الافتتاحيهرئيسي

تمجيد الماضي أم استلهام دروسه؟ قراءة سياسية في التاريخ الإسلامي وتحديات الحاضر

تمجيد الماضي أم استلهام دروسه؟ قراءة سياسية في التاريخ الإسلامي وتحديات الحاضر

بقلم: رئيس التحرير 

يستحضر كثيرون تاريخ الدولة الإسلامية بوصفه شاهدًا على مرحلة بلغت فيها الأمة ذروة قوتها السياسية والعسكرية والحضارية، حين امتدت رقعة الدولة عبر قارات متعددة، وأسهمت في بناء واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية في مجالات الإدارة والعلوم والاقتصاد والعمران. ولم يكن ذلك الاتساع نتاج القوة العسكرية وحدها، بل كان ثمرة منظومة متكاملة قامت على وحدة القرار، وهيبة الدولة، والعدل، والمؤسسات، وحيوية الاقتصاد، والانفتاح على العلم والمعرفة.

لقد شهد التاريخ الإسلامي محطات مفصلية، من عهد الخلفاء الراشدين إلى الدولة الأموية فالعباسية، ثم الأيوبية والمملوكية والعثمانية، حيث سُجلت انتصارات كبرى في اليرموك والقادسية وحطين وعين جالوت وفتح القسطنطينية وغيرها. غير أن هذه الانتصارات لم تكن مجرد وقائع عسكرية، بل كانت انعكاسًا لحالة من التماسك الداخلي، ووحدة القيادة، والقدرة على توظيف الإمكانات السياسية والاقتصادية والعسكرية في مشروع حضاري متكامل.

وفي المقابل، يعلمنا التاريخ أيضًا أن عوامل الضعف كانت داخلية قبل أن تكون خارجية. فالانقسامات، والصراعات على السلطة، وتراجع المؤسسات، والجمود الفكري، أضعفت الدولة ومهّدت الطريق أمام التدخلات الأجنبية، وصولًا إلى مرحلة الاستعمار وإعادة رسم خرائط المنطقة وفق المصالح الدولية، وكان من أبرز محطاتها اتفاقية سايكس – بيكو، التي أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية للمشرق العربي.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأمة اليوم لا يتمثل في استعادة خرائط الماضي، وإنما في استعادة أسباب القوة التي صنعت ذلك الماضي؛ فالدول في القرن الحادي والعشرين تُقاس بقدرتها على بناء اقتصاد منتج، ومؤسسات دستورية قوية، ومنظومات تعليم وبحث علمي متقدمة، وجيوش محترفة، وسياسات خارجية مستقلة، وتحقيق العدالة وسيادة القانون.

وفي ظل ما تشهده المنطقة من حروب وصراعات، وما تتعرض له القضية الفلسطينية من محاولات للتصفية، تتأكد الحاجة إلى مشروع عربي وإسلامي يقوم على التعاون والتكامل، واحترام سيادة الدول، وتوحيد المواقف تجاه القضايا المصيرية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

إن استحضار التاريخ ينبغي أن يكون دافعًا لبناء المستقبل، لا وسيلة للهروب من تحديات الحاضر. فالأمم لا تستعيد مكانتها بالشعارات، بل بالرؤية الاستراتيجية، والإصلاح السياسي، والتنمية الاقتصادية، والاستثمار في الإنسان، وترسيخ قيم العدالة والوحدة وسيادة القانون.

لقد أثبت التاريخ أن الحضارات تبقى ما دامت تمتلك أسباب القوة، وتسقط عندما تتخلى عنها. وهذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن نستخلصها من صفحات التاريخ: أن المستقبل لا يُصنع بالحنين إلى الأمجاد، وإنما بصناعة أمجاد جديدة تستند إلى العلم، والوحدة، والحرية، والعدالة، والإرادة السياسية القادرة على مواجهة تحديات العصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب