الافتتاحيهرئيسي

 تسريبات إبستين بين القانون والسياسة وصراع النخب

تسريبات إبستين بين القانون والسياسة وصراع النخب

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم تكن التسريبات الأخيرة الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية والمتعلقة بملفات الملياردير الراحل جيفري إبستين مجرد تطور قانوني متأخر في قضية جنائية شائكة، بقدر ما بدت حدثًا سياسيًا مركّبًا، يعكس طبيعة العلاقة الملتبسة بين السلطة والقانون، وبين الحقيقة وإدارة النفوذ داخل الأنظمة الحديثة.

فالقضية، التي شغلت الرأي العام العالمي لسنوات، تجاوزت منذ وقت طويل إطارها الجنائي الضيق، لتتحول إلى نافذة كاشفة لبنية أوسع، تتقاطع فيها السياسة مع المال، والنفوذ مع الاستثناء، والقانون مع الحسابات غير المعلنة.

التوقيت قبل المضمون

في التحليل السياسي، لا يُقرأ الحدث بمعزل عن توقيته. إذ تأتي هذه التسريبات في مرحلة دقيقة تمر بها الولايات المتحدة، تتسم بتراجع الثقة بالمؤسسات، واستقطاب سياسي غير مسبوق، وأزمات داخلية تتداخل مع تحولات دولية عميقة. في مثل هذه اللحظات، لا تميل الأنظمة إلى كشف الحقيقة كاملة، بل إلى إدارة الكشف ذاته، بوصفه أداة لإعادة ترتيب المشهد لا لإعادة صياغته جذريًا.

من هنا، يبرز سؤال مشروع لا يتعلق بمضمون الوثائق فحسب، بل باللحظة التي سُمح فيها بخروجها إلى العلن، وبحدود ما كُشف وما بقي طي الأدراج. فالتسريب الجزئي، في السياسة، لا يُعد صدفة، بل خيارًا محسوبًا.

بين القانون والانتقاء

من الزاوية القانونية، تطرح هذه التسريبات إشكالية جوهرية تتعلق بمفهوم العدالة ذاته. فالكشف الإعلامي، مهما كان واسعًا، لا يُغني عن المسار القضائي المتكامل القائم على التحقيق، والاتهام، والمحاكمة العادلة. كما أن نشر أسماء أو الإشارة إلى علاقات، دون إطار قانوني حاسم، يضع القضية في منطقة رمادية، تتداخل فيها العدالة مع الضغط السياسي والإعلامي.

إن أخطر ما يواجه مبدأ سيادة القانون ليس غياب المحاسبة فحسب، بل انتقائيتها. فحين يُفتح الملف جزئيًا، ويُغلق جزئيًا، وفق اعتبارات غير معلنة، يتحول القانون من مرجعية مستقلة إلى أداة ضمن أدوات إدارة التوازنات داخل النخبة الحاكمة.

الحقيقة كأداة ضبط

استراتيجيًا، لا يمكن فصل هذه التسريبات عن صراع النفوذ داخل الطبقات العليا للنظام السياسي والاقتصادي. فالرسالة الضمنية لا تبدو موجهة للرأي العام بقدر ما هي موجهة للنخب نفسها: لا حصانة مطلقة، ولا ملفات تُدفن إلى الأبد، والحماية السياسية تظل مشروطة وقابلة للمراجعة.

بهذا المعنى، تُستخدم الحقيقة هنا ليس بوصفها قيمة أخلاقية مجردة، بل كأداة لإعادة توزيع الخوف والانضباط داخل النظام، ولضبط إيقاع العلاقة بين مراكز القوة المختلفة.

الرأي العام… متفرج لا شريك

في المقابل، يُستدعى الرأي العام مرة أخرى إلى موقع المتلقي الغاضب. تُقدَّم له صدمة أخلاقية مدروسة، وتُفتح أمامه نوافذ جزئية من المعلومات، دون أن يُمنح مسارًا واضحًا للمساءلة أو الخاتمة. هذا النمط من إدارة الفضائح لا يهدف إلى تمكين المجتمع من الفعل، بل إلى تفريغ الغضب ضمن سقف يمكن السيطرة عليه، ثم تركه يتآكل بمرور الوقت.

قضية بنيوية لا حالة فردية

إن جوهر هذه القضية لا يكمن في شخص جيفري إبستين بحد ذاته، بل في البيئة التي سمحت بظهوره، واستمراره، وحمايته لسنوات. بيئة تتسم بتراكم السلطة دون رقابة فعالة، وبتداخل المال مع القرار السياسي، وبوجود مناطق استثناء لا تصلها المحاسبة إلا حين تتغير موازين القوى.

من هذا المنطلق، لا تبدو التسريبات خطوة نحو تطهير شامل، بقدر ما تمثل مؤشرًا على صراع داخلي داخل القمة نفسها، تُستخدم فيه بعض الحقائق لحماية البنية الأوسع، لا لتفكيكها.

خلاصة القول

إن تسريبات إبستين ليست حدثًا معزولًا، ولا دليلًا على انتصار العدالة، بل علامة على مرحلة انتقالية مضطربة، تُدار فيها الحقيقة بقدر ما تُدار السلطة. وفي عالم تتراجع فيه الحدود بين القانون والسياسة، يصبح السؤال الأهم ليس ما كُشف، بل من يملك ما لم يُكشف بعد، ولماذا، ومتى قد يقرر فتحه.

ذلك السؤال، بحد ذاته، يعكس عمق الأزمة التي يعيشها النظام الدولي اليوم، حيث لم تعد الحقيقة قيمة ثابتة، بل ورقة في لعبة النفوذ الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب