مقالات

الاستبداد الترامبي يقوّض النظام العالمي ومنظومة حقوق الإنسان في خطر مُحدق!  بقلم نعمت بيان

 بقلم نعمت بيان

الاستبداد الترامبي يقوّض النظام العالمي ومنظومة حقوق الإنسان في خطر مُحدق!
 بقلم نعمت بيان
9/4/2026
لم تشهد منظومة حقوق الإنسان منذ تأسيس إعلانها العالمي في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948 ، ولا كافة المنظمات القانونية والحقوقية الدولية واللجان الأممية التي أنشأت لاحقا” انتهاكا” صارخا” كالذي تشهده اليوم في العهد الترامبي في ولايته الثانية (2025). فالمنظومة الدولية وحقوق الإنسان التي تأسست كاستجابة لتداعيات الحرب العالمية الثانية لضمان الحقوق الأساسية دوليا”، تتعرض اليوم لانتهاكا” صارخا “في عهد دونالد ترامب وإدارته، وذلك من خلال هزّ ركائز الديمقراطية، وتجاوز القوانين والأعراف الدولية.
فقد بدأ ترامب ولايته الثانية بإجراءات ومهمات خارجة كليا” ليس فقط عن نصوص الدستور الأميركي، بل أيضا”، عن المواثيق والقوانين الدولية التي تنظم العلاقة بين الدول وتحمي حقوق الإنسان المنصوص عليها في كافة القوانين الدولية والاتفاقيات الأممية. فقد أعلن عن انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من 66 منظمة أممية، من بينها 35 كيانا” تابع للأمم المتحدة، مما سبب تداعيات كبيرة على برامج وخطط هذه الهيئات، ويعمل على نشر خطاب الكراهية العنصري، وتهديدات لمنظمات حقوقية ومناخية واعتداءات على دول ذات سيادة دون أي تفويض، لا من مجلس الأمن ولا حتى من الكونغرس الاميركي. فقد أطاح ترامب برئيس فنزويلا وتم اعتقاله مع زوجته ونقلهما الى الولايات المتحدة الأميركية، وتعهد بسيطرته على الاحتياط النفطي الفنزويلي، ووجه تهديدات فظة إلى المكسيك وكولومبيا وكوبا، وهدد أو بالأحرى طالب بالسيطرة على جزيرة غرينلاند التي تعود ملكيتها للدانمارك، كما هدد بضم كندا وجعلها الولاية الـ 51 للولايات المتحدة الأميركية، وهدد باسترداد قناة بنما ، وسبحة التهديد والوعيد تكرّ دون أي اعتبار للتداعيات الخطيرة لهذه الإجراءات مجتمعة، والمُتسمة بجنون العظمة وفائض القوة، والتي ستؤدي بطبيعة الحال إلى تآكل النظام الدولي، وسيادة منطق القوة والبطش مقابل تراجع مبدأ الديمقراطيات ، مما يجعل العالم يعيش في اضطراب وفوضى (اقتصادية وامنية وسياسية..).
هذا وقد أصدرت العديد من المنظمات الأممية تقارير تبين عواقب سياسات الرئيس الاميركي ليس على النظام العالمي فحسب، بل على منظومة حقوق الإنسان بأكملها، وحتى على الداخل الأميركي. ومنها منظمة هيومن رايتس ووتش التي أصدرت تقريرها العالمي (2026)، كمراجعة سنوية لحقوق الإنسان في العالم، تحت عنوان: “هل ستنجو حقوق الإنسان في عالم ترامب؟” والتي وصفت الوضع بالقاتم.
التقرير يرى أن منظومة حقوق الإنسان العالمية في خطر مُحدق،” وإن نتيجة الضغط المستمر من الرئيس ترامب ، يتعرض النظام الدولي القائم على القواعد والقوانين للسحق. وفي هذا السياق يمكن اعتبار العام 2025 نقطة تحول، حيث في وقت وجيز شنّت إدارة ترامب في ولايته الثانية هجوما واسعا” على الركائز الأساسية للديمقراطية الأميركية والنظام العالم العالمي القائم على القواعد”، وهو النظام الذي ساهمت في ارسائه الولايات المتحدة الأميركية. كم قوضت إدارة ترامب الثقة في قدسية الانتخابات وقلصت مساءلة الحكومة والمساعدات الغذائية وإعانات الرعاية الصحية، وتحدت أوامر المحاكم، وهاجمت استقلال القضاء، وتراجعت حقوق المرأة، وعاقبت على حرية التعبير ، واستخدمت سلطة الحكومة لترهيب المعارضين السياسيين ووسائل الإعلام وشركات المحاماة والجامعات والمجتمع المدني …”.
ويبين التقرير ” إن عبر ادعاء وجود خطر “محو حضاري” في أوروبا واعتمادا” على قوالب نمطية عنصرية لتصوير شعوب بأكملها على أنها غير مرحب بها في الولايات المتحدة، تبنت إدارة ترامب سياسات وخطابا” يتماشى مع أيديولوجية القومية البيضاء، حيث يتعرض المهاجرون وطالبو اللجوء لظروف غير انسانية. ورغم أنه لا يحق لترامب ولإدارته حرمان طالبي اللجوء من الإجراءات القانونية ، أو إساءة معاملة المهاجرين غير المسجلين أو التمييز القانوني، حسب ما تنص عليه التشريعات الدستورية أو القانون الدولي لحقوق الإنسان، إلا أن إدراة ترامب تجاوزت هذه القوانين مرارا”. فحسب تقرير هيومن رايتس ووتش، لم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، فقد استخدمت إدراة ترامب قانونا” يعود إلى عام 1798 لإرسال مئات المهاجرين الفنزويليين إلى سجن سيء الصيت في السلفادور، حيث تعرضوا للتعذيب ولأبشع الانتهاكات. ( قانون 1798 المعروف بقانون الأعداء الأجانب، هو تشريع أميركي يمنح رئيس الولايات المتحدة الأميركية سلطة واسعة لاعتقال وترحيل رعايا الدول المعادية خلال أوقات الحرب، وقد سُنّ هذا القانون ضمن “قوانين الأجانب والتحريض”، وهو القانون الوحيد الذي ما يزال ساريا”، حيث استخدمه ترامب مؤخرا” كأداة لترحيل المهاجرين ).
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شن ترامب حرب شعواء على أوروبا ودول الاتحاد الأوروبي لعدم مجاراتها لسياساته الفوضوية، مما دفع الرئيس الالماني فرانك والتر شتاينمار إلى توجيه انتقادا” شديد اللهجة وغير مسبوق للولايات المتحدة الأميركية في عهد ترامب محذرا” من انهيار القيم وتحول النظام العالمي إلى “وكر لصوص”. وأيضا” بريطانيا لها حصة من استياء ترامب على خلفية رفض رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر مشاركة أميركا في العديد من المهمات واهمها عدم المشاركة في الحرب الاميركية – الإيرانية، مما حدا بالرئيس الأميركي بالتعبير عن خيبة أمله من موقف المملكة المتحدة. ومثلها الموقف الفرنسي والاسباني. وحتى حلف الشمال الأطلسي لم يسلم من صلافة ترامب الذي وصف حلف الناتو بـ “نمر من ورق، وانهم جبناء”، لعدم مشاركة دول الحلف في الحرب الذي شنتها الولايات المتحدة الأميركية على إيران، على اعتبار إن هذه الحرب ليست حربهم، مستفيدين من تجربة حرب العراق وتورطهم بها، والتي ثبت لاحقا” كذب الادعاءات الأميركية بشأن شن هذه الحرب، والتي ما تزال المنطقة تعاني تداعياتها حتى اليوم على المستويين ، الوطني والقومي.
وفي نفس السياق، شكل دعم الولايات المتحدة الأميركية اللامتناهي للكيان الصهيوني ولحرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة واستفحال اعتداءات وانتهاكات المستوطنين في الضفة، وتهديد رئيس المحكمة الدولية الذي طالب باعتقال نتنياهو واحالته للمحاسبة على جرائمه المروّعة، انتهاكا” فاضحا” وصارخا” للقوانين الدولية وللمحاكم الدولية . كما ان ترامب أراد أن يُهجر أهالي غزّة لجعلها “ريفييرا الشرق الأوسط” خالية من الفلسطينيين، وهو ما يُعتبر بمثابة تطهير عرقي. هذا ولم تنجح خطته للسلام المكونة من 20 نقطة من إحلال السلام في غزة، بل فاقمت من تدهور الأوضاع الانسانية في ظل استمرار الكيان الصهيوني بقصف المدنيين وهدم منازلهم دون أي رادع، والمترافق مع عدوان همجي على لبنان الذي يدمر البشر والحجر وبضوء أخضر أميركي، بغض النظر عن المبررات والمسببات.
نختم بالقول أنه مرّ على الولايات المتحدة الأميركية 46 رئيسا”، وترامب الرقم 47 في ولايته الثانية، ورغم أن العديد من الرؤساء السابقين لم يكونوا أفضل من ترامب خاصة فترة ولاية جورج دبليو بوش ، الذين حشدوا العالم لشن حرب على العراق واحتلاله، وما ترك هذا العدوان من تداعيات على المنطقة العربية بمجملها، إلا أنه لم يصل الأمر مع أي رئيس سابق ان تجاوز الدستور الأميركي والأعراف القانونية الدولية بشكل سافر وفاضح كالذي نشهده اليوم في عهد ترامب، التي تستباح فيه كل المعايير الأخلاقية ، بدءا” من منطقة الشرق الأوسط، مرورا” بأوروبا ولا تنتهي عند حدود أميركا اللاتينية.
إن سياسة ترامب وادارته التي يحكمها منطق القوة والغطرسة والعنجهية والأطماع بالسيطرة على ثروات العالم، واستخفافه بالقوانين الدولية، واعتماده اسلوب التهديد والوعيد ضد دول حليفة، سيؤدي إلى تقويض النظام العالمي الذي ساهم في تأسيسه رؤساء أميركيين سابقين، ليأتي ترامب اليوم ويهدم المعبد على رؤوس الجميع، ويضع المنظومة الدولية بمجملها تحت مقصلة الاستبداد والإلغاء وتبديد كل القيم الديمقراطية والاخلاقية والانسانية.
فهل سينجو العالم من هذا الانقضاض على القيم والقوانين ؟ هذا يعتمد على قدرة وارادة القوى الأخرى على مواجهة هذا الاستبداد ولجمه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب