عربي دولي

«الردع عبر رفع الكلفة»: ماذا في ترسانة إيران؟

«الردع عبر رفع الكلفة»: ماذا في ترسانة إيران؟

مع تصاعد احتمالات ضربة أميركية لإيران، يبرز سؤال حاسم حول أدوات الردع المتاحة لطهران وقدرتها على رفع كلفة أي مواجهة عسكرية محتملة مع واشنطن.

محمد خواجوئي

طهران | مع تزايد احتمال تعرّض إيران لهجوم عسكري أميركي، يبرز سؤال أساسي حول الأدوات والقدرات التي تمتلكها طهران في حال وقوع مواجهة عسكرية؛ وهو ما يبدو أنه يشكّل أحد العوامل الأكثر أهمية في حسابات واشنطن، قبل الإقدام على أيّ خطوة من هذا النوع. وأظهرت تجربة حرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي، أن إيران تمتلك قدرات معتبرة في مجالات الصواريخ والطائرات المُسيّرة، غير أن مواجهة قوة عسكرية عظمى كالولايات المتحدة، تقتضي توظيف مجمل الإمكانات الدفاعية والهجومية ضمن إطار استراتيجية محسوبة ودقيقة. وفي ضوء عدم التكافؤ في موازين القوة العسكرية، يبدو أن طهران وضعت عقيدة «الردع عبر رفع الكلفة» في صدارة مقاربتها، معتمدةً على مجموعة من الأدوات الهادفة إلى تحدّي قدرة واشنطن على تحقيق غاياتها الاستراتيجية، وفرض أكلاف باهظة عليها.
وتُعدّ الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة المتطوّرة، الركيزة الأهم في القوة العسكرية الإيرانية؛ إذ تمتلك القوة الجوفضائية في «الحرس الثوري»، إحدى أكبر الترسانات الصاروخية في الشرق الأوسط، التي تضمّ آلاف الصواريخ الباليستية ذات المديات المتنوعة، والمُراوِحة مدياتها بين 300 و2000 كيلومتر. وتُظهِر صواريخ من طراز «خرمشهر» (بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر) و»قدر» (نحو 1600 كيلومتر) قدرة على ضرب أهداف برية وبحرية في كامل نطاق الخليج وبحر عُمان، بل وحتى القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة.
إلى جانب ذلك، تعتمد إيران على أسطول واسع من الطائرات المُسيّرة، يضمّ نماذج من مثل «شاهد-136» و»أبابيل»، قادرة على العمل ضمن هجمات جماعية متزامنة ضدّ السفن الأميركية والمنشآت الساحلية. وتشير تقارير وخبرات عسكرية إلى أن هذه المُسيّرات، رغم كلفتها المنخفضة نسبياً، تستطيع إلحاق أضرار جسيمة بالأنظمة الرادارية ومنظومات الدفاع الجوي التابعة للأساطيل المعادية، ما يعزّز فاعلية مقاربة الحرب غير المتكافئة التي تتبنّاها طهران.

وفي السياق، أفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية، أول من أمس، بأن الجيش الإيراني تسلّم ألف طائرة مُسيّرة استراتيجية لضرب الأهداف الثابتة والمتحرّكة في البحر والجو والبرّ. وأوضحت أن هذه الطائرات أُلحقت بتشكيلات القطعات الأربع للجيش، بعد أن تمّ تصميمها بما يتوافق مع التهديدات الحديثة وتجارب حرب الـ12 يوماً. والجدير ذكره أن النماذج الجديدة تمّ تصنيعها بواسطة متخصّصين من الجيش الإيراني، بالتعاون مع وزارة الدفاع؛ وهي تشمل عدة فئات، تدميرية وهجومية واستطلاعية وحربية إلكترونية.

الجيش الإيراني تسلّم ألف طائرة مُسيّرة استراتيجية لضرب الأهداف الثابتة والمتحرّكة

كذلك، وفي حال تصعيد المواجهة، من المُرجّح أن تلجأ إيران إلى تكتيكات الحرب غير المتكافئة في مياه مضيق هرمز والخليج، إذ يمتلك سلاح البحرية في «الحرس الثوري» أسطولاً واسعاً من الزوارق السريعة، التي يُقدَّر عددها بأكثر من ألف زورق، قادرة على تنفيذ عمليات هجومية باستخدام صواريخ مضادّة للسفن، وقذائف صاروخية، إضافة إلى الألغام البحرية، بما يسمح بإرباك حركة ناقلات النفط وحتى تهديد القطع البحرية الكبيرة. وتُظهِر التجارب السابقة أن طهران اعتمدت مراراً على أدوات من مثل «زرع الألغام الخفية» و»استهداف السفن التجارية» كوسائل ضغط فعّالة، تستهدف فحسب رفع الكلفة الاقتصادية والسياسية بالنسبة إلى الطرف المقابل، وتحويل أمن الملاحة البحرية إلى نقطة ضعف حسّاسة في أي صراع محتمل.

أمّا منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، فتعتمد على مزيج من الأنظمة المحلية الصنع، يتصدّره «باور 373» و»خرداد»، إلى جانب الأنظمة الروسية، وفي مقدّمها «إس‑300». وإذ توفّر تلك المنظومات تغطية نسبية في مواجهة الهجمات الجوية والصاروخية، فمن المحتمل أن تعترضها تحدّيات جدّية في حال وقوع هجوم أميركي واسع النطاق ومُنسّق. ورغم هذه القدرات، تعاني إيران من اختلالات بنيوية في سلاحها الجوي، ولا سيّما تقادم أسطول الطائرات المقاتلة، إضافة إلى افتقارها إلى التفوّق الاستخباراتي على المستوى الاستراتيجي الشامل. ومن المُرجّح أن يُصمَّم أي هجوم أميركي شامل بهدف تدمير مراكز القيادة والسيطرة، ومواقع الصواريخ، والمنشآت النووية، ما سيدفع طهران، في مثل ذلك السيناريو، إلى تبنّي خيار «الردّ الواسع والعالي الكلفة». ويبدو أن المسؤولين الإيرانيين، انطلاقاً من قراءتهم للتهديد بوصفه وجودياً، قد يتّجهون إلى ردّ شامل وغير مُقيّد. وفي هذا الإطار، حذّرت طهران مراراً من أن أي حرب تُشنّ ضدها قد تمتدّ لتشمل مجمل المنطقة.

وفی سیاق متصل، أفاد موقع «نور نيوز» الإيراني بأن مناورات عسكرية مشتركة بين إيران وروسيا والصين ستُجرى قرب مضيق هرمز غداً، في توقيت يتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات الأميركية لطهران. وتُعتبر هذه المناورات دورية وسنوية، وتشارك فيها القوات البحرية التابعة لـ»الحرس الثوري» إلى جانب وحدات من الجيش الإيراني، وذلك في إطار تدريبات تهدف إلى تعزيز التنسيق العملياتي ورفع الجاهزية العسكرية.

وفي المحصّلة، تواجه طهران التهديد العسكري الأميركي عبر مزيج من القدرات الصاروخية والمُسيّرة، وتكتيكات الحرب غير المتكافئة في المجال البحري، إلى جانب توظيف أوراق الضغط الإقليمية. والهدف الأساسي من هذه المقاربة لا يتمثّل في إلحاق هزيمة كاملة بالقوات الأميركية، بل في رفع الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية لأي هجوم، إلى مستوى يدفع واشنطن إلى العدول عن مواصلة المواجهة. ومع ذلك، فإن أي صدام مباشر مع الولايات المتحدة قد يتحوّل سريعاً إلى أزمة إقليمية شاملة يصعب على الطرفين احتواؤها أو التحكّم بمساراتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب