الصحافه

إسرائيل إزاء التغير المتسارع في الخليج العربي.. فرص استراتيجية أم مصدر تحديات؟

إسرائيل إزاء التغير المتسارع في الخليج العربي.. فرص استراتيجية أم مصدر تحديات؟

يوئيل جوجانسكي

نظام إقليمي خليجي. في السنوات الأخيرة، قدمت دول الخليج نفسها على أنها قائدة نظام إقليمي جديد، قائمة على الاستقرار والتقدم والاستقلال السياسي، على النقيض من صورتها التاريخية القائمة على التبعية لعائدات النفط والغرب. وتعكس هذه العملية رغبة في التحرر من التصورات السائدة عن الشرق الأوسط الفاشل والمثير للمشاكل، وتخدم الاقتصاد المحلي (بجذب الاستثمارات والسياحة والتكنولوجيا) والحكومة على حد سواء، ساعيةً إلى الشرعية الداخلية والحفاظ على “العقد الاجتماعي” مع المواطنين.

معادلة جديدة للعلاقات. تعمل دول الخليج على تغيير طبيعة علاقاتها مع المجتمع الدولي، وخاصة مع الولايات المتحدة؛ من نظام (تاريخي) قائم على التبعية يتعلق أساسًا بالأمن، إلى سياسة قائمة على المصالح المتغيرة والأخذ والعطاء. تنظر دول الخليج إلى نفسها كأصول، ولم تعد مجرد “عملاء”، بل كفاعلين مستقلين يتمتعون بدعم متنوع.

الصين كإضافة، لا كبديل. يتزايد التواجد الصيني في دول الخليج، لا سيما في المجالات الاقتصادية والطاقة والتكنولوجيا، لكن من وجهة نظر هذه الدول، لا يحل هذا التواجد محل علاقاتها مع الولايات المتحدة. تسعى دول الخليج عمومًا إلى الحفاظ على علاقات طيبة مع القوتين في إطار مناورة ذكية لا خيار ثنائي.

تعمل دول الخليج على تغيير طبيعة علاقاتها مع المجتمع الدولي، وخاصة مع الولايات المتحدة؛ من نظام (تاريخي) قائم على التبعية يتعلق أساسًا بالأمن، إلى سياسة قائمة على المصالح المتغيرة والأخذ والعطاء

صياغة هوية وطنية جديدة. تعمل هذه الدول على صياغة هوية وطنية جديدة تتسم بالحداثة والتقدم التكنولوجي والإسلام المعتدل، مع الحفاظ على الأسس المحافظة والقبلية. وتتمحور هذه الهوية الجديدة حول صور المستقبلية والابتكار والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن قيادة من قبل قادة شباب ديناميكيين.

الحداثة. تستثمر دول الخليج بكثافة في التعليم والتدريب ومراكز البحوث والتكنولوجيا المتقدمة، بهدف خلق جيل شاب منفتح على العالم، لكنه ملتزم بالقيم المحافظة والوطنية. وهذا نموذج جديد للتلقين الناعم، يجمع بين الوعي الوطني وأدوات الابتكار العالمي.

التكنولوجيا في خدمة الحكم. لا يساهم تحديث دول الخليج في التحرر السياسي، بل على العكس، يُعد التقدم الاقتصادي والتكنولوجي وسيلة أخرى في يد الأسر الحاكمة، تُساعدها على الحفاظ على السلطة المركزية، والتحكم في المعلومات، وقمع التهديدات الداخلية. لا تُعدّ التكنولوجيا محركاً للنمو فحسب، بل هي أيضاً أداة للقوة السيادية. كما تُستخدم تقنيات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي لحماية البنية التحتية، وللمراقبة الداخلية، ولتشكيل الرأي العام.

 تعدد الهويات. تستطيع دول الخليج ارتداء أقنعة مختلفة وفقًا لمصالحها في ظل الظروف المتغيرة: ففي علاقاتها مع العالم العربي والإسلامي، تدافع عن الإسلام وتدعم الفلسطينيين؛ وفي مواجهة الغرب، تُعتبر رائدة في التقدم والتنمية ومحورًا إقليميًا للاستقرار؛ ومع إسرائيل، تُعتبر شريكة هادئة؛ ومع القوى العظمى، تُعتبر فاعلة مستقلة ومتملكة؛ وعلى المستوى الإقليمي، تُعتبر مُسترضية، أو وسيطة.

المنافسة المنظمة. يُعد جيران الدول أحيانًا مصدرًا للمنافسة والتحديات التي تواجهها بين دول الخليج، وخاصة بين السعودية وقطر والإمارات، وثمة منافسة في العديد من المجالات، بما في ذلك التكنولوجيا والاقتصاد والتمويل، فضلًا عن الجغرافيا السياسية. تنبع هذه المنافسة من الطموح الشخصي للقادة، ومن الرغبة في تعزيز النزعة القومية، بل وحتى من الماضي الإقليمي والقبلي. وهذا يُصعّب التعاون في مختلف المجالات ويُشوش فكرة “وحدة الخليج”.

الالتزام بالانفراج الدولي مع إيران. على الرغم من الضعف النسبي الذي لحق بإيران ووكلائها بعد عامين من الحرب، ولا سيما بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2025، لا تزال إيران تُعتبر تهديدًا كبيرًا لدول الخليج، ومن المتوقع أن تلتزم هذه الدول بسياسة التحوط من المخاطر ضدها. ويتجلى ذلك في الانفراجة بين الأطراف، والتي تُعتبر نجاحًا في منطقة الخليج. وترى هذه الدول أن التهديد الذي تُمثله إيران لا يزال خطيرًا، وعلى أي حال، تتوقع نشوب صراع آخر بينها وبين إسرائيل و/أو الولايات المتحدة.

دول الخليج وإسرائيل: خففت دول اتفاقيات أبراهام من حدة علاقاتها مع إسرائيل عقب حرب غزة، لكنها حافظت على إطار العلاقات معها – وهو إنجاز كبير في حد ذاته. علاوة على ذلك، فإن بعض الأضرار التي لحقت بالعلاقات قابلة للإصلاح. وبشكل عام، فإن البعد العام للعلاقات، أي عملية التطبيع، يتأثر بتطورات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وحتى الإسرائيلي الإيراني، ويتأثر بالرأي العام العربي. في المقابل، يرتكز مسار العلاقات الأمنية السرية أساساً على المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد للدول، ولذا فهو أكثر استدامة. بالنسبة لإسرائيل، يمثل الخليج العربي مصدراً للفرص الاستراتيجية – التعاون الأمني والتكنولوجي والتواجد الاقتصادي في ساحة ناشئة – ولكنه أيضاً مصدر للتحديات. إن فهم مصالح الخليج والقدرة على تكييف السياسة الإسرائيلية مع التغيرات السريعة في هذا المجال شرطان أساسيان للحفاظ على العلاقات وتعزيزها.

مذكرة/ معهد بحوث الأمن القومي 17/2/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب