؛ بدون مقدمات : سيدة المنزل جمعت لي لوازمه وأدواته ؛
وهي تَـترَّدد: ربما ستجد الحمام مغلقا ؟ ألن قولها تأكيد على ترُّددها. لكن خرجت دون اهتمام لقولها ؛ ألننا تعودنا على
اإلغالق !والقرارات المفاجئة في منتصف الليل ! وإبان الفجر ! وعلى المفاجاآت كذلك )!( والمفاجأة أني دخلته رغْـم
انتهاء زمنية االستقبال ؛ ألن عادة ذاك الحمام القريب منا؛ قْبـل “الفيروس” يتوقف نشاطه، قُـبيل سدول شعيرات الليل.
اقتنيت ورقة االستحمام التي زاد سعرها !؟ فقبل الولوج لدهاليزه : استقبلني بعض الكياسين الذين أعرفهم قبل اجتياح
ذاك اللعين ؛ لكن استقبالهم يوحي ما يوحي ، بما سأجود به من دريهمات ، تلك كورونا ! فلم أكتف بالرجال، فحمام
النساء المجاور خرجت منه سيدة اعتقدت أنها من عداد األموات؛ فـبدأت تطربني بالترحاب والسالم والسؤال عن األهل
والبنات؛ تلك كورونا ! ألن تلك السيدة لم أراها منذ ثالثين سنة ونيف، حينما لم يكن لدينا سكن وال حمام منزلي، وكانت
األسرة تستحم ِعـندها.
خلعت مالبسي في البهو؛ ملتحقا بالصالة األولى التي تضم األسطل: فالحظت أن أغلبها يعلوه الصدأ ! هل يعقل ؟ وهل
واحد من
علميا أن َسطل البالستيك يصدأ ؟ وهل يعقل أن األسطل التصقت في قالب واحد ؛ ولم يخرج منها ولو سط ٌل
المجموعة ؛ فكل المجموعات ملتصقة بلصاق غريب وعجيب ! فناديت على المشرف لكي يساِعـدني في امتالك سطلين
أو ثالث؛ فاعتذر كأنه هو الفاعل ، محاوال فَـك سطل عن آخر بصعوبة ، مؤكدا أن الحمام لم يفتح إال أسبوعين
والصيانة كانت ضعيفة جراء ضائقة يد صاحب الحمام ، والزبناء لم يتحمسوا لالستحمام ؛ إما خوفا من الَعـدوى؟ أو من
غالء التذكرة؟ أو أنهم تعودوا على أساليب االغتسال بطرقهم الخاصة ؟ أوقفته عن االسترسال طالبا – كياسا – بمعرفته
تالفيا لمحاباة من استقبلوني بالترحاب! ولْجت الصالة المتوسطة فكانت فارغة ؛ فارغة تماما. ثم دخلت لصالة الحرارة
التي نغترف منها المياه الساخنة ؛ فكانت تضم ثالثة أشخاص فقط … تبادلنا التحايا حتى أنني شعرت بشيء غريب
يتجلى بأن االنسان محتاج لحميمية خاصة ‘‘حميمية ‘‘ افتقدها جراء ” كوفيد الملعون” والذي َهلهل العظام؛ وكادت عند
البعض أن تصبح رنيم . هكذا شعرت حينما وضعت جسدي كله بين جدار ساخن، بعد طالء الصابون البلدي عليه ، من
رأسي إلى أخمص القدمين … حتى حضر الكياس ليقوم بالدلك والفور وإزالة أوساخ وأردان جسم عشق حالوة الحمام
البلدي ؛ لكن ثرثرة الكياس في سرد معاناته وهمومه من يوم إغالق الحمام الى اللحظة التي هو فيها. فيها شتت لي
سباحة جسد عن عوالم الحرارة وقطرات المياه الدافئة ! وفيها كسر ذاك العشق االستحمامي ودفء المكان … ولكن
استغفرت حينما أنهى مهمته ، رغم أنه كان غشاشا، واستغربت لخروجي هادئا وغير منفعل أللبس مالبسي ، أثناءها
دخل الكياس ينتظر أجرته ؛ سلمته ما يستحق ….من عمله … لكنه طلب دريهمات زيادة ؟ ألنه لم يأتيه إال رأسين طوال
َـَّبـْيت طلبه عن
النهار، هل كذب أم كان صادقا ؟ لكن فراغ الحمام ولهفة الكياسين، يكشف أنه بين بين ؛ فلم أعارض. فل
مضض؛ ألن البقية تنتظر ما سأجود به عليهم ؛ والمشرف عن الحمام ، ينتظر حالوة االستحمام ، ألنه رأى دريهمات
في يدي اليسرى، أردت المساهمة بها ؛ فحاولت وضع بعضها في الصندوق الحديدي ؛ الذي كان موضوعا على يسار
طاولته ؛ صندوق يستفيد منه كل العاملين ؛ بعد إقفال الحمام.
رفض بعدما أغلق فتحة الصندوق بيده اليسرى وبصرامة : مؤكدا أن تلك الدريهمات من حقه ؛ وليس من حق الجماعة
، أعطيته إياها ليدْيـه ؛ بل انتزعها مني عنوة . لكن الكياسين الذين كانوا في البهو وُهـم على أهبة إنهاء مهامهم ،
رفضوا تصرفاته ؛ رفضوا طَمعه ؛ إنها لكارثة ! َعـَّمت المناوشات ، وتبادل اآلتهامات وازداد الضجيج المقرف بينهم ،
بْعـدما خطت رجلي نحو الخارج ؛ برهة: عال صراخ أَحـدهم هاتكا نوافذ الحمام ؛؛؛؛ ماذا وقع ؟ وماذا سيقع ؟ تلك
كورونا هي السبب ؟ ومتى سينتهي السبب ؟ هكذا ظل حال لساني يردد ؛ إلى أن وصلت الديار منهوكا ؛ واهلل منهوكا ؛
من استحمام لم أشعر بنكهته الخالصة ؛ بعد طول غياب .وال بنشوة متفردة بعد طول حصار. تلك كورونا هي السبب؟؟
فاس 17/10/2021




