مقالات

حافظ والنَفَسُ الساخر! 

حافظ والنَفَسُ الساخر! 

بكر أبوبكر

تعرفت على الكاتب الكبير الأخ حافظ البرغوثي من سنوات طوال عندما كان يعمل في دولة الكويت في عدة صحف، كان في اعتقادي آخرها صحيفة القبس الكويتية وهو الى قدرته الصحفية المشهودة كاتبٌ رصين، وكاتب ساخر بنفس الوقت والى آخر نَفَس، بمعنى أنه يكتب بدقة المتمحّص وبسخرية الملهاة التي تصنع تاريخًا لا صلة له بالواقع خاصة لدى البُغاة والطُغاة والفسقة والمارقين!

الكاتب الكبير والزميل  الأخ حافظ البرغوثي الذي ترأس تحرير صحيفة الحياة الجديدة في الوطن كانت له صولات وجولات في الميدان الفكري وفي الميدان الثقافي كما الحال في الميدان السياسي خاصة مع الانتفاضة الأولى، وبالصحافة وحين أصبح عضوًا في المجلس الثوري للحركة حيث زاملته بدورته الأولى فيه، وأكمل مساره الممزوج بالألم الوطني بحيث ربط الشعب والأرض وتباريحها ووشوشاتها بسياق كتاباته العديدة والوافرة الإبداع.

لربما كانت المرة الأولى التي رأيت فيها حقيقة المشاكسة (والمباكسة والمعاكسة-ها نحن ننسج على مسلّته الساخرة) لدى الأخ حافظ كانت حين أصدرت صحيفة القبس-بالكويت ملحقًا تحت اسم القبس السعيدة! ويا لله فلقد كانت فعلًا مرِحة مؤلمة قادحة سعيدة! بمعنى أنها تخصصت بالأدب الساخر حصريًا، ومن هنا لربما تأهلت للنسج على ذات المنوال في جزء من كتاباتي.

كانت اللقاءات الأخرى مرتبطة بما عرفته فيه من الإطار الوطني بذات البلد حيث كان من رئاسة تحرير نشرة الصخرة الأسبوعية الصادرة عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح (مع الأخوة الشاعر الكبير ربحي محمود، ود.توفيق الباشا، وفؤاد درويش، وبهاء البخاري، وعارف قدومي…) وهي الصحيفة التي أطلقها عملاق الإدارة التنظيمية حسن المطري (أبوعلي) وبرعاية الأخ سليم الزعنون (أبوالأديب) عضو مركزية فتح، ثم ماكان من ترؤس تحريرها من قبل الأخ الاعلامي الحصيف وأحد روّاد الإذاعة الفلسطينية د.حسين أبوشنب (أصدر د.حسين أبوشنب (أبوحسام) كتابًا جديدًا جميلًا مؤخرًا تحت عنوان: هنا القدس، صوت فلسطين: تجربة حياة).

في نشرة الصخرة كتب الأخ حافظ باسم مستعار كعادة النشرة التي جاورته بالكتابة بها أيضًا تحت اسم مستعار، وفيما كتب تجد من الشحنات الوطنية والعاطفية والفكرية والسياسية الجادة طورًا والساخرة طورًا آخر الكثير أو بمزيج فريد وعجيب بينهما. ثم ماكان من اللقاء اللاحق في رحاب صحيفة الحياة الجديدة في فلسطين، والزمالة معًا ضمن المجلس الثوري للحركة.

الأخ أبومنصور كتب عن “عصر الانحطاط” وهو اسم الزاوية في نشرة الصخرة الحركية المخصصة له لتصدر لاحقًا في كتاب، ولحقها أيضًا مجموعة أخرى من الكتب.

في كُتُب حافظ البرغوثي يظهر الوعي الحضاري والعروبي والوعي الوطني جليًا، كما يظهرالنفس التهكمي أو الهزلي واضحاً فهو يسخّر السخرية لمعالجة أفظع القضايا، وأهم القضايا وفيها يتعرض كما بكتاباته حتى اليوم للمسلكية السياسية والتنظيمية فيدخلها في عمق التحليل السياسي مسقطًا آرائه بالقادة عامة على القرارات، وفي رسائل مباشرة أو غير مباشرة ورمزية أو تهكمية لا تبقي ولا تذر.

هذا ليس بيان مديح للأخ العزيز والزميل الكاتب الشهير، والصحفي المرموق الذي يستحق الكثير فهو صاحب الالمعية، و كتاب أو رواية: الخوّاص الشهيرة (الخوّاص اسم مقام لوليّ في بلدة الكاتب دير غسانة-رام الله)، التي تسجل ألم الفلسطيني وتمسكه بأرضه، وكتاب: عصر العميان (وهو الكتاب الذي يلقى فيه حافظ البرغوثى الضوء على الكثير من مظاهر العماء التى نحياها، من انهيار اللغة إلى انهيار المبدأ، إلى فضح ذلك النوع من الأدعياء الذين ما إن يصبحوا خارج الضوء حتى يتذكروا المبادئ، ويلوحوا بالفضح وقول الحقيقة، كما تقول فيه وكالة أنباء الشرق الأوسط).

والى ما سبق كتاب أو قصة سعيد الأول والواحد والعشرون! الذي قرأته مؤخرًا وضحكت،. وشر البلية ما يضحك على محاكاة لحال الأمة وزعمائها والبطانة في إطار قصة جميلة تتعاطى مع الانقلابات العسكرية وما يمكن اسقاطه على أي عصر تريد وبسياقات رفضه الدائم منذ عرفته للاستبداد (الديكتاتورية) والنزق وإقلاق الناس والأمة بسفاهات وتفاهات يتم النظر اليها (يجبرونك أن تنظر اليها) كمعجزات وخوارق  للقادة! الذين منهم  القائد الجهبذ او القائد الملهم، أو القائد بحجم وطن! أو القائد الصنديد أو القائد الأبلق! أو القائد الخرتيت، أو القائد الفتَاك! (المفتوك به) حين تدخل تلاوين السياسة والاعلام المدلّس. وتأملت أثناء قراءة الكتاب كثيرًا في الحال والمآلات التي لا تسر عدوًا ولا صديق فكان منه أن لامس منذ خطّ بقلمه الجملة الأولى حال الأمة الأغبر.

نتراسل ونتهاتف كلما سنحت الفرصة، ونلتقي. ومؤخرًا تشاركت مع الكاتب الأريب والأستاذ الحبيب حافظ البرغوثي في إطلاق جائزة الفنان الكبير والمبدع بهاء البخاري (فنان تشكيلي وفنان التشخيص/الكاريكاتور) في المتحف الفلسطيني في بيرزيت، وتكلمنا عن الفنان زميلنا، وكأننا نتكلم عن أنفسنا وفي الكتابة من الفن الكثير الذي منه الرصين، والساخر.

إن الأفكار الثرية تأتي ضمن إشعالات ذهنية معينة أوتداعيات أوتراكمات أو مواقف تحتاج لأن تعبرعن نفسها فلا تطيق ضيق الجمجمة، وتطرق باب حواجبك مطالبة بالخروج وهذا ما يكون منه، ومني ومن أمثال الكُتاب والمصلحين والمفكرين والمناضلين الذين يرفعون الكتابة كشعلة حرية ورسالة، فلا يتوبون عن مقارعة الطاغوت الصهيو-امريكي، والسلطان الجائر! 

لا أملّ قراءة ما يخطّه قلم أبومنصور من مقالات، وحيث يفاجئك يوميًا في حائطه على “فيسبوك” بالعجيب والمثير والساخر من التحاليل السياسية والمجتمعية وغيرها، بمرارة السخرية وألمها.

 بكر أبوبكر

Baker AbuBaker

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب