على عتبة العصيان المدني: الحراك الشعبي ضد الجريمة إلى أين؟

على عتبة العصيان المدني: الحراك الشعبي ضد الجريمة إلى أين؟
يؤكد المحامي لؤي لوباني لـ”عرب 48″ إن “الرهان على تدخل الدولة وحده لم يعد خيارًا واقعيًا، داعيًا إلى بناء قوة مهنية مجتمعية منظمة، تبدأ من الأطر المهنية وتنتهي بعمل جماعي منسق ومستدام، يُحوّل الجريمة إلى قضية قانونية وصحية عامة تُحرج المؤسسة…”
في ظل تفشّي الجريمة والعنف في المجتمع العربي، واستمرار تقاعس المؤسسة الإسرائيلية وغياب أي خطة حكومية مهنية وجدية، يشهد الشارع العربي تحوّلًا لافتًا في شكل المواجهة. فمع بروز سخنين كنقطة انطلاق لحراك شعبي آخذ بالاتساع، تمثّل بمظاهرة جماهيرية واسعة وإضراب الأطباء، وامتد لاحقًا إلى مدن وبلدات أخرى في الداخل الفلسطيني بانخراط أطر مهنية مختلفة، بينها محامون وصيادلة، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: ما مصير هذا الحراك الشعبي؟ هل نحن أمام مسار احتجاجي عابر أم بداية عصيان مدني متدرّج؟ وما أهمية بلورة الأطر المهنية والهيئات الشعبية كقوة تنظيمية قادرة على فرض تغيير حقيقي؟
الطبيب خليل طرابيه: الحراك وُلد عفويًا… لكن استمراره يتطلب تنظيمًا
يؤكد الطبيب خليل طرابيه، عضو لجنة أولياء أمور الطلاب في سخنين لـ”عرب 48″ أن “مبادرة فردية جريئة تحوّلت خلال دقائق إلى قرار جماعي، حين سارعت لجنة أولياء الأمور بمبادرة من رئيس اللجنة فادي طراد إلى احتضانها واتخاذ موقف موحّد، قوبل بتجاوب واسع من الأهالي الذين امتنعوا عن إرسال أبنائهم إلى المدارس”.

على الصعيد المهني اشار إلى أن “تشكّل حراك الأطباء جاء سريعًا وبزخم غير متوقع. يشدد على أن دور الطبيب لا يقتصر على معالجة ضحايا العنف بعد وقوعه، بل يمتد إلى العمل الوقائي، ونشر الوعي والثقافة، والمساهمة في حماية المجتمع قبل أن يصل المصابون إلى غرف الطوارئ”.
لا يستبعد طرابيه أن يتطوّر الحراك إلى عصيان مدني متدرّج، معتبرًا أن أي تحرك لا يتصاعد محكوم عليه بالتراجع.
ويؤكد أن “الخسائر الاقتصادية التي تكبّدها أصحاب المصالح خلال أيام الإضراب دليل على جدّية الخطوات، ما يستوجب الاستمرار بها ضمن إطار منظم وقانوني. كما يرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد بلورة أطر مهنية في كل بلدة، من أطباء ومحامين ومهندسين، بما يعزّز قوة المجتمع وقدرته على التأثير”.
ويختم بالتأكيد “على أن القرار في هذه المرحلة هو قرار شعبي بالأساس، وأن القيادات اضطرت إلى مواكبته بعدما رأت حجم الالتفاف الجماهيري، مشددًا على أن الهدف ليس تقليص العنف مؤقتًا، بل اقتلاعه من جذوره والضغط نحو التغيير، يرى المشاركون أن الاستمرار في هذه الخطوات، وصولا إلى “العصيان المدني” إذا لزم الأمر، هو السبيل الوحيد لتغيير الواقع الصعب، مؤكدين أن القيادات السياسية تبعت إرادة الشارع بعد رؤية هذا التلاحم. الهدف من هذا الحراك ليس مجرد رد فعل مؤقت، بل وضع خطط مدروسة لاقتلاع العنف من جذوره في المجتمع العربي عبر خطوات تراكمية ومنظمة”.
الأطر المهنية تملأ فراغ الدولة
ترى المحامية والناشطة الاجتماعية رؤى أكوي من طمرة في حديثها لـ”عرب 48″ أن “بروز الأطر المهنية والهيئات الشعبية في هذا التوقيت هو استجابة طبيعية لفراغ صنعته الدولة بنفسها، حين تخلّت عن واجبها الأساسي في حماية المواطنين”. وتؤكد أن “هذه الأطر ليست وليدة اللحظة، بل متجذّرة تاريخيًا، إلا أن حضورها كان في السابق محصورًا ضمن دوائر مهنية ضيّقة، قبل أن تخرج اليوم إلى الفضاء الجماهيري من موقع المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية”.

وتشير أكوي إلى أن “الحراك الذي انطلق من سخنين أعاد للناس إيمانهم بقدرتهم على التحرك والتأثير، وفتح الباب أمام تجنّد واسع لأطر مهنية مختلفة وفي بلدات متعددة، ما كشف عن قدرتها على الفعل الجماعي على نطاق واسع”.
هل تستطيع الأطر الشعبية كنس الجريمة؟
وعلى الرغم من هذا الزخم، تشدّد أكوي على أن “مسؤولية مكافحة الجريمة المنظمة وكنسها تقع حصريًا على عاتق الدولة وأجهزتها، ولا يمكن تحميل المجتمع أو أطره المهنية هذه المهمة. لكنها ترى أن الحراكات الشعبية قادرة على بناء قوة جماعية ضاغطة تُجبر الدولة على تحمّل مسؤولياتها، لأن استمرار التواطؤ سيصبح مكلفًا لها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا”.
على عتبة عصيان مدني متدرّج
من جهته، يقول يوسف طاطور، رئيس اللجان الشعبية المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا ونائب الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي لـ”عرب 48″ إننا “لسنا أمام إعلانٍ فوريّ لعصيانٍ مدنيّ شامل، لكننا نقف بوضوح على عتبته؛ فاستمرار الزخم يتطلّب وضع برنامج وخطة عمل نضالية طويلة المدى، واضحة ومعلَنة ومحدَّثة أسبوعيًا، تكون الجماهير شريكة فعلية فيها من أصحاب المصالح، المحامين، الأطباء، العمّال ولجان أولياء الأمور وسائر القطاعات، ويتخللها تنظيم مهني واسع، وإضرابات قطاعية متدرجة وتصاعدية، ومظاهرات مستمرة، ضمن خطة موحّدة تجمع اللجان الشعبية والسلطات المحلية ولجنة المتابعة، وتعمل على تنظيم أصحاب المصالح التجارية ليكونوا جزءًا من اللجان الشعبية لمكافحة العنف، إلى جانب إقامة لجان محلية في كل بلدة تضم الأحزاب والحركات الشبابية ومديري المدارس ولجان أولياء الأمور ومجالس الطلبة، وتنظيم أطر من الأطباء والعاملين في القطاع الصحي والأخصائيين النفسيين، بالتوازي مع مظاهرة أسبوعية ثابتة أمام مكتب رئيس الحكومة، وإقامة خيمة اعتصام متنقلة ضد الجريمة تنتقل أسبوعيًا بين بلدات مختلفة وتترافق مع إضرابات محلية وفعاليات تحشيدية تنقل تجربة سخنين وتعمّمها، وصولًا إلى توسيع العمل القطري المشترك تحت مظلة لجنة المتابعة، وصياغة خطة شاملة لمكافحة العنف تقوم على تغيير السياسات الإسرائيلية التي ساهمت في تفكيك مجتمعنا وتركه فريسة لعصابات الجريمة، لتكون هذه الخطة مطلبًا جماهيريًا واضحًا وموحّدًا أمام الدولة”.

القوة المهنية كرافعة للتغيير
بدوره، يؤكد المحامي لؤي لوباني لـ”عرب 48″ إن “الرهان على تدخل الدولة وحده لم يعد خيارًا واقعيًا، داعيًا إلى بناء قوة مهنية مجتمعية منظمة، تبدأ من الأطر المهنية وتنتهي بعمل جماعي منسق ومستدام، يُحوّل الجريمة إلى قضية قانونية وصحية عامة تُحرج المؤسسة الرسمية. يتجاوز الحراك الشعبي ضد الجريمة والعنف كونه موجة احتجاج عابرة، ليعكس محاولة جادة لإعادة بناء الفعل الجماعي في المجتمع العربي على أسس مهنية ووحدوية. وبينما تبقى مسؤولية كنس الجريمة المنظمة على عاتق الدولة، فإن قوة هذا الحراك تكمن في قدرته على تنظيم المجتمع، وتوحيد قواه، وتحويل التقاعس الرسمي إلى عبء سياسي لا يمكن تجاهله”.

يوسف طنطوري: الحراك نحو العصيان المدني المنظم
ويرى يوسف طنطوري، نائب رئيس بلدية عكا في حديثه لـ”عرب 48″ أن “المرحلة الراهنة مفصلية للمجتمع العربي، مشيرًا إلى أن الانخراط الشعبي في الحراك يعكس وعيًا جماعيًا بإمكانية مواجهة المخططات التي تهدف إلى تفريغ المجتمع من حيويته”.
قائلا “ثقتي كبيرة بشعبي وخاصة بالشباب. آن الآوان أن نؤمن بأن هناك مخطط سياسي كبير تجاه مجتمعنا نحو تهجيره من ارضه، ويجب أن نكون واعين له من خلال خطوات من الأهالي. هذا الحراك سيأخذ تأثيرًا محليًا ودوليًا وسيظهر كم أن الحكومة غير منصفة، ويزيد عار سياسة التفريغ والترهيب بحق المجتمع العربي”.

ويشدّد طنطوري على أن “استمرار الحراك بشكل منظم قد يصل إلى العصيان المدني القانوني، متيحًا للمجتمع التعبير عن رفضه للعنف أمنّا أن هذه المرحلة مفصلية، وكما انتفضت سخنين، فإن المجتمع العربي سيمارس جميع الخطوات ضمن إطار تنظيمي وقانوني، بالتعاون مع جميع شرائح المجتمع، لضمان استمرارية الحراك وعدم توقفه عند مجرد مظاهرة أو إضراب”.
عمار أبو أحمد: العصيان المدني خيار مشروع حين يتهدّد المجتمع
وقال مؤسس رابطة المهندسين والمعماريين العرب، المهندس عمار أبو أحمد من الناصرة، في حديث لـ”عرب 48″، إن “الأطر والمؤسسات المهنية والمجتمعية تشكّل الحراك الأساسي في أي مجتمع”، مؤكدًا أن “مواجهة ظاهرة العنف لا يمكن أن تتم بجهود منفردة، بل تتطلب تشخيصًا جماعيًا عميقًا للأسباب وصياغة حلول متعددة الأبعاد”.

وأشار إلى أن “الأزمات الاقتصادية وغلاء المعيشة وفقدان الثقة بالقيادات ساهمت في تفكك النسيج المجتمعي”، مشددًا على دور المؤسسات المهنية كقوة شعبية مؤثرة على القرار الحكومي.
وختم بالقول إن العصيان المدني، رغم كلفته، قد يصبح خيارًا مشروعًا حين يتهدد الخطر بنية المجتمع، وقادرًا على قلب معادلة الخوف عندما تتوحد المؤسسات المهنية والشعبية والسياسية.
عرب 48




