فلسطين

الأقصى قبل شهر رمضان… إبعاد واعتقالات للمرابطين

الأقصى قبل شهر رمضان… إبعاد واعتقالات للمرابطين

سعيد أبو معلا

القدس- : حسب المحلل السياسي الفلسطيني والناشط عدي جعارة، فإنه وبشكل تقريبي لم يبقَ شاب في القدس من المرابطين في المسجد الأقصى إلا وقد سلّمه الاحتلال قرارًا يقضي بإبعاده عن المسجد الأقصى خلال شهر رمضان.
وحسب المحلل نفسه، فإن الفترة التي تسبق شهر رمضان خلال عامي 2021 و2022 شهدت استعداد الاحتلال سنويًا للشهر الفضيل في المسجد الأقصى بما لا يقل عن استعداداته للحرب، وذلك عبر تنفيذ عمليات إبعاد بحق جميع النشطاء الفاعلين في الرباط، وإبعاد المرابطات ليس عن المسجد الأقصى فحسب، بل عن محيطه وعن البلدة القديمة أيضًا، إلى جانب فرض قرارات الحبس المنزلي على نشطاء القدس، ومنع شبه تام لشبان ونشطاء الضفة الغربية من دخول القدس.
وكانت آخر الإجراءات الاحتلالية تسليم قوات الاحتلال الشقيقين آدم وأمير الرشق قرارًا يقضي بإبعادهما عن المسجد الأقصى المبارك لمدة ستة أشهر.
ويذكر «مركز معلومات وادي حلوة» المقدسي، أن مخابرات الاحتلال سلّمت الشقيقين قرار الإبعاد من دون إبلاغهما بأسباب واضحة، في خطوة عدّتها العائلة إجراءً تعسفيًا واستهدافًا مباشرًا للوجود الفلسطيني في المسجد الأقصى.
وقبل أيام، سلّمت شرطة الاحتلال الإسرائيلي الباحث والمشرف التربوي المقدسي أحمد الصفدي قرارًا يقضي بإبعاده عن المسجد الأقصى المبارك لمدة ستة أشهر.
ويشير إبعاد الصفدي، إلى جانب عشرات الحالات الأخرى، إلى تكثيف هذه السياسة في الآونة الأخيرة، في محاولة لتفريغ المسجد الأقصى من رواده وحراسه وفرض واقع جديد يخدم مخططات الاحتلال التهويدية.
والصفدي باحث ومحلل سياسي فلسطيني مقدسي، ويُعد من الشخصيات البارزة في متابعة وتوثيق قضايا مدينة القدس المحتلة والشؤون السياسية الفلسطينية، ويُعرف كونه باحثًا سياسيًا ومشرفًا تربويًا، حيث يركز في دراساته على محاولات الاحتلال تغيير المناهج التعليمية في القدس وطمس الهوية الثقافية الفلسطينية.
كما يتابع عن كثب ملفات تهجير الفلسطينيين من أحياء القدس. وضمن السياسة نفسها، وحسب «مركز معلومات وادي حلوة»، فإن مخابرات الاحتلال استدعت قبل أيام 35 مقدسيًا من مختلف الفئات العمرية، من كبار سن وشبان وفتية ونساء، إلى مركز شرطة القشلة في البلدة القديمة بالقدس، حيث سلّمتهم قرارات تقضي بإبعادهم عن المسجد الأقصى لمدة أسبوع، مع إمكانية تجديد الإبعاد.
وبيّن المركز أن سلطات الاحتلال طالبت المستدعين بالحضور مجددًا إلى مراكز التحقيق فور انتهاء فترة الإبعاد التي تمتد لأسبوع، كما سلّمت سلطات الاحتلال كل مقدسي قرار إبعاد خطيًا، بحجة ما سمّته «وجود خشية ملموسة من الإخلال بالنظام العام والأمن»، بحسب نص القرار.
وأُرفقت القرارات بخرائط جوية توضّح الأزقة والبوابات والمداخل التي يُمنع المبعدون من الاقتراب منها.
وأضاف «مركز معلومات وادي حلوة – سلوان» أن معظم المستدعين هم أسرى محررون، جدّدت قرارات إبعادهم فور انتهاء قرارات سابقة كانت قد سلّمت لهم في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، في خطوة تهدف إلى منعهم من الوصول إلى المسجد الأقصى.

اعتقالات

ولا يقتصر الأمر على الإبعاد، إذ اعتقلت قوات الاحتلال، الجمعة، خمسة مقدسيين من داخل المسجد الأقصى المبارك وعند أبوابه. ومن بين المعتقلين نظام أبو رموز، الذي أُفرج عنه لاحقًا بشرط إبعاده عن المسجد الأقصى لمدة أسبوع، مع إمكانية تمديد القرار.
وقال نظام أبو رموز: «منذ عام 2013 أتعرض بشكل متواصل لقرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى، والاستدعاءات والاعتقالات، حيث يجري تجديد قرار إبعادي فور انتهاء القرار السابق مباشرة. وفي حال عدم وجود قرار رسمي، أُدرج ضمن قوائم المنع، كما مئات الفلسطينيين، وأُمنع من دخول المسجد الأقصى دون أي سبب أو مبرر قانوني».
وبيّن المركز أن أكبر حملة استدعاء سُجلت عند حاجز مخيم شعفاط، حيث جرى استدعاء أكثر من 70 أسيرًا محررًا مقدسيًا، خضعوا للتحقيق وتعرضوا لتهديدات مباشرة واستفزاز متعمد، واحتُجزوا لنحو أربع ساعات.
وأضاف أن القوات أجبرت الأسرى على الوقوف عند حاجز مخيم شعفاط في محاولة لتصويرهم بشكل جماعي مع العلم الإسرائيلي، كما حاول الضباط إجبارهم على الوقوف عند مدخل المخيم للتحدث إليهم بشكل جماعي، إلا أن الأسرى رفضوا ذلك، ما أدى إلى مشادات كلامية في المكان، قبل الإفراج عنهم.وطالت الاعتقالات وقرارات المنع الناشطات، حيث اعتقلت قوات الاحتلال المقدسية فاطمة خضر من داخل المسجد الأقصى، واحتجزتها في مركز شرطة القشلة، قبل أن تُصدر بحقها قرارًا يقضي بإبعادها عن المسجد الأقصى لمدة أسبوع، مع إمكانية التجديد.
وكانت سلطات الاحتلال قد أوصت بتقييد الوصول إلى المسجد الأقصى من أهالي الضفة الغربية، من حيث العدد والفئة العمرية، خلال شهر رمضان، وذلك خلال اجتماع للجنة الأمن الوطني البرلمانية الإسرائيلية عُقد يوم الإثنين الماضي.
وأقرت الشرطة خلال الاجتماع بالسياسات المكثفة، حيث قالت: «السلطات في مراحل استباقية من الاستعدادات والأنشطة، ونجري اعتقالات ونتعامل مع المحرضين، ولدينا خطة للأسابيع المقبلة لإزالة ما نعتبره تهديدًا لنا، إضافة إلى بذل جهود لمنع دخول المتسللين».

انتهاكات غير مسبوقة

وقال عمر الرجوب، مدير دائرة الإعلام في محافظة القدس، في حديث خاص لـ»القدس العربي»، إن المسجد الأقصى يشهد تصعيدًا إسرائيليًا خطيرًا، وربما غير مسبوق مقارنة بالسنوات الماضية، في إطار استباق قدوم شهر رمضان المبارك، عبر إجراءات تهدف عمليًا إلى إفراغ المسجد من أبرز النشطاء والمرابطين.
وأضاف: «خلال الأسبوعين الماضيين، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي على إبعاد أكثر من ستين مواطنًا مقدسيًا، بينهم نساء، ومنهم نشطاء وأسرى محررون ومرابطون ومرابطات في المسجد الأقصى المبارك، وذلك ضمن سياسة ممنهجة لتفريغ المسجد من رواده الأساسيين».
وأضاف الرجوب أن توصيات صدرت عن إحدى لجان الكنيست دعت فيها سلطات الاحتلال إلى تقييد وصول المصلين إلى المسجد الأقصى من مدن الضفة الغربية، من حيث العدد والفئة العمرية، وتضمنت هذه التوصيات الدعوة إلى فرض اعتقالات وملاحقات بحق النشطاء.
ويدّعي الاحتلال أن هذه الإجراءات تهدف إلى «الحفاظ على الأمن» ومنع «الإخلال بالنظام»، غير أن الواقع على الأرض في المدينة المقدسة يكشف عن إجراءات غير مسبوقة وملاحقات مكثفة، في مقابل إطلاق العنان للمستوطنين، سواء داخل المسجد الأقصى المبارك أو في مختلف أنحاء القدس المحتلة.
وأضاف الرجوب أن المستوطنين باتوا يقتحمون ساحات المسجد الأقصى بوتيرة متزايدة، ويمارسون طقوسًا تلمودية تهويدية علنية. وكان من آخر هذه الانتهاكات إدخال أوراق مكتوب عليها نصوص تُتلى في صلواتهم، وهي نصوص كانت تُقرأ سابقًا عن ظهر قلب أو عبر الأجهزة المحمولة، وكانت شرطة الاحتلال تمنع إدخالها مكتوبة على الورق، إلا أنها سمحت مؤخرًا بإدخالها مكتوبة، في سابقة خطيرة.
ويُضاف ذلك إلى سلسلة طويلة من الانتهاكات داخل المسجد الأقصى المبارك، من بينها النفخ بالبوق، وأداء ما يسمى «سجود الملحمة»، وإدخال القرابين النباتية، ومحاولات ذبح القرابين الحيوانية داخل المسجد.
ورأى الرجوب أن هذه انتهاكات غير مسبوقة منذ عام 1967، ولا سيما محاولات ذبح القرابين، ما يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي لم يُبقِ من «الوضع القائم» في المسجد الأقصى المبارك سوى اسمه، في حين جرى تفريغ الاتفاقيات والعناوين العريضة من مضمونها على أرض الواقع.
وشدد الرجوب على أنه في مقابل إبعاد النشطاء والمرابطين، يقيّد الاحتلال دور حراس المسجد الأقصى عبر محاصرتهم ومنعهم من أداء مهامهم أثناء اقتحامات المستوطنين، في الوقت الذي يُبعد فيه أبناء الشعب الفلسطيني ويجري اعتقالهم وملاحقتهم داخل المدينة المقدسة. وكان الوزير المتطرف إيتمار بن غفير أقال قبل أسابيع قليلة قائد شرطة القدس، وعيّن بدلًا منه قائدًا جديدًا يُعد من أبناء جماعات «الهيكل» المزعوم ومن التيار اليميني المتطرف.
ويرى الرجوب أن بن غفير يسعى من خلال هذا التغيير إلى دفع قائد الشرطة الجديد لاتخاذ إجراءات أكثر جرأة وتطرفًا بحق المصلين والمسجد الأقصى والمقدسيين عمومًا.
ورغم أن فترة قائد الشرطة السابق لم تكن سهلة على المقدسيين، بل شديدة القسوة، إلا أن التوجه الحالي يهدف إلى فرض قرارات أشد خطورة، تتمثل في دعم وتعزيز انتهاكات المستوطنين داخل المسجد الأقصى المبارك.

تفريغ للمسجد الأقصى

بدوره، قال مدحت ديبة، المحامي والمستشار القانوني لمحافظة القدس، إن الإجراءات المتبعة تهدف بوضوح إلى تفريغ المسجد الأقصى من رواده النشطين وتهيئة الأجواء لفرض قيود أمنية خلال شهر رمضان، ضمن سياسة متكررة تقوم على استدعاء الشبان المقدسيين المؤثرين وفرض أوامر إبعاد بحقهم أو التهديد بمنعهم من دخول الأقصى أو أداء الاعتكاف.
وأضاف ديبة، في حديثه لـ»القدس العربي»، أن ما يجري هذا العام غير مسبوق، إذ بدأت قرارات المنع وتقييد الدخول قبل حلول الشهر الفضيل بنحو شهر أو أكثر، حيث سلّمت سلطات الاحتلال مئات السكان من القدس وضواحيها المحيطة طلبات حضور للتحقيق، وجرى تسليمهم أوامر إبعاد تراوحت مدتها بين ثلاثة وستة أشهر. وأكد أن ذلك يشكل تغييرًا في الأمر الواقع، وإخلالًا باتفاقية وادي عربة، وبالمواثيق وقرارات الأمم المتحدة التي تعترف بالقدس مدينة محتلة وعاصمة لدولة فلسطين.
وشدد على أن عملية الإبعاد تتم بقرار من ضابط الشرطة بدعوى تشكيل خطر على الأمن والنظام العام، حيث يمتلك الضابط سلطة تقديرية لفرض الإبعاد تحت هذه الذريعة.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب