كتب

كتاب جديد يحرّره رائف زريق: البيت كمجاز فلسفي وحدود المنفى

كتاب جديد يحرّره رائف زريق: البيت كمجاز فلسفي وحدود المنفى

الناصرة – «القدس العربي» – وديع عواودة:

يتناول كتاب جديد صادر باللغة العبرية الدلالات الفلسفية المتنوعة لمفهوم «البيت»، وللعلاقة الثنائية الملتبسة بينه وبين المنفى. والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات كتبها فلاسفة ومفكرون معاصرون، طلب من كل واحد منهم أن يختار فيلسوفا من تاريخ الفكر، وأن يقرأ عبره فكرة «البيت» فلسفيا، ثم يربط هذه القراءة بأسئلة الواقع الراهن كما يعاش اليوم.
يضم الكتاب مقاربات لأسماء كبرى في تاريخ الفلسفة والفكر النقدي، من بينها: هيغل، وهاينه، ووالتر بنيامين، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وجوديث بتلر. وقد صدر عن معهد «فان لير»، فيما يكتب مقدمته ويحرر مادته الأكاديمي والأستاذ الفلسطيني رائف زريق، الذي يجوب، في مقدمته الطويلة الكثيفة، حقول الفلسفة والأدب والفكر الديني والعلماني، قديمها وحديثها، بحثا عن المعاني المختلفة والمتناقضة أحيانا للبيت بوصفه «مجازا» مركزيا في الوعي الإنساني.
زريق، وهو أكاديمي فلسطيني من مدينة الناصرة داخل أراضي 48، لا يكتفي بدور «المحرر» الذي يجمع النصوص ويقدمها، بل يمنح الكتاب طبقة تفسيرية موازية عبر مقدمة تؤطر سؤال البيت/المنفى وتكشف توتراته. كما يخصص أحد فصوله لإدوارد سعيد بعنوان: «البيت. النقد. المنفى: تاملات في ارث إدوارد سعيد»، واضعا هذه الثلاثية في قلب الأسئلة التي تستدعيها الراهنية السياسية والأخلاقية اليوم.
من المعنى الرائج إلى المعنى المركب
في مقدمته، يتوقف رائف زريق عند المعاني المتداولة والعميقة لفكرة «البيت»: الشعور في البيت، المنفى، الغربة، الاغتراب. لكنه لا يكتفي بترديد الدلالات الشائعة، بل ينزع طبقاتها الرائجة، مسلطا الضوء، بروح ومصطلحات فلسفية، على طبقات أعمق: كيف يتشكل البيت كأمان نفسي واجتماعي؟ وكيف يتحول إلى هوية صلبة قد تفضي إلى الانغلاق؟ وكيف يصبح «المجاز» في لحظة تاريخية بعينها أشد قسوة من الواقع، حين يستعمل لتغطية الافتقاد المادي للسقف والمأوى؟
يحذر زريق، في هذا السياق، من الانغماس في الدلالات الرمزية للبيت على حساب دلالاته المادية المباشرة، كمن يذكر بأن الحديث الفلسفي عن البيت قد يبدو، لمن لا يملك بيتا من حجر وطين، أو لمن لا يملك «بيتا قوميا» يؤمن له حياة اجتماعية وثقافية، نوعا من الترف، بل حديثا إشكاليا «كمن يرش الملح على الجروح». ومن يقضي أيامه في غربة منقطعة عن السياق الاجتماعي، أو من يقضي أيامه بلا سقف يؤويه، فإن «كل الكلام الفلسفي النقدي عن اهمية المنفى كمساحة تتيح بعدا نقديا» لا يسعفه في غربته ولا يقيه برد الشتاء.
بهذا التحديد، يضع زريق القارئ أمام مفارقة أساسية: المجاز لا يلغى، لكنه يصبح محرجا إن لم يقترن بحقيقة مادية لا يمكن القفز فوقها.

الكلمات والبيت: معنى لا يعوض سقفا

ومع ذلك، لا ينتهي زريق إلى موقف عدمي من اللغة والمجاز. فهو يقر أولا أن الكلمات ليست بديلا لسقف يؤوي المرء، لكنه ينبه في الوقت ذاته إلى أن البشر، بصفتهم كائنات معنوية تسعى لفهم العالم عبر إسباغ المعنى على الواقع المادي، لا مفر لهم من طرح السؤال: ما معنى البيت؟ وما معنى المنفى؟ وكيف تعمل هذه الثنائية في تشكيل الذات والوعي؟
وعن هذه الثنائية يضيف زريق – وفقا لما تردده المقدمة – أن «المادية الفجة» ليست بديلا عن بحث الإنسان الدائم عن المعنى ودلالات البيت الرمزية. فكم من امرئ يعيش في وطنه بين أهله وتحت سقف بيته، لكنه يعيش مغتربا، مسلوبا، منزوعا، عاجزا، منفصلا عن ذاته وسياقه. ويؤكد أن «القبض على الواقع» نفسه لا يتم إلا مجازا، وأن محاولة البحث عن المعنى لا يمكن القفز عنها.
في هذه النقطة، يقدم زريق صياغة تتجاوز ثنائية «مجاز/ واقع» إلى تصور أكثر تركيبا: الواقع يحتاج اللغة كي يفهم، واللغة تفقد أخلاقيتها حين تتجاهل ثقل الواقع المادي.

البيت كفكرة ناظمة في تاريخ الفلسفة

ومن خلال غوص في التاريخ والأدب والثقافة، يشير زريق إلى سيطرة فكرة البيت بتجلياتها المختلفة – أو العودة إلى البيت – بوصفها توقا مستمرا وفكرة ناظمة في تاريخ الفلسفة منذ نشأتها. تبدأ هذه الفكرة من الفلسفة اليونانية، وتمر بالفكر الديني الذي يرى الوجود البشري على الأرض «رحلة شاقة»، وأن البيت الحقيقي الوحيد هو في حياة أخرى بعد الممات حيث «الراحة الأبدية».
وفي التراث الأدبي والميثولوجي، تستعاد فكرة المنفى وتوق العودة إلى البيت في صور عديدة: من روايات الهجرة الأولى، إلى سرديات الرحلة الطويلة، وصولا إلى ملحمة الأوديسة، حيث تطرح مفاضلة بين «الخلود» و»الوطن»، فيختار الوطن على الأبدية في المنفى، كأن الإنسان – مهما اتسعت أمامه الإغراءات – يعود إلى حاجة جوهرية للانتماء.
أما في العصر الحديث، فيستذكر زريق أن الفيلسوف المجري الماركسي جورج لوكاتش يصف الفلسفة بأنها «حنين مستمر إلى البيت». ويقف عند هيغل الذي يتحدث في «فينومينولوجيا الروح» (ظاهراتية الروح) عن عودة الروح إلى البيت، بوصفها محاولة للتغلب على حالة الانفصال والاغتراب التي تعاني منها الذات البشرية في العصر الحديث. فالعودة هنا ليست رجوعا جغرافيا، بل مصالحة تلتئم فيها الجروح التي خلفها الاغتراب، ويغدو «البيت» استعارة لحميمية تشعر فيها الذات بأنها متصالحة مع نفسها ومع العالم.

البيت – الوطن بوصفه «منطقة آمنة»

في فصل آخر من القراءة، يتأمل زريق دلالات البيت كما تظهر في الأدب الحديث، مستذكرا تعريفا للشاعر الأمريكي روبرت فروست حين يتحدث عن البيت ويقصد الوطن بوصفه المكان الذي يكون الانتماء إليه بديهيا: لا يطلب من المرء أن يقدم عملا أو إنجازا كي يحظى به، ولا أن يثبت جدارة أو استحقاقا. وفق هذا المعنى، يصبح البيت انتماء فطريا لا يحتاج إلى وساطة، ولا إلى تبرير مستمر.
ويشير زريق إلى أن البيت القومي/ الوطني – بهذا المعنى – هو سياق يزود المرء بالمعنى «من دون وساطة الترجمة»، حيث تكتسب الأشياء دلالاتها بشكل مباشر، «تحت رادار الوعي»، مخاطبة البديهة. ومن هذا الباب يقرأ زريق أيضا عبارة يضعها برتولت بريشت على لسان أحد أبطاله في «دائرة الطباشير القفقازية» جوابا على سؤال: لماذا يحب الإنسان وطنه؟ لأنه «يرن الصوت فيه اوضح»، ولأن الأرض «تتحمل فيه اكثر دوس الخطى»، وفيه «السماء اصفى».
يستثمر زريق هذه الإشارات ليشرح معنى البيت بوصفه «منطقة آمنة»: مكان يسمح للمرء أن يتعثر ويسقط ثم يقف على رجليه، أن يخطئ من دون أن يقع في الهاوية، وأن يتعلم من الخطأ ويعود، لأن جزءا من «الأنا» موزع في الآخرين وفي الجماعة، بما يمكن الإنسان من لملمة أشلائه وإعادة صياغة نفسه.
وفي التفاتة لغوية دالة، يربط زريق بين «البيت» بوصفه مسكنا وبين «السكون»، مستدعيا ملاحظة للشاعر شوقي بزيع عن هذه الرابطة في العربية: فالبيت بهذا الوصف منطقة السكون والراحة والطمأنينة. ويذهب إلى ملاحظة أخرى: ليست صدفة أن العربية تربط بين بيت السكن وبيت الشعر، لإدراكها أن اللغة نفسها قد تكون «حيزا» يجد المرء فيه نفسه، كما يسكن الجسد البيت.

البيت كخوف من الحياة: الوجه المعاكس

لكن زريق لا يكتفي بتمجيد البيت، لأن هذا التمجيد – حين يتحول إلى مطلق – يولد معناه المضاد. فالركون والسكون قد يصبحان مصدر قلق؛ لأن السكون المطلق موت. ومن هنا، تستجلب فكرة البيت حاجة الذات للخروج: الخروج من المألوف إلى غير المألوف، ومن الحميمية إلى تجربة الغربة، من التكرار إلى المفاجأة، من الأمان إلى الترقب.
يطرح زريق أسئلة على نحو تأملي: أليست الحياة خروجا مستمرا من الحميمية؟ منذ الخروج من الرحم، إلى لحظة الدخول إلى المدرسة، ثم لحظة مغادرة الأبناء البيت تماما وانطلاقهم نحو المجهول. هل توجد حياة من دون الدخول في المجهول؟ من دون قدر من الاغتراب؟ ويجيب زريق بأن لا جواب واحدا، لكن هذه الأسئلة تكشف أن الإنسان تتنازعه نزعتان لا نزعة واحدة: نزعة الخروج ونزعة العودة، نزعة المغامرة ونزعة الأمان. والإيغال في أي منهما خطر على كيفية عيش الحياة.

المنفى كنقد للبيت والهوية

ضمن قراءة ثنائية البيت/ الوطن والمنفى، يرى زريق أن الحنين – على طبيعته الإنسانية – قد يخفي توقا إلى إيقاف الحركة؛ إلى سكون مفرط، إلى رضى عن الذات، إلى رغبة في التطابق بين الأنا وذاتها وبين الكلمات ومعانيها. في هذا التطابق، يصبح المختلف تهديدا، ويصبح الغريب خطرا، وقد يتحول البيت إلى ذريعة لإقصاء الآخر.
ومن هنا، يربط زريق هذه النزعة بفكرة الملكية الحصرية والهوية المتناسقة المنغلقة، محذرا من أن المبالغة في الإحساس بالبيت قد تفضي إلى فكر أصولي متزمت، مشغول بالنقاء والطهارة والعفة، وراغب في «حماية البيت» من أي «دنس»، بما يفتح الباب عمليا لسياسات الإقصاء وتبرير العنف.

العالم كبيت… والعالم كمنفى

في مقابل هذا الهوس بالملكية والهوية، يستحضر زريق قول الراهب هوغو سانت فكتور قبل نحو ألف عام: الإنسان في طفولته يعتاد مكانا واحدا ويشعر أنه بيته وأن العالم غريب؛ «وهذا هو الانسان الساذج». ثم يكبر، فيكتشف أن العالم مألوف وأن «كل العالم بيت لنا»؛ «وهذا هو الرجل القوي». لكن «كامل الحكمة» هو من يستوعب أن العالم كله «منفى واحد مستمر».
يمضي زريق في هذا الخط متقاطعا مع ما يراه لدى الناقد إريك أروباخ، ومع حضور هذه الفكرة عند إدوارد سعيد في كتاباته عن المنفى. فهذه الرؤية – كما يقرأها زريق – تحتفي بالمنفى ليس بوصفه مجدا رومانسيا، بل باعتباره طريقة لحدس الكون وتعبيرا عن طبيعة الوجود الإنساني: عدم ملكية الأشياء، والطابع العابر للحياة، والهامشية بوصفها شرطا لاستقامة النقد. ويمايز زريق بين تأسيس ديني لهذا الموقف لدى سانت فكتور، وتأسيس علماني لدى إدوارد سعيد، حيث يلتقي سعيد مع نقد كل فكر يبالغ في التمركز داخل البيت، ومع نقد كل فكر هوياتي يوغل في مديح الهوية.
درويش: «في كل وطن منفى وفي كل منفى بيت من الشعر»
يستطرد زريق في شرح فلسفة سعيد عبر فكرة أن الهوية في نهاية المطاف نوع من «الشعور في البيت»، أي شعور الأنا بالراحة المطلقة مع ذاتها. غير أن هذه الأنا – كما يلمح زريق عبر استحضار فرويد – ليست واحدة متجانسة، بل منقسمة ومتعددة، وداخل كل «أنا» انوات أخرى. وبالتالي، داخل كل بيت منفى، وداخل كل هوية مجموعة هويات متصارعة.
هنا يستعين زريق بمحمد درويش الذي كتب أكثر من مرة عن المنفى، وعن معنى السفر والعودة، مذكرا بأن السفر يفقد معناه إن لم تكن العودة ممكنة إلى مكان يختلف نوعيا عن بقية الأمكنة. ومن دون ذلك يصبح السفر تيها مستمرا يتساوى فيه الوراء والأمام، والذهاب والإياب، والخروج والدخول، بما يهدد بانهيار المعاني وخلخلة اللغة. ومن هذه الزاوية يفهم قول درويش: «في كل وطن منفى وفي كل منفى بيت من الشعر»، بوصفه محاولة لتأهيل المنفى بمعنى إنساني وجمالي، لا لتزيينه ولا لتبرير قسوته.
ويخلص زريق في النهاية إلى تنبيه أساسي: حتى من يمدح المنفى، عليه أن ينتبه إلى ضرورة وجود البيت شرطا أوليا لفهم المنفى. فمن دون البيت يفقد المنفى معناه، بوصفه نفيا للبيت، تماما كما لا يستقيم مفهوم السفر من دون مفهوم العودة.

البيت كذريعة لهدم بيوت الآخرين

ويشار في نهاية المادة إلى أن فصول الكتاب كتبت قبل حرب الإبادة على غزة، وإن كان نشره جاء بعد الحرب. ويشير محرره في ذيل المقدمة إلى الطريقة التي يمكن أن يتحول فيها خطاب «الدفاع عن البيت» إلى مبرر لهدم بيوت الآخرين وتشريدهم بالكامل وتحويلهم إلى لاجئين مرة أخرى، بلا بيت أو مأوى. وهي ملاحظة تعيد الكتاب من فضاء المجاز وحده إلى فضاء السياسة والأخلاق، وتضع السؤال الفلسفي في موضعه الحاد: متى يصبح البيت معنى، ومتى يغدو سلاحا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب