فلسطين
انهيار قطاع الدواجن والزراعة في فلسطين… المزارع يئن تحت وطأة الخسائر وغياب الدعم الرسمي

انهيار قطاع الدواجن والزراعة في فلسطين… المزارع يئن تحت وطأة الخسائر وغياب الدعم الرسمي
تقرير وتحليل:صحيفة صوت العروبة
يمر القطاع الزراعي الفلسطيني، وفي مقدمته قطاع الدواجن، بواحدة من أخطر الأزمات التي شهدها منذ عقود، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، وتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والانكماش الاقتصادي غير المسبوق، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وغياب السياسات الحكومية الفاعلة لتنظيم الأسواق وحماية المنتج الوطني.
ولم تعد الأزمة مجرد انخفاض مؤقت في الأسعار، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تهدد بانهيار أحد أهم القطاعات الإنتاجية التي تشكل ركناً أساسياً من أركان الأمن الغذائي الفلسطيني، وتوفر مصدر دخل لآلاف الأسر العاملة في الريف الفلسطيني.
تشير المعطيات الميدانية إلى وجود اختلال واضح بين حجم الإنتاج وحجم الطلب، حيث أدى إدخال كميات كبيرة من بيض التفريخ والصيصان خلال الأشهر الماضية دون تخطيط دقيق إلى فائض كبير في الإنتاج، في الوقت الذي تراجعت فيه القدرة الشرائية للمواطنين بصورة حادة نتيجة ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الدخول، وتداعيات الحرب المستمرة.
ووفق تصريحات المدير التنفيذي لاتحاد جمعيات المزارعين عباس ملحم، فإن أسعار الدجاج اللاحم انخفضت إلى نحو (8–8.5) شيكل للكيلوغرام من باب المزرعة، بينما تتجاوز تكلفة الإنتاج هذا السعر، الأمر الذي يدفع المزارعين للبيع بخسائر مباشرة. كما يواجه قطاع إنتاج البيض خسائر أكبر، حيث تقل أسعار البيع بصورة كبيرة عن تكلفة الإنتاج، وهو ما أدى إلى تراكم الديون على المزارعين لصالح موردي الأعلاف والصيصان والأدوية البيطرية.
قطاع استراتيجي يواجه خطر الانهيار
يعد قطاع الدواجن من أهم القطاعات الزراعية في فلسطين، إذ يوفر نسبة كبيرة من احتياجات السوق المحلي من اللحوم البيضاء والبيض، ويشكل مصدر رزق مباشر وغير مباشر لعشرات آلاف العاملين في التربية والإنتاج والنقل والتسويق والصناعات المرتبطة به.
إلا أن استمرار الخسائر يدفع أعداداً متزايدة من المربين إلى إغلاق مزارعهم أو تقليص الإنتاج، وهو ما يهدد بخروج المنتجين الصغار من السوق، وبقاء الإنتاج محصوراً في عدد محدود من كبار المستثمرين، الأمر الذي قد يؤدي لاحقاً إلى اضطرابات في الأسعار والإنتاج.
الاحتلال وسياسات الإغلاق
لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن السياسات الإسرائيلية التي تستهدف الاقتصاد الفلسطيني بصورة عامة والقطاع الزراعي بصورة خاصة، فمنذ سنوات يواجه المزارعون قيوداً على حركة البضائع، وصعوبات في تصدير المنتجات الزراعية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل، وإغلاق المعابر، ومنع الوصول إلى كثير من الأراضي الزراعية، فضلاً عن القيود المفروضة على استيراد بعض مستلزمات الإنتاج.
كما أدى توقف تسويق البيض إلى الأسواق داخل الخط الأخضر إلى زيادة فائض الإنتاج داخل السوق الفلسطينية، وهو ما عمّق أزمة الأسعار.
الأزمة الاقتصادية وتراجع الطلب
تشهد الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على غزة ركوداً اقتصادياً واسعاً نتيجة فقدان عشرات آلاف العمال الفلسطينيين وظائفهم داخل إسرائيل، إلى جانب تراجع النشاط التجاري والاستثماري، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الاستهلاك المحلي.
هذا الانخفاض في الطلب ترافق مع زيادة الإنتاج، فكانت النتيجة انهياراً في الأسعار وخسائر متواصلة يتحملها المنتج الفلسطيني وحده.
غياب التخطيط الزراعي
تكشف الأزمة عن خلل واضح في إدارة القطاع الزراعي، يتمثل في غياب قواعد بيانات دقيقة لحجم الإنتاج والاستهلاك، وعدم وجود نظام فعال لتنظيم إدخال الصيصان وبيض التفريخ، وغياب المجالس الزراعية المتخصصة القادرة على ضبط السوق وتحقيق التوازن بين العرض والطلب.
كما أن غياب نظام وطني للإنذار المبكر يحرم المزارعين من المعلومات التي تساعدهم على اتخاذ قرارات إنتاجية سليمة.
الأمن الغذائي في دائرة الخطر
لا تمثل أزمة الدواجن قضية اقتصادية فحسب، بل ترتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن الغذائي الفلسطيني، فالاعتماد على المنتج المحلي يشكل أحد أهم عناصر الصمود الوطني في مواجهة الاحتلال.
إن انهيار المنتج المحلي سيزيد الاعتماد على الواردات الخارجية، ويجعل السوق الفلسطينية أكثر عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية، ويقوض قدرة فلسطين على تحقيق الحد الأدنى من السيادة الغذائية.
المسؤولية القانونية والوطنية
ينص القانون الأساسي الفلسطيني على التزام السلطة الوطنية بحماية الاقتصاد الوطني وتشجيع الاستثمار والإنتاج، كما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حق الإنسان في الغذاء والعمل والتنمية، وهو ما يفرض على الجهات المختصة مسؤولية وضع سياسات عاجلة لحماية القطاع الزراعي.
كما أن استمرار الأوضاع الحالية دون تدخل يهدد استدامة التنمية الريفية ويزيد من نسب الفقر والبطالة والهجرة الداخلية من الريف إلى المدن.
خطة إنقاذ وطنية
إن معالجة الأزمة تتطلب إطلاق برنامج وطني متكامل يشمل:
إنشاء صندوق وطني لتعويض المزارعين عن الخسائر الطارئة.
توفير قروض ميسرة وتأجيل الديون المستحقة على المزارعين.
تقديم دعم مباشر للأعلاف والأدوية البيطرية والطاقة.
تنظيم إدخال الصيصان وبيض التفريخ وفق احتياجات السوق.
الإسراع في إقرار قانون المجالس الزراعية وتفعيل مجلس قطاع الدواجن.
فتح أسواق خارجية جديدة للمنتجات الفلسطينية، والضغط لرفع القيود المفروضة على التصدير.
تعزيز الصناعات الغذائية القائمة على منتجات الدواجن لاستيعاب فائض الإنتاج.
حماية المنتج الوطني من المنافسة غير المتكافئة مع الواردات.
خاتمة
إن أزمة قطاع الدواجن ليست أزمة أسعار عابرة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة على حماية أحد أهم القطاعات الإنتاجية الفلسطينية. فالمزارع الفلسطيني لم يعد يواجه الاحتلال وحده، بل يواجه أيضاً غياب التخطيط، وضعف الحماية الاقتصادية، وتراكم الخسائر التي تهدد بإخراجه من دائرة الإنتاج.

إن إنقاذ القطاع الزراعي لم يعد خياراً اقتصادياً فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية، لأن الحفاظ على الأرض يبدأ بالحفاظ على المزارع، وحماية الأمن الغذائي تبدأ بحماية المنتج الوطني، وتعزيز الصمود الفلسطيني لا يتحقق بالشعارات، وإنما بسياسات اقتصادية وتنموية قادرة على تحويل الزراعة إلى ركيزة أساسية من ركائز الاستقلال الاقتصادي والسيادة الوطنية.




