معركة التحقيق في 7 أكتوبر: المعارضة تصعّد هجمتها على نتنياهو

معركة التحقيق في 7 أكتوبر: المعارضة تصعّد هجمتها على نتنياهو
تسعى المعارضة الإسرائيلية إلى دمج ملفات التحقيق في 7 أكتوبر وتجنيد «الحريديم» والصدام مع «المحكمة العليا»، ضمن رواية سياسية واحدة، تقوم على أن الحكومة تضع أولوية بقائها فوق مقتضيات المحاسبة واستقلال المؤسسات.
يخوض رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في هذه الأيام، ثلاث معارك صغيرة منفصلة، لكن ضمن معركة كبيرة واحدة تتّخذ ثلاثة عناوين: لجنة التحقيق في إخفاقات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، قانون تجنيد «الحريديم»، والصدام المتجدّد مع «المحكمة العليا». وبينما يحاول نتنياهو التعامل مع كلّ من تلك الملفات على حدة، تسعى المعارضة إلى دمجها جميعاً في رواية سياسية واحدة، مفادها أن رئيس الحكومة يضع بقاءه السياسي فوق مؤسّسات الدولة ومصلحتها، ويستخدم ائتلافه في «الكنيست» لتأجيل المحاسبة، وإرضاء شركائه، وتقليص القيود المفروضة على سلطته.
وتزامَن هذا التصعيد مع قرار الحكومة، مطلع الأسبوع، رفض الامتثال لحكم صادر عن «العليا» في قضية تتعلّق بـ«السلطة الثانية للتلفزيون والراديو»، وهو ما عدّه معارضوها تجاوزاً غير مسبوق للعلاقة بين السلطتَين التنفيذية والقضائية. ولم يقتصر الأمر على الخلاف القانوني نفسه، بل اتّخذ بعداً دستورياً بعدما أعلن وزير الاتصالات، شلومو كرعي، أن الحكومة لن تعترف بحكمٍ «يخالف القانون»، فيما اعتبر وزير العدل، ياريف ليفين، أن «المحكمة تجاوزت صلاحياتها». وفي المقابل، حذّرت المعارضة وشخصيات قانونية من أن الحكومة تدفع إسرائيل نحو «أزمة حكم»، وذلك عبر تكريس سابقة تقوم على انتقاء الأحكام القضائية التي تلتزم بها، وتجاهُل تلك التي لا تناسبها.
وتنظر المعارضة إلى هذه المواجهة باعتبارها امتداداً مباشراً لمعركة أوسع يخوضها نتنياهو منذ أشهر ضدّ أجهزة الرقابة والمؤسّسات المستقلة. فمن وجهة نظرها، إن الحكومة التي ترفض الخضوع للمحكمة، هي نفسها التي لا تَقبل حتى الآن بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلّة في إخفاقات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وتحاول، في المقابل، فرض بدائل تُبقي السيطرة السياسية على عملية التحقيق.
وتشكّل هذه الأخيرة أحد أبرز مصادر الضغط على نتنياهو في المرحلة الحالية، خصوصاً أن عائلات القتلى والأسرى الإسرائيليين، إلى جانب أحزاب المعارضة وعدد من المسؤولين الأمنيين السابقين، يجدّدون مطالبتهم بلجنة تحقيق رسمية تُشكَّل وفق قانون «لجان التحقيق الرسمية»، بما يضمن استقلالها عن الحكومة وصلاحياتها الكاملة في استدعاء المسؤولين وفحص قرارات المستويَين السياسي والعسكري.
أما نتنياهو وحلفاؤه، فيواصلون رفض تلك المطالب، متمسّكين بلجنة تختلف في تركيبتها وآلية تعيينها، وهو ما تعتبره المعارضة محاولةً لمنع الوصول إلى مساءلة مباشرة لرئيس الحكومة نفسه. وفي الطريق إلى ذلك، يدفع نتنياهو وحلفاؤه نحو تشكيل لجنة تحقيق سياسية يجري تعيينها مناصفةً بين الائتلاف والمعارضة؛ وفي حال استنكاف الأخيرة عن تسمية ممثّليها، فإن اللجنة تباشر عملها من دونهم. ويضع هذا المشروع المعارضة في موقف محرج وصعب؛ فلا هي موافِقة على أساس تشكيل اللجنة بهذه الطريقة، ولا هي تملك القدرة على تعطيل عملها.
ويكتسب هذا الملف حساسية إضافية من تقاطعه مع قضية أخرى تهدّد تماسك الائتلاف، هي «قانون تجنيد الحريديم». فالأحزاب «الحريدية» تضغط للإسراع في إقرار قانون يضمن استمرار الإعفاءات أو يخفّف آثار قرارات «المحكمة العليا»، فيما تتصاعد داخل الجيش والمعارضة وعلى مستوى الرأي العام مطالب بفرض الخدمة العسكرية على الجميع، ولا سيما بعد الاستنزاف غير المسبوق لقوات الاحتياط خلال الحرب المستمرّة منذ ثلاث سنوات.
وتتّهم المعارضة نتنياهو باستخدام هذا القانون وسيلةً لشراء استقرار حكومته، ولو على حساب مبدأ المساواة في تحمّل أعباء الحرب؛ وهي تصف مشاريع التسوية المطروحة بأنها لا تحقق تجنيداً فعلياً لـ«الحريديم»، بل تمنحهم إعفاءً مقنّعاً يحفظ مصالح شركاء الائتلاف. وفي المقابل، يواصل ممثّلو الأحزاب «الحريدية» التأكيد أن الحفاظ على مكانة طلاب المدارس الدينية يمثّل بالنسبة إليهم شرطاً أساسياً لاستمرار مشاركتهم في الحكومة.
وعلى أيّ حال، يبدو أن القراءة التي تروّج لها المعارضة، والقائمة على وضع كلّ تلك الملفات ضمن الخطة الأوسع لـ«الانقلاب القضائي»، بدأت تفرض نفسها تدريجياً على النقاش السياسي والإعلامي الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة. إذ تتكرر في الصحافة العبرية الإشارة إلى أن الأزمة لم تعُد تدور حول قانون بعينه أو قرار قضائي محدّد، بل حول طبيعة النظام السياسي نفسه، وحدود سلطة الحكومة في مواجهة القضاء، وآليات محاسبة القيادة السياسية بعد أكبر إخفاق أمني في تاريخ الكيان.




