
في مسلسل «عين سحرية»… كيف نربي إنساناً بعد أن ينكسر العالم حوله؟
ضحى عبدالرؤوف المل
كيف يمكن تربية طفلٍ بعدما يتصدّع عالمه من الداخل؟ هل يُعاد بناؤه بالصرامة والقوة، أم بالاحتواء والرعاية؟ ليست التربية في ظروف الانكسار مجرد تعليم “سلوك جيد” أو منع «سلوك سيئ»، بل محاولة ترميم روحٍ تعرّضت لصدمةٍ مبكرة. حين يفقد طفلٌ أمه، أو يفقد الأمان الذي كان يحيط به، أو يجد نفسه فجأة في عالمٍ لا يفهمه، يصبح الخطأ الذي يرتكبه أكثر من «هفوة أخلاقية»: يصبح علامة على زلزال داخلي. عندها لا يعود السؤال تربوياً فحسب، بل نفسيّاً وفلسفيّاً وإنسانيّاً في آن: ماذا نفعل أمام طفلٍ يتصرف على نحو مؤلم لأنه يتألم؟
في هذا السياق يقدّم مسلسل «عين سحرية « للكاتب هشام هلال مشهداً لافتاً، عبر حوارٍ بين الطبيب وشخصية عادل، يضع معضلة التربية بعد الفقد في مركز الضوء. يبدأ الطبيب بجملة تبدو بسيطة لكنها تحمل عمقاً كبيراً: «العنف هو أسهل حل بس أسوأ علاج». تختصر هذه العبارة جدلاً تربوياً طويلاً حول “فعالية” العنف وحدوده. فالعنف، لفظياً كان أو جسدياً، يمنح شعوراً سريعاً بالسيطرة، ويخلق وهماً بأن المشكلة انتهت: الطفل يخاف، يتراجع، ويتوقف للحظة. لكن ما لا يُرى في هذا التوقف هو أنه لا يعني شفاء الجرح الداخلي، بل قد يعني اتساعه. لذلك يصف الطبيب العنف بأنه «أسهل حل» لأنه لا يحتاج إلى فهمٍ ولا إلى صبر، لكنه في الوقت نفسه «أسوأ علاج» لأنه يعالج السطح ويترك الجذور تنمو في العتمة.
المهم في هذا الحوار أنه لا يضع “الخطأ” في خانة الإدانة، بل يحاول فهمه بوصفه رسالة. الطبيب لا ينظر إلى السرقة التي يقوم بها حسن بوصفها جريمة أخلاقية مكتملة، بل بوصفها سلوكاً يعلن حاجةً لم تُلبَّ. يقول بوضوح: «حسن ما بيسرقش عشان طمع، حسن بيعمل ده عشان يحس بالاهتمام». بهذه الجملة تنقلب المعادلة: الطفل لا يبحث عن الشيء المسروق بقدر ما يبحث عن لحظة “المرئية” التي ستأتي بعد الفعل. حين يشعر الإنسان- صغيراً كان أو كبيراً – أنه غير مرئي، قد يفعل أي شيء كي يُرى، حتى لو كان خطأ.
ثم تأتي نقطة التحول الأكثر إيلاماً: وفاة الأم. يصف الطبيب الأم بأنها كانت «الفرامل اللي لسه باقي عنده»، أي القوة التي تضبط اندفاعه وتمنحه الحد الأدنى من الاتزان. الأم في حياة الطفل ليست مجرد مصدر رعاية، بل إطار عاطفي ينظّم العالم كله. بوجودها يصبح العالم مفهوماً وآمناً؛ ومع غيابها يفقد الطفل بوصلته. هنا يتوقع الطبيب أن تتزايد أخطاء حسن بعد وفاة الأم، لا لأنه “صار أسوأ”، بل لأنه صار أكثر ضياعاً.
لكن التحليل يبلغ ذروته حين يشرح الطبيب أن الطفل قد يخطئ عمداً لا ليأخذ، بل ليختبر: «هتلاقيه بيغلط عشان يشوفك أنت كمان هتتخلى عنه، ولا هتستحمله زيها». يتحول الخطأ هنا إلى اختبار للحب. كأن الطفل يسأل سؤالاً صامتاً: هل سأظل محبوباً حتى عندما أخطئ؟ هل سيتركني من بقي معي كما تركني العالم؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها العقوبة وحدها؛ لأن القسوة قد تؤكد مخاوف الطفل بدلاً من تبديدها. فإذا كان يخشى الهجر، فإن الصرامة الجافة قد تبدو له دليلاً على أن “الترك” مسألة وقت.

في المقابل يمثل عادل صوت التجربة التقليدية في التربية: «اللي بيغلط لازم يتحاسب». هذه العبارة تعكس فلسفة شائعة ترى أن الإنسان يصبح منضبطاً بالصرامة. ويستند عادل إلى سيرته الشخصية: أخطأ وعوقب، ويعتقد أنه خرج «إنساناً جيداً». وليس في هذه الرؤية فراغٌ كامل؛ فكثير من المجتمعات ربت أبناءها على أن الشدة تصنع الانضباط، وأن التساهل يفتح الباب للفوضى.
غير أن الدراما تلتقط تناقضاً دقيقاً في كلام عادل نفسه حين يقول: «يمكن ما عنديش وقت أعرف إن كنت كويس ولا لأ». هذه الجملة الصغيرة تفتح باباً للتأمل في أثر التربية القائمة على القسوة: قد ينجح الإنسان ظاهرياً، لكنّه يحمل داخله جروحاً لم تُفهم بعد، أو لم يسمح الزمن بأن تُسمّى. هنا لا يصبح السؤال: “هل نجحت الصرامة في منع الخطأ؟” بل: “ماذا فعلت بالإنسان من الداخل؟” الفرق بين المنهجين ليس في وجود الحدود أو غيابها، بل في مركز الاهتمام: هل نركّز على تعديل السلوك فقط، أم على ترميم الإنسان الذي ينتج السلوك؟
لهذا يؤكد الطبيب فكرة تبدو متناقضة لكنها في جوهرها شديدة الاتزان: «حاسبه بس بالحب». المحاسبة ضرورية لأن الطفل يحتاج إلى حدود واضحة، لكن الطريقة التي تُمارس بها المحاسبة هي ما يصنع الفارق. العقاب الذي يهين الطفل يزرع داخله العار، ويحوّل الخطأ إلى تعريفٍ للذات. أما المحاسبة التي تتم داخل علاقة آمنة فتعلم المسؤولية دون أن تحطم الثقة بالنفس. الطفل، في النهاية، يحتاج أن يعرف أن الخطأ مرفوض، لكنّه هو نفسه ليس مرفوضاً.
وفي حالة طفل فقد أمه، تصبح الحاجة الأولى قبل أي منهج هي الشعور بأن هناك من سيبقى. لذلك يقول الطبيب إن حسن يحتاج أن يشعر بأن عادل هو «الأمان والبيت اللي باقي له». هنا يصبح “البيت” ليس جدراناً، بل شخصاً. فكرة بسيطة لكنها ثقيلة: الطفل لا يبحث عن ضبطٍ خارجي بقدر ما يبحث عن مرساة داخلية تمنعه من الانزلاق.
ومع أن عادل يبدو متشدداً، فإن الحوار يكشف أن قسوته المحتملة ليست وليدة قلة حب، بل وليدة خوف. يقول بصدق: «أنا خايف مرة يحصل كده وما كنش جنبه عشان ألحقه فيروح مني». هذا الخوف مفهوم؛ ففي كثير من الأحيان تكون الصرامة محاولة يائسة لحماية من نحب، أو محاولة لاستعادة السيطرة حين نفقد اليقين. لكن حماية الإنسان لا تعني دائماً السيطرة عليه. أحياناً تعني الوقوف إلى جانبه وهو يتعلم كيف يقف بنفسه. لذلك يقترح الطبيب على عادل أن يقترب من حسن لا بوصفه “تابعاً”، بل بوصفه «شريك مش تابع». إنها نقلة في شكل العلاقة: من سلطة إلى مشاركة، من أوامر إلى تواصل، من ضبطٍ خارجي إلى بناءٍ داخلي.
يمكن النظر إلى التربية في هذه الحالة بوصفها ترميماً لبيت قديم بعد زلزال. لا يكفي أن نعيد طلاء الجدران؛ يجب أن نفهم أين تصدعت الأساسات. إن حاولنا إصلاح البيت بالقوة فقط قد نزيد الشقوق اتساعاً، وإن تعاملنا معه بصبرٍ وفهم قد نعيد بناءه ليصبح أكثر صلابة مما كان. من هنا يعود السؤال المركزي: هل نعيد بناء الإنسان بالقوة أم بالاحتواء؟ ليست إجابة بنعم أو لا. الإنسان يحتاج الأمرين، لكن بترتيب مختلف: الاحتواء أولاً لأنه يمنح الأمان الذي يسمح بالتعلم، ثم الحدود التي تعطي للحياة شكلها ومعناها. الطفل الذي يشعر بأنه محبوب حتى عندما يخطئ يصبح أكثر قدرة على تصحيح خطئه؛ أما الطفل الذي يشعر أن الحب مشروط بالكمال فقد يتوقف عن المحاولة أصلاً.
وفي نهاية الحوار، حين يقول عادل للطبيب: «متشكر جدا يا دكتور.. تعبت معايا» ويرد الطبيب ببساطة: «ده شغلي»، تبدو الجملة عادية، لكنها تشير إلى تحول مهم: مجرد ذهاب عادل إلى الطبيب يعني أنه بدأ يشك في أن القوة وحدها قد لا تكون كافية، وأن المسؤولية ليست في كبح الطفل فقط، بل في فهمه.
تعود الدراما بنا، أخيراً، إلى سؤالها الأول: كيف نربي إنساناً بعد أن ينكسر العالم حوله؟ ربما لا يكون الجواب في الاختيار بين القوة والاحتواء، بل في إدراك أن الإنسان المكسور يحتاج أولاً إلى من يلتقطه من الأرض قبل أن يطالبه بالوقوف مستقيماً. فبالقوة قد يتعلم أن يخاف، وبالاحتواء يتعلم أن يعيش. وبالعقاب وحده قد يتعلم كيف يتجنب الخطأ، وبالحب يتعلم لماذا يجب أن يكون أفضل. وحين ينكسر العالم حول طفل، فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه له ليس درساً في الطاعة، بل وعداً صامتاً بأننا سنبقى، وأن “البيت” الذي فقده لن يختفي تماماً، لأن هناك قلباً آخر سيحاول أن يعيد بناءه من جديد.
كاتبة لبنانية



