منوعات

منتزه المنشية في طولكرم… ذاكرة المكان تستعيد عبق السرو والصنوبر وتروي حكاية مدينة

منتزه المنشية في طولكرم… ذاكرة المكان تستعيد عبق السرو والصنوبر وتروي حكاية مدينة
إعداد: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري
لم يكن منتزه المنشية في مدينة طولكرم مجرد حديقة عامة أو مساحة خضراء يقصدها المواطنون للاستراحة، بل كان على امتداد عقود طويلة جزءاً أصيلاً من ذاكرة المدينة وهويتها البيئية والاجتماعية والثقافية. فقد شكّل، منذ أربعينيات القرن الماضي مروراً بالخمسينيات والستينيات، لوحة طبيعية فريدة تتزين بأشجار السرو والصنوبر الباسقة، وتستقطب العائلات وطلاب المدارس وزوار المدينة، حتى أصبح أحد أبرز المعالم التي ارتبطت في وجدان أبناء طولكرم بذكريات الطفولة وجمال المكان.

قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏‎FajerTV 10000 ARCHIVE‎‏'‏

وكانت منطقة المنشية، الواقعة إلى الغرب من مدينة طولكرم، تتميز بخصوبة أرضها وكثافة غطائها النباتي، الأمر الذي جعلها موقعاً مثالياً لإنشاء متنزه بلدي أصبح لاحقاً رمزاً من رموز المدينة. وكانت أشجار السرو والصنوبر، التي عُرفت بها طولكرم، تظلل طرقات المنتزه وممراته، فيما امتزجت روائح الصنوبر بنسمات السهل الساحلي، لتمنح الزائر شعوراً بالسكينة والانتماء.
ولم تكن أشجار السرو والصنوبر مجرد نباتات للزينة، بل كانت تمثل جزءاً من الشخصية العمرانية والبيئية لمدينة طولكرم، حيث انتشرت على أسوار المنازل والحدائق، وعلى جوانب الطرق، إلى جانب أشجار الخروب والنخيل والجهنمية، في مشهد يعكس اهتمام أبناء المدينة بالطبيعة والمحافظة على البيئة منذ عقود طويلة.
وتؤكد الصور الأرشيفية النادرة، ومنها الصور التي نشرتها مجلة العربي الكويتية في ستينيات القرن الماضي، أن منتزه المنشية كان من أجمل المواقع الطبيعية في شمال الضفة الغربية، وأنه شكّل متنفساً رئيسياً للأسر الفلسطينية، خاصة في أيام الربيع والصيف، حيث كانت الرحلات المدرسية واللقاءات العائلية والمناسبات الاجتماعية تقام بين أشجاره الوارفة.
ويستذكر كبار السن من أبناء طولكرم تلك الأيام التي كان فيها المنتزه يعج بالحياة، ويؤكدون أن المكان لم يكن مجرد حديقة، بل كان مساحة لصناعة الذكريات، وتعزيز العلاقات الاجتماعية، وغرس قيم الانتماء إلى الأرض والطبيعة في نفوس الأجيال الناشئة.
ومع التوسع العمراني الذي شهدته مدينة طولكرم خلال العقود اللاحقة، تغيرت معالم أجزاء من منطقة المنشية، وأقيمت فيها مؤسسات خدمية واجتماعية مهمة، مثل دار اليتيم ومستشفى الزكاة والاتحاد النسائي، بما يعكس تطور المدينة واحتياجاتها المتزايدة، إلا أن ذلك لم يلغِ المكانة التاريخية للمنتزه في الوعي الجمعي لأبناء المدينة.
وفي السنوات الأخيرة، اتجهت بلدية طولكرم إلى إعادة الاعتبار لهذا الإرث من خلال مشاريع تطوير وتأهيل شاملة، تهدف إلى إعادة إحياء المنتزه وتحويله إلى مساحة عصرية تلبي احتياجات العائلات والشباب والأطفال، مع المحافظة على الطابع البيئي والتراثي للموقع، وزيادة المساحات الخضراء وإعادة زراعة الأشجار التي اشتهرت بها المنطقة.
إن إعادة تأهيل منتزه المنشية لا ينبغي أن تقتصر على إنشاء المرافق الحديثة، بل يجب أن تكون مشروعاً وطنياً للحفاظ على الذاكرة التاريخية للمدينة، من خلال حماية ما تبقى من الأشجار المعمرة، وإعادة زراعة السرو والصنوبر والخروب، وإنشاء لوحات تعريفية توثق تاريخ المكان، وإقامة معرض دائم للصور الأرشيفية التي تحفظ ذاكرة المنتزه وتعرّف الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم.

حديقة المنشية كانت جهة منتزه البلدية حاليا مكان دار اليتيم ...
كما أن المنتزه يمكن أن يتحول إلى مركز للأنشطة الثقافية والبيئية، يستضيف الفعاليات المدرسية، ومعارض التراث، وحملات التشجير، والندوات البيئية، ليبقى فضاءً يجمع بين الماضي والحاضر، ويعزز ثقافة الحفاظ على البيئة والهوية الوطنية.
واليوم، وبينما تستعيد طولكرم جانباً من معالمها التاريخية، يبقى منتزه المنشية شاهداً على مرحلة زاخرة بالجمال الطبيعي والدفء الاجتماعي، ويؤكد أن المدن لا تُقاس فقط بما تشيده من مبانٍ ومنشآت، وإنما أيضاً بما تحافظ عليه من ذاكرة وهوية وتراث.
إن الحفاظ على منتزه المنشية هو حفاظ على جزء من تاريخ طولكرم، وعلى إرث بيئي وثقافي يستحق أن يُصان للأجيال القادمة، ليبقى السرو والصنوبر شاهدين على مدينة عُرفت بخضرتها، وبإنسانها، وبقدرتها على الجمع بين أصالة الماضي وطموح المستقبل.
وفي ظل التحديات البيئية والعمرانية التي تواجه المدن الفلسطينية، فإن تجربة منتزه المنشية تمثل نموذجاً لأهمية التوازن بين التنمية والحفاظ على الإرث الطبيعي. فالأشجار المعمرة ليست مجرد عناصر جمالية، بل هي جزء من الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية، وتُعد شاهداً حياً على تاريخ المدينة وتحولاتها. ومن هنا، فإن الاستثمار في حماية هذا الإرث وتطويره، وإشراك المجتمع المحلي والمؤسسات التعليمية والثقافية في صونه، من شأنه أن يحول المنتزه إلى معلم حضاري وسياحي وثقافي يعكس الوجه المشرق لمدينة طولكرم، ويجسد ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه وتاريخه وبيئته.

صورة لمدينة طولكرم: متنزه المدينة في منطقة المنشية الموجودة غربي المدينة بالقرب من مبنى البلدية و وحسبة الخظار. تصفح 70 ألف صورة تدون الحياة والتراث الفلسطيني جلهم قبل النكبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب