الثقافة الوطنية بين الأمس واليوم… حين تتراجع قيم التحرر أمام ثقافة الامتيازات

الثقافة الوطنية بين الأمس واليوم… حين تتراجع قيم التحرر أمام ثقافة الامتيازات
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
شكّلت حركات التحرر الوطني العربية والدولية عبر التاريخ نماذج استثنائية في التضحية والانضباط والإيمان العميق بالقضية الوطنية، حيث ارتبطت القيادة فيها بمعاني الفداء وتحمل المسؤولية والمواجهة المباشرة مع الاحتلال أو الاستعمار أو أنظمة التمييز والعنصرية. ولم تكن المواقع القيادية في تلك الحركات امتيازًا شخصيًا أو بوابةً للمكانة الاجتماعية، بل كانت عبئًا ثقيلًا ومسؤوليةً وطنية تُحمّل أصحابها أثمانًا باهظة، تبدأ بالملاحقة وتنتهي غالبًا بالشهادة أو السجن أو المنفى.
في التجربة الفلسطينية، لم تكن حركة فتح عند انطلاقتها مشروع سلطة أو نفوذ، بل مشروع تحرر وطني حمله رجال آمنوا بأن فلسطين تستحق التضحية. وكان الانتماء إلى المواقع القيادية في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري يعني عمليًا الدخول في دائرة الاستهداف المباشر. ولذلك ارتقى عدد كبير من قادة الحركة شهداء، وفي مقدمتهم ياسر عرفات، وخليل الوزير، وصلاح خلف، وهايل عبد الحميد “أبو الهول”، وأبو علي إياد، وسعد صايل، وكمال عدوان، وكمال ناصر، ومحمد يوسف النجار وغيرهم ممن صنعوا تاريخ الثورة الفلسطينية بالتضحية لا بالامتيازات.
الأمر ذاته ينطبق على جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي خاض قادتها حرب تحرير قاسية ضد الاستعمار الفرنسي، حيث كان القائد الثوري يعيش بين الجبال والمطاردة وأحكام الإعدام، لا في دوائر الامتيازات والمكاسب. وكذلك تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي في مواجهة نظام الفصل العنصري، حين قضى نيلسون مانديلا ورفاقه سنوات طويلة في السجون دفاعًا عن حرية شعبهم، بينما قدمت تجربة الفيتكونغ نموذجًا آخر للقيادة التي التحمت مع الشعب في الخنادق والأنفاق والغابات، ولم تفصل نفسها يومًا عن معاناة الناس وآلامهم.
لقد كانت الثقافة الوطنية في تلك التجارب تقوم على مبدأ جوهري: “القائد في خدمة القضية”، وليس “القضية في خدمة القائد”. وكانت قيمة المناضل تُقاس بحجم تضحياته والتزامه الوطني، لا بحجم نفوذه أو امتيازاته أو حضوره الإعلامي.
غير أن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم العربي، ومعها تحولات النظام السياسي الفلسطيني، أدت تدريجيًا إلى تراجع كثير من مفاهيم الثقافة الوطنية التحررية، لصالح ثقافة جديدة قائمة على الامتيازات الشخصية والمصالح الفئوية والبيروقراطية السياسية. وأصبح الوصول إلى بعض المواقع القيادية يُنظر إليه أحيانًا باعتباره مكسبًا اجتماعيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا، بدل أن يبقى تكليفًا وطنيًا ومسؤولية أخلاقية أمام الشعب.
إن أخطر ما يواجه حركات التحرر ليس فقط الاحتلال أو الضغوط الخارجية، بل فقدانها لروحها الأولى ولثقافتها الوطنية المؤسسة على التضحية والانتماء الجمعي. فحين تتحول المواقع القيادية إلى مراكز امتياز، تتآكل تدريجيًا العلاقة بين القيادة والجمهور، وتضعف ثقة الناس بالمشروع الوطني ذاته.
كما أن انتشار ثقافة الاستعراض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وما يرافقها من مبالغات في التهاني والاحتفاء بالمناصب، يعكس انتقالًا مقلقًا من ثقافة “المناضل” إلى ثقافة “النجم”، ومن مفهوم “التكليف الوطني” إلى مفهوم “المكانة الاجتماعية”. وهي تحولات تستدعي مراجعة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لقيم الكفاح والنزاهة والعمل الميداني والتواضع الثوري.
إن استعادة الثقافة الوطنية الحقيقية لا تعني العودة إلى الماضي بقدر ما تعني استعادة جوهر المشروع التحرري القائم على الشراكة الوطنية والعدالة والتضحية وربط القيادة بمعاناة الناس وتطلعاتهم، لا بعالم الامتيازات والحسابات الشخصية.
فالشعوب لا تصنع حريتها بالشعارات وحدها، ولا بالمظاهر والاحتفالات، بل بقيادات تؤمن أن المنصب مسؤولية، وأن الوطنية ليست امتيازًا بل التزامًا أخلاقيًا وتاريخيًا تجاه الوطن والإنسان.



