فلسطين
رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس الوزراء الفلسطيني وأعضاء مجلس الوزراء المحترمين

رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس الوزراء الفلسطيني وأعضاء مجلس الوزراء المحترمين
طولكرم تستغيث… والزيارات الحكومية بحاجة إلى ترجمة عملية يلمسها المواطن
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
محامٍ وباحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
دولة رئيس الوزراء الفلسطيني المحترم،
أصحاب المعالي أعضاء مجلس الوزراء المحترمون،

تحية الوطن وبعد،
نتوجه إليكم بهذه الرسالة انطلاقًا من المسؤولية الوطنية، وإيمانًا بأن الحكومة تتحمل مسؤولية دستورية وأخلاقية في حماية المواطن وتعزيز صموده، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها محافظة طولكرم، التي أصبحت تواجه أزمة مركبة لم تعد تقتصر على التداعيات الأمنية للاحتلال الإسرائيلي، بل امتدت لتشمل مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، الأمر الذي ينذر بعواقب خطيرة إذا لم يتم التعامل معه برؤية وطنية شاملة وإجراءات حكومية عاجلة.
لقد دفعت محافظة طولكرم، بمخيميها وريفها ومدينتها، ثمنًا باهظًا نتيجة العدوان الإسرائيلي المتواصل، وما رافقه من حصار واقتحامات وتدمير للبنية التحتية وتعطيل للحياة الاقتصادية. واليوم، يعيش المواطن بين مطرقة الاحتلال وسندان الأزمات الاقتصادية الداخلية، في ظل ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والفقر، وتراجع القدرة الشرائية، وإغلاق مئات المنشآت التجارية والورش الصناعية، وتوقف العديد من الأنشطة الاقتصادية التي كانت تشكل مصدر رزق لآلاف الأسر.
كما أن استمرار الخصومات القسرية على رواتب الموظفين، واقتطاع أقساط القروض دون مراعاة الحد الأدنى اللازم للمعيشة، إضافة إلى القيود التي تواجه التجار في إدارة حساباتهم المصرفية، أدى إلى تفاقم أزمة السيولة وشل الحركة الاقتصادية، وأصبح آلاف المواطنين عاجزين عن توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء والتعليم والسكن.
ولا تقف الأزمة عند هذا الحد، فالمزارعون ومربو الثروة الحيوانية يواجهون خسائر متراكمة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض القدرة على التسويق، بينما يعاني أصحاب مركبات النقل من ارتفاع أسعار المحروقات والرسوم، وتكابد المشاريع الصغيرة والمتوسطة خطر الإفلاس، في وقت يزداد فيه عدد العاطلين عن العمل وتتسع دائرة الفقر والعوز.
وتزداد الصورة قتامة مع استمرار معاناة الأسر المهجرة قسرًا من مخيمي طولكرم ونور شمس، والتي تعيش أوضاعًا إنسانية صعبة، حيث أصبح كثير منها عاجزًا عن دفع إيجارات المنازل أو تأمين متطلبات الحياة الأساسية، في ظل محدودية برامج الدعم والإغاثة. كما يواجه القطاع الصحي نقصًا في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتتعرض المؤسسات التعليمية لضغوط مالية متزايدة، وفي مقدمتها جامعة فلسطين التقنية – خضوري، التي تؤدي دورًا وطنيًا وأكاديميًا رائدًا، الأمر الذي يستوجب توفير كل أشكال الدعم لضمان استمرار رسالتها، إلى جانب تعزيز التعليم المهني والتقني لتأهيل الكفاءات الوطنية وتلبية احتياجات سوق العمل.
دولة الرئيس،
لقد شهدت محافظة طولكرم خلال الأشهر الماضية زيارات حكومية متكررة ولقاءات ميدانية مع المسؤولين، وهي محل تقدير واحترام، لأنها تعكس اهتمامًا رسميًا بالمحافظة وبمعاناة أبنائها. غير أن المواطن اليوم لم يعد يبحث عن المزيد من الزيارات أو التصريحات، بل ينتظر أن تتحول تلك الزيارات إلى قرارات تنفيذية، وبرامج عمل، واعتمادات مالية، ومشاريع تنموية، يشعر بنتائجها في حياته اليومية، ويستعيد من خلالها ثقته بأن مؤسسات دولته قادرة على الوقوف إلى جانبه في أصعب الظروف.
وانطلاقًا من ذلك، فإن المرحلة الراهنة تستوجب إطلاق خطة إنقاذ اقتصادية واجتماعية وطنية خاصة بمحافظة طولكرم، تكون جزءًا من رؤية حكومية شاملة لدعم المحافظات المتضررة، وتستند إلى شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.
كما نطالب بإعادة جدولة ديون المواطنين بما يتناسب مع أوضاعهم المعيشية، وبما يحفظ كرامتهم الإنسانية، والتنسيق مع سلطة النقد والجهاز المصرفي لإعادة هيكلة خصومات القروض، بحيث يبقى للموظف حد أدنى من الراتب يكفل له ولأسرته حياة كريمة، مع تسهيل الإجراءات المصرفية للتجار وتعزيز السيولة في الأسواق بما يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد.
ونؤكد كذلك ضرورة إطلاق برامج دعم مباشرة للمزارعين، ومربي الثروة الحيوانية، وقطاع النقل، والمنشآت التجارية والصناعية الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها القطاعات الأكثر تضررًا والأكثر قدرة على خلق فرص العمل إذا ما توفرت لها مقومات الصمود والاستمرار.
كما ندعو إلى توفير برامج إغاثة عاجلة ومستدامة للأسر الفقيرة والعاطلين عن العمل والمهجرين قسرًا، وتأمين بدل الإيجارات والمساعدات الإنسانية لهم، إلى جانب تخصيص موازنات عاجلة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتنفيذ مشاريع تنموية واستثمارية توفر فرص عمل وتحرك الاقتصاد المحلي.
ولا بد كذلك من تعزيز مخصصات القطاع الصحي وتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، وضمان استمرار الخدمات الصحية، ودعم قطاع التعليم العالي، وفي مقدمته جامعة فلسطين التقنية – خضوري، وتعزيز برامج التعليم والتدريب المهني والتقني بما ينسجم مع احتياجات التنمية وسوق العمل الفلسطيني.
كما نقترح تشكيل لجنة أزمة وطنية تضم ممثلين عن الحكومة، وسلطة النقد، والقطاع الخاص، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، والخبراء الاقتصاديين، تتولى متابعة تطورات الأزمة ووضع حلول عملية قابلة للتنفيذ، بالتوازي مع إطلاق حوار اقتصادي وطني شامل يفضي إلى رؤية استراتيجية تعزز الاقتصاد الوطني، وتدعم الإنتاج، وتوفر شبكات حماية اجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
دولة الرئيس،
إن محافظة طولكرم لا تطلب امتيازات خاصة، وإنما تطالب بحقها الطبيعي في التنمية والحياة الكريمة، وبأن تحظى بالاهتمام الذي يوازي حجم تضحياتها وصمودها. فالمواطن يريد أن يرى نتائج الزيارات الحكومية على أرض الواقع، وأن يشعر بأن الحكومة شريك حقيقي في مواجهة معاناته، لا مجرد متابع لها.
ختامًا، فإننا نؤمن بأن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها وتعزيز صمودهم، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في الأرقام أو الخطط النظرية، بل في الإنسان الفلسطيني وكرامته واستقراره. وإن محافظة طولكرم، بما قدمته من تضحيات، تستحق أن تكون في مقدمة الأولويات الوطنية، وأن تتحول الزيارات الرسمية إليها من رسائل تضامن إلى قرارات شجاعة، ومشاريع تنموية، وخطط إنقاذ اقتصادية واجتماعية يلمسها المواطن في بيته، ومدرسته، ومستشفاه، وسوقه، ومزرعته.
فالتاريخ لا يخلّد كثرة الزيارات، بل يخلّد القرارات التي تصنع الفارق، والإجراءات التي تعيد الأمل للناس، والسياسات التي تعزز صمودهم على أرضهم. واليوم، تقف الحكومة أمام مسؤولية وطنية تستوجب الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الإنجاز، لأن إنقاذ طولكرم ليس مسؤولية محلية فحسب، بل هو استثمار في صمود فلسطين كلها، ورسالة تؤكد أن الدولة تقف إلى جانب مواطنيها بالفعل قبل القول، وبالعمل قبل الوعد.



