هل نحن أمام إعادة صياغة الشرق الأوسط؟

هل نحن أمام إعادة صياغة الشرق الأوسط؟
بين خطاب “الزلزال الكبير” ومنطق التوازنات الدولية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يتردد في الخطاب السياسي والإعلامي أن “الشرق الأوسط الذي نعرفه قد انتهى”، وأن ما يجري ليس مجرد حرب، بل لحظة مفصلية لإعادة رسم الخرائط وتغيير موازين القوى جذرياً. غير أن القراءة الهادئة، المتسقة مع قواعد التحليل الاستراتيجي، تقتضي التمييز بين مناخ التصعيد الخطابي وبين الحقائق الصلبة التي تحكم حركة الدول ومصالحها.
المنطقة تمر بلا شك بمرحلة تحولات عميقة، لكن السؤال الجوهري: هل نحن أمام “ساعة صفر” لتفكيك النظام الإقليمي، أم أمام إعادة تموضع محسوبة داخل نظام دولي يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية؟
التوقيت في الحروب… حسابات معقدة لا شعارات ، لا تخوض الدول الحروب صدفة. القرار العسكري في أي صراع كبير يُبنى على معطيات الجاهزية اللوجستية، وإعادة تأهيل الترسانات، وحسابات الردع، والبيئة السياسية الداخلية والخارجية.
لكن اختزال الحرب في عامل “التوقيت الموسمي” أو ربطها باعتبارات رمزية فقط، يُغفل شبكة المصالح المعقدة التي تحكم القرار الاستراتيجي.
فالحروب الكبرى لا تُدار بالعاطفة، بل بتوازنات دقيقة بين الكلفة والعائد، وبين القدرة على الحسم والقدرة على التحمل.
إسقاط الأنظمة أم إدارة النفوذ؟ التجربة التاريخية أثبتت أن إسقاط الأنظمة ليس هدفاً بحد ذاته في الاستراتيجية الأمريكية، بقدر ما هو وسيلة – إن استُخدمت – لإعادة ترتيب بيئة النفوذ.
الولايات المتحدة تتحرك وفق منطق حماية مصالحها العليا، وفي مقدمتها: أمن الممرات الاستراتيجية للطاقة والتجارة
منع تشكل تحالفات معادية تهدد تفوقها ، احتواء القوى الصاعدة، وعلى رأسها الصين ، لكن إدارة النفوذ لا تعني بالضرورة احتلالاً مباشراً أو سيطرة مطلقة، بل شبكة من التحالفات والقواعد العسكرية والردع البحري والجوي.
شرايين العالم… معركة الممرات البحرية حيث تشكل الممرات البحرية عقد النظام الاقتصادي العالمي. من مضيق هرمز إلى باب المندب، مروراً بـ قناة السويس، وصولاً إلى مضيق البوسفور ومضيق جبل طارق — هذه النقاط تمثل شرايين الاقتصاد العالمي.
غير أن الحديث عن “سيطرة مطلقة” يتعارض مع واقع القانون الدولي وتشابك المصالح بين القوى الكبرى. ما يجري هو صراع نفوذ وتوازن ردع، لا مشروع احتكار منفرد.
الصين في قلب الحسابات فان صعود الصين يمثل التحدي الأبرز للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. لكن كسر الصين عسكرياً في الشرق الأوسط ليس هدفاً واقعياً. الأرجح أن الاستراتيجية تقوم على:- ضبط طرق إمداد الطاقة ، تقليص هامش المناورة الاقتصادية ، احتواء التمدد التكنولوجي ، إنها معركة استنزاف باردة طويلة، وليست مواجهة مباشرة.
الروايات والخسائر… بين الحقيقة والدعاية ففي كل حرب تُخاض معركة موازية هي معركة المعلومات.فالتصريحات عن سقوط قواعد أو خسائر كبرى يجب التعامل معها بحذر، لأن الوقائع النهائية لا تتضح إلا بعد توقف العمليات.فالتاريخ العسكري يؤكد أن المبالغات جزء من إدارة المعركة النفسية، وأن الأرقام الحقيقية تُكتب عادة بعد أن تهدأ المدافع.
ضغوط متزامنة على دول محورية بحيث تواجه دول مركزية مثل مصر وتركيا والسعودية وباكستان تحديات اقتصادية وأمنية متشابكة. فهل هي سياسة حصار متعمد أم نتيجة تفاعلات اقتصادية عالمية وأزمات داخلية؟
التحليل الواقعي يشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الضغوط مرتبط بتحولات الاقتصاد العالمي، وارتفاع كلفة الطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، إضافة إلى تعقيدات المشهد الداخلي في كل دولة.
صحيح أن أي تنسيق استراتيجي بين هذه الدول سيُحدث تحولاً نوعياً في ميزان القوى، لكن تحقيقه يصطدم بتباينات سياسية وجيوسياسية عميقة.
تركيا وموقع المضائق حيث تحكم مضيق الدردنيل ومضيق البوسفور يمنح أنقرة وزناً استراتيجياً استثنائياً. وتركيا تدير توازناً دقيقاً بين الشرق والغرب، وتدرك حساسية موقعها في أي صراع إقليمي أو دولي. غير أن قدرتها على المناورة تبقى مرتبطة بحسابات معقدة مع حلفائها وشركائها.
العالم يتجه نحو تعددية قطبية… ولكن ؟؟ الانتقال لم يكتمل. فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأولى، غير أنها تعيد توزيع أعباء القيادة، وتدفع حلفاءها لتحمل مسؤوليات أكبر. ، أما أوروبا، فهي أمام اختبار استراتيجي لتعزيز قدراتها الدفاعية، دون أن يعني ذلك انفصالاً عن المظلة الغربية.
ويمكننا القول ووفق كل ذلك أن الشرق الأوسط لا يُمحى بين ليلة وضحاها، ولا تُرسم خرائطه بقرار منفرد. ما نشهده هو مرحلة إعادة توازن بطيئة، تتداخل فيها:؟؟ صراعات النفوذ ، معركة الممرات والطاقة ، إدارة صعود الصين ، اختبار صلابة التحالفات
الزلزال الحقيقي ليس في تغيير الحدود الجغرافية، بل في إعادة تعريف موازين القوة وأدوات إدارتها.، إن التعاطي مع هذه المرحلة يتطلب قدراً عالياً من الواقعية السياسية، والابتعاد عن خطاب الحسم السريع أو التوقعات المطلقة. فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تحدث بضربة واحدة، بل عبر مسار طويل تتراكم فيه الأزمات حتى تُنتج نظاماً إقليمياً ودولياً جديداً.
وفي خضم هذا المشهد، تبقى الحكمة في قراءة الوقائع بعين استراتيجية، تحافظ على استقرار المنطقة، وتُعلي من منطق الدولة ومصالح شعوبها فوق منطق الانفعال والتصعيد.




