فرنسا: تقرير برلماني يشعل الجدل حول مستقبل الإعلام العمومي

فرنسا: تقرير برلماني يشعل الجدل حول مستقبل الإعلام العمومي
باريس-
في فرنسا، يثير نشر ما بات يُعرف بتقرير Charles Alloncle (شارل ألونكل)، نسبة إلى اسم البرلماني الذي قدمه، حول إصلاح الإعلام العمومي في فرنسا موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، معيدا فتح نقاش عميق حول مستقبل هذا القطاع الحيوي ودوره في المشهد الديمقراطي.
تم اعتماد التقرير بفارق ضئيل من الأصوات، ما يعكس حجم الخلافات حول مضمونه وتوجهاته. وقد حظي باهتمام جماهيري كبير فور نشره يوم الـ 5 مايو/أيار الجاري، حيث شهد موقع الجمعية الوطنية ضغطا غير مسبوق نتيجة كثافة الاطلاع عليه.
انبثق التقرير عن لجنة تحقيق داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، في ختام أعمال استمرت ستة أشهر، خصصت لدراسة “حياد، وعمل، وتمويل” المؤسسات السمعية البصرية العمومية في البلاد. وقد اتسمت أجواء الجلسات بالتوتر والانقسام الحاد بين مختلف الأطراف، بما في ذلك النواب والخبراء والمسؤولون الإعلاميون الذين تم الاستماع إليهم.
انبثق التقرير عن لجنة تحقيق داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، في ختام أعمال استمرت ستة أشهر، خصصت لدراسة “حياد، وعمل، وتمويل” المؤسسات السمعية البصرية العمومية في البلاد
حمل التقرير طابعا سياسيا واضحا، لا سيما أن صاحبه شارل ألونكل ينتمي إلى حزب UDR اليميني المتشدد بزعامة إريك سيوتي، حليف حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان وجوردان بارديلا. ويدعو هذا التيار اليميني المتشدد إلى تقليص دور الدولة في الإعلام.
سعى شارل ألونكل من خلال تقريره المثير للجدل إلى تقديم تصور شامل لما يعتبره “إصلاحا ضروريا” لإنقاذ الإعلام العمومي في فرنسا، مقدما جملة مقترحات وإجراءات ضمن 69 توصية، أبرزها تقليص ميزانية الإعلام العمومي بنحو مليار يورو من أصل حوالي 4 مليارات، وهو ما يمثل خفضا كبيرا في التمويل.
لتحقيق ذلك، يقترح النائب البرلماني سلسلة من الإجراءات الهيكلية، من بينها دمج قناتي France 2 وFrance 5 الرئيسيتين في قناة عامة واحدة، وتوحيد القنوات الإخبارية مثل Franceinfo وFrance 24، وإلغاء قنوات ومنصات موجهة للشباب مثل France 4 ومنصة Slash، بالإضافة إلى إذاعة Mouv.
يضاف إلى ذلك تقليص ميزانيات البرامج الرياضية والترفيهية بشكل كبير، ودمج بعض المؤسسات، بما في ذلك الفرق الموسيقية التابعة لـ Radio France، وإعادة سلطة تعيين قيادات الإعلام العمومي إلى رئيس الجمهورية بعد أن كانت تخضع لهيئات مستقلة.
يبرر التقرير هذه الإجراءات بضرورة تحقيق وفورات مالية تستخدم جزئيا في صيانة التراث الثقافي، وجزئيا في خفض الدين العام.
يواجه التقرير سيلا من الانتقادات الحادة من مختلف الجهات، سواء داخل الحكومة أو من مسؤولي المؤسسات الإعلامية العمومية، بل وحتى داخل اللجنة البرلمانية المعنية به. فقد وصف رئيس اللجنة جيريمي باترييه-ليتوس التقرير بأنه “فشل سياسي”، معتبرا أنه لم يحقق توافقا بين مختلف القوى، ولم ينجح في إقناع حتى حلفائه الطبيعيين.
أما رئيسة مجموعة France Télévisions، دلفين إرنو كونسي، فقد اعتبرت أن التوصيات المقدمة قد تؤدي إلى “أكبر خطة تسريح جماعي في تاريخ القطاع الثقافي الفرنسي”، محذرة من تأثير ذلك على الإنتاج الثقافي واستقلالية الإعلام.
بدورها، عبرت نقابات إعلامية ومنظمات ثقافية عن مخاوفها من أن تؤدي بعض المقترحات، خاصة تلك المتعلقة بتعيين القيادات، إلى تقويض استقلالية الإعلام العمومي وإعادته إلى نماذج مركزية خاضعة للسلطة التنفيذية.
أوضح خبراء ومؤسسات رقابية أن بعض الأرقام التي استند إليها التقرير “مبالغ فيها أو خارج سياقها”، مشيرين إلى أن بعض إجراءات خفض التكاليف قد لا تؤدي، مثلا، إلى تحقيق وفورات فعلية، بل ربما تتسبب بخسائر
في حين أوضح خبراء ومؤسسات رقابية أن بعض الأرقام التي استند إليها التقرير “مبالغ فيها أو خارج سياقها”، مشيرين إلى أن بعض إجراءات خفض التكاليف قد لا تؤدي، مثلا، إلى تحقيق وفورات فعلية، بل ربما تتسبب بخسائر، لا سيما في ما يتعلق بالبرامج الترفيهية التي تمثل مصدرا مهما للإيرادات الإعلانية.
على الصعيد السياسي، انتقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو التقرير، قائلا إنه “فرصة ضائعة” لطرح رؤية استراتيجية متكاملة لمستقبل الإعلام العمومي، لا سيما في ظل التحديات المرتبطة بالمنافسة الرقمية وانتشار المعلومات المضللة. وشدد على أن الإصلاحات ضرورية، وعلى أن الحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه.
حزب MoDem اليميني الوسيط أعلن إعداد مقترحات بديلة، مشددا على أن الإعلام والثقافة سيكونان محورا مهما في الحملة الانتخابية المقبلة.
يتعامل حزب الجمهوريين (LR) اليميني المحافظ بحذر مع التقرير، إذ يرفض خصخصة الإعلام العمومي، لكنه يدعو في الوقت نفسه إلى إصلاحات وعدم الجمود. ويرى بعض أعضائه أن التقرير متأخر ويركز على نموذج تلفزيوني تقليدي لم يعد مهيمنا، كما يسعى الحزب إلى إعداد تصوراته الخاصة، خاصة مع احتمال خوض رئيسه برونو روتايو السباق الرئاسي بعد نحو عام.
أما أحزاب اليسار فترفض التقرير بشدة، معتبرة أنه يمهد لإضعاف الإعلام العمومي، محذرة من “رقابة ذاتية” داخل المؤسسات الإعلامية، وتفضل التركيز على قضايا أخرى مثل تركز وسائل الإعلام في أيدي عدد محدود من المالكين.
في ظل التحضيرات غير المباشرة للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة لعام 2027، يثير التقرير نقاشا سياسيا واسعا، مع تساؤلات حول مدى تأثيره على برامج المرشحين المقبلين. ويبقى تأثير التقرير نفسه معتمدا على ما إذا كانت الحكومة ستنفذ إصلاحات فعلية قبل 2027، أو تترك المجال لتحويله إلى ورقة انتخابية بيد المرشحين.
“القدس العربي”:




