
مرآة موليير التي أغضبت الجميع
نعيمة عبد الجواد
هل لاحظت التغيّر الذي يصيب انعكاسك في المرآة؟ فحينما تكون في حالة رضا عن النفس، قد ترى انعكاس صورتك في أبهى الحالات. وحتى لو كنت في حالة يرثى لها، ستجد مليارات الطُّرق التي تجعلك تصدِّق أنك في أفضل حال، وقد توجه العيب للمرآة نفسها إذا لاحظت أي شائبة. لكن بالتأكيد، في حالة عدم الرضا عن النفس أو محاولة تلافي النظر في تلك المرآة ذاتها، ستنجم عن رؤية انعكاسك في أبشع الصور.
الوضع نفسه ينطبق على الأوضاع السياسية أو الاجتماعية، أو حتى العائلية؛ وإذا حاول أحدهم وضع تفصيل للوضع القائم أمام من يعيشون في ذاك المجتمع -وقد يكونون من فئة من يعاني من ظروف مجحفة، أو هؤلاء ممن ينعمون من ظروف رغدة – ستكون الثورة والغضب العارم من نصيب من يفعل ذلك، بل إنه أيضًا من المحتمل أن تتم ملاحقته بكل الوسائل إلى أن يتم إخراس صوته، وكثيرًا ما يكون للأبد.
ومن المرايا السياسية والاجتماعية التي كانت تثير الشجون، وكذلك الكثير من الغضب والنفور، هو وضع فرنسا في القرن السابع عشر. ومن الطريف أن السبب وراء ذلك هو ما كان الوضع عليه في القرن الثالث عشر، وبالتحديد إبَّان حكم الملك لويس التاسع الذي اشتهر بين العامة بسبب ورعه وتقواه، وقيامه بتثبيت أواصر الدولة وإصلاح مفاصلها الحكومية ومؤسساتها، وعمل على نشر العدل بين الناس، وفاد حملتين صليبيتين على المشرق الإسلامي لتوفير الأموال للدولة، وكذلك -كما أشاع- لنصرة المسيحية. ولهذه الأسباب مجتمعة، احتفى به الشعب الفرنسي، لدرجة أنهم خلَّدوه في التاريخ المسيحي بأن تم إعلانه قدِّيسًا.
وبناء على أعمال هذا الملك معشوق الشعب، توالى حكم ملوك من نفس سلالته، وكلٌ منهم كان يحمل الاسم «لويس». وخلال حكم كل منهم، وبالرغم من توالي نقاط الاختلاف فيما بينهم، التصق في الوعي والذاكرة الجمعية الجماهيرية أن أي فرد من السلالة الملكية الحاكمة ويحمل الاسم «لويس»، يتمتع بنفس صفات الملك «لويس التاسع»، حتى وإن لم يكن كذلك. وعلى هذا، حاول العديد منهم المحافظة على تلك الصورة الذهنية، بعض الشيء.
واستمر الحال على هذا المنوال، وصولًا إلى القرن السابع عشر، حينما تم تنصيب الملك لويس الرابع عشر ملكًا على البلاد. في ذاك الوقت، لم تكن فرنسا بالدولة القوية، وكان رجال الدين يسيطرون على عقول العامة. وحينذاك، ظهر تياران متناوئان: أحدهما يؤيِّد سطوة رجال الدين، والآخر متشكك ليس فقط في شخصهم، بل أيضًا في الأمور الدينية. وأفضى هذا الوضع إلى حدوث العديد من المنازعات والانقسامات بين أبناء الأمَّة، ما هدد سلامة البلاد. وهو ما تطلَّب وجود حاكم قوي يوحد الأمّة وصفوف الشعب، وكان هذا الحاكم هو الملك لويس الرَّابع عشر، الذي أطلق على نفسه اسم «ملك الشمس»، لتقوية دعائم حكمه. ولهذا، أشاع أنه مُخوَّل سُلطة إلهية، ولهذا وجب عدم مخالفته. ومن ثمَّ، فور ما تسلم الملك لويس الرابع عشر عام 1643، لم يكتفِ فقط بإضعاف شوكة النبلاء، بل قوضها بأن أسس نظامًا ملكيًا مطلقًا، سيطر فيه على جميع جوانب الحياة الفرنسية، وقصر السُّلطة على قصر «فرساي» الذي جعل منه أداة للسيطرة؛ بأن ألزم جميع النبلاء وأفراد الطبقة الأرستقراطية بالإقامة داخل بلاط القصر، وأبقى الجميع تحت رقابة مشددة. وإمعانًا في بث التفرقة فيما بينهم، غرس فيهم شهوة والتنافس على نيل رضا الملك، وبذلك تحوَّل أي ثائر محتمل إلى فرد مطيع من حاشية الملك. وهذا استكمالًا لما كان يفعله الملك لويس الثالث عشر ووزيره الأوَّل الكاردينال ريشيليو، الذي كان يعمل على إضعاف سُلطة النبلاء، لما أضحى لهم من نفوذ يهدد استقلال وسلامة الملك نفسه.
وفي خضم هذه الخلفية التي لا تتيح الحرِّية الاجتماعية والسياسية التي اشتهرت بها فرنسا إلَّا حسبما يوافق أهواء الملك، بدأ الكاتب المسرحي والممثل موليير Molière مشواره الفني المتألِّق، الذي كان يتأرجح بين لحظات من الرَّاحة وفترات من الضائقة المالية وأخرى من الهجوم. لقد احتفى الشعب بموليير كلَّما قدَّم أعمالاً كوميدية هزلية، حتى وإن لم تكن من تأليفه، وهذا الوضع حفَّز دوق مقاطعة أورلييانز «فيليب الأوَّل» شقيق الملك لويس الرَّابع عشر، أن يكون راعيًا له، ومن خلاله استطاع أن يقدِّم أعماله الفنية أمام الملك نفسه على مسرح اللوفر، وفيما بعد استطاع أن يستأجر ذاك المسرح، وكذلك حظي برعاية الملك نفسه.
لقد تميَّزت أعمال موليير بالجرأة، بما في ذلك تلك التي تبدو هزلية، مثل مسرحية «البخيل» L’Avare التي ينتقد فيها سلوك الآباء الذين قد يزوجون بناتهم من مسنّين، لمجرَّد أنهم لن يكونوا ملزمين بدفع دوطة (مهر) للزوج، حيث إنَّ العادة جرت في الغرب على أن الزوجة هي من تدفع المهر. والمنطق نفسه ينطبق على مسرحيات «مدرسة الزوجات» و»مدرسة الأزواج» وأيضًا «نساء مثقفات». وفي كل واحدة منها، انتقد المغالاة في السلوك والنفاق الاجتماعي اللذين يحيلان العادات المحمودة إلى أدوات لبث الشقاق بين أبناء المجتمع؛ فكلاهما ضرب من التبرُّج الزائف الذي يضر ولا ينفع.
وإن كان هذا النوع من المسرحيات قد مرّ مرور الكرام لأن الهزل طابعه، لم يحظَ موليير بنفس التعاضي عندما تطرَّق إلى السلوك المنافق لمن يدَّعون التديُّن. واشتدَّت طائلة الهياج والغضب الشديد إزاءه عندما قدَّم مسرحية «دون جوان» Dom Juan، التي تتطرق لقصة لرجل وهب نفسه لإغواء الفتيات والانغماس في حياة هيدونية، البحث عن الملذَّات طابعها. لكن ذاك الرجل نفسه ذو الطباع الفاسدة كان يلبس عباءة من الورع والتديُّن وكذلك السخاء لكل من يحيط به، ونفس تلك العباءة مكَّنته من إغواء امرأة بكل الوسائل إلى أن تزوَّجها، لكنه سرعان ما أهملها بعد أن شعر بأنه امتلكها، وانغمس مرَّة أخرى في حياته السَّابقة. ولم يكتفِ بذلك، بل أقدم بكل جرأة على قتل والد زوجته. وفي نهاية المسرحية، تأتي عدالة السماء في شكل أمر فيما وراء الطبيعة، عندما ينقض عليه تمثال مصنوع من الحجر على هيئة قائد شرطة، ويصطحبه للجحيم نظير إلحاده وتجديفه وسلوكه المنافق وجرائم القتل التي اقترفها، وكذلك نظير إغوائه للسيدات.
والمسرحية تصوِّر عالمًا مصغَّرًا لما تعاني منه فرنسا في هذا الوقت من اضطرابات دينية واستشراء السلوك المنافق، وخاصة من قبل مدَّعي التديُّن. وبما أن شخص «دون جوان» كان يمثل سلوك العديد، ولكن بدرجات متفاوتة، قوبل هذا العمل بالهجوم الشديد، ما أجبر «موليير» على تأليف مسرحيات هزلية، يتوارى فيها النقد الاجتماعي خلف جرعات كبيرة من الكوميديا.
ولكن الطَّامة الكبرى تمثَّلت في عرضه لمسرحية «تارتيف» Tartuffe إبَّان «العيد الكبير» الذي تعرض فيه جميع ألوان الفنون وفنون الترفيه، وكل هذا يعرض أمام الملك على خشبة مسرح قصر «فرساي». وتحكي المسرحية عن قصة متشرِّد يدَّعي الورع والزهد، لكنه يستغل الرجل الذي يغدق عليه بالعطايا، ويفرِّق بينه وبين ابنه، ويحاول التفريق بين ابن هذا الرجل وخطيبته، التي اشتهاها ورغب في أن تكون زوجة له. وعلى هذا، استطاع أن يخدع «تارتيف» الرجل الذي أحسن إليه. وجعل أيضًا «تارتيف» يغضب على ولده ويطرده من المنزل، وكتب أملاكه لـ «تارتيف» المتشرد المنافق. لكن الأخير، يطرد هذا الرجل السهي من المنزل ويكشف في نهاية المطاف عن وجهه الحقيقي. تنتهي المسرحية عندما يتدخَّل الملك لويس الرابع عشر ويكلِّف محققًا للنظر في ذاك الأمر. وأخيرًا، يزج بـ «تارتيف» في السجن. النهاية بالتأكيد مفاجأة، وكأنها لون من عدالة السماء، وفي الوقت نفسه إرضاء للملك ولبيان مدى سلطاته.
لكن المسرحية أثارت غضب الكنيسة الكاثوليكية ورجال الدولة والبرلمان، وبسببها انقلب أيضًا أصدقاء موليير إلى ألد الأعداء. وبالرغم من أن الملك لم يكن يمانع فكرة المسرحية، لكنه منع عرضها، وانطبق نفس الموقف على مسرحية «دون جوان»، وهذا بناء على رغبة كبار النبلاء ورجال الدولة والكثير من العامة. وكان هذا الهجوم كفيلًا بتدمير المستقبل الفني لموليير إلى الأبد، لكن الملك لويس الرَّابع عشر كان حكيمًا مُنصفًا؛ فقد صّد عنه جميع ألوان الهجوم، وأسكت بسلطاته المطلقة جميع الألسنة، وجعل موليير يواصل الكتابة والتمثيل. ويكمن السبب في موقف الملك الداعم لموليير، أنه كان يعتقد أن موليير كان يصوِّر بالفعل أمرًا قائمًا، جديرًا بالنقد والسخرية.
وبالرغم من كل هذا الهجوم، ووقف عرض تلك المسرحيتين، لكن الزمن خلَّدهم بكل الوسائل إلى يومنا هذا. فبالنسبة لمسرحية «دون جوان»، اقتبس فكرتها تحت نفس الاسم فنانون وموسيقيون عالميون، وكتَّاب من جميع أنحاء العالم. ويكفي القول إن الموسيقار العبقري النمساوي موتسارت Mozart حوَّلها لأوبريت، وكذلك ظهرت نفس الشخصية في قصيدة خالدة للشاعر الإنجليزي الشهير لورد بايرون Lord Byron. وحتى الآن، لا يزال هذا الاسم دارجًا على لسان العامة، واصفًا بسخرية أي شخص له نفس السلوك. وأمَّا «تارتيف» فلا يزال الاسم دارجًا على لسان العامة في الغرب ليصف سلوك أي شخص منافق ومستغل. ولقد تم اقتباس فكرة تلك المسرحية في العديد والعديد من الأعمال الأدبية والأفلام، نظرًا لصدقها وتصويرها لحقائق صادمة يقاسي منها الكثير.
النقد الاجتماعي غالبًا ما يكون صادمًا ولا يستطيع تجمُّل سماعه إلَّا من امتلك الحكمة والرغبة الصادقة في التغيير. مسرحيات موليير التي كانت بمثابة مرآة صافية تعبِّر عن الحقيقة، أغضبت من أدمت الحقيقة نفوسهم الخربة، لكن أحياها وخلَّدها كل فرد صادق راغب في إصلاح المجتمع.




