فلسطين
جمعية تأهيل أطفال التوحد وصعوبات التعلم الخيرية في طولكرم… نموذج فلسطيني رائد يجمع بين العلاج والتأهيل والتنمية المجتمعية

جمعية تأهيل أطفال التوحد وصعوبات التعلم الخيرية في طولكرم… نموذج فلسطيني رائد يجمع بين العلاج والتأهيل والتنمية المجتمعية
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري
في ظل التزايد المطرد في أعداد الأطفال الذين يحتاجون إلى خدمات متخصصة في مجالات اضطراب طيف التوحد وصعوبات التعلم، وما يرافق ذلك من تحديات تواجه الأسر الفلسطينية في الوصول إلى خدمات علاجية وتأهيلية متقدمة، برزت جمعية تأهيل أطفال التوحد وصعوبات التعلم الخيرية في محافظة طولكرم بوصفها واحدة من أبرز المؤسسات الأهلية الفلسطينية المتخصصة، مقدمةً نموذجًا تنمويًا متكاملًا يجمع بين العلاج والتأهيل والتعليم والتمكين المجتمعي، ويضع الإنسان في قلب رسالته.

وخلال سنوات عملها، استطاعت الجمعية أن تتحول إلى عنوان للثقة والتميز، وأن تقدم تجربة رائدة استقطبت مئات الأطفال من محافظة طولكرم ومختلف محافظات شمال الضفة الغربية، بفضل ما توفره من خدمات نوعية تعتمد أحدث الأساليب العلمية في التشخيص والتدخل والعلاج والتأهيل، ضمن بيئة مهنية تراعي احتياجات الطفل والأسرة على حد سواء.
وتعمل الجمعية، المرخصة رسميًا لدى وزارة الداخلية الفلسطينية، من خلال منظومة مؤسسية متكاملة تضم مركز وجود للعلاج والتأهيل، ومركز وجود الثقافي، ومركز وجود المجتمعي، وجميعها تعمل بتراخيص رسمية من وزارات الاختصاص، وفي مقدمتها وزارة الصحة، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة التنمية الاجتماعية، بما يعكس التزامها بالمعايير المهنية والقانونية، ويمنح خدماتها الموثوقية والاستدامة.

ولا تقتصر رسالة الجمعية على تقديم الخدمات داخل مراكزها، بل تقوم على فلسفة الشراكة والتكامل مع المؤسسات الرسمية، حيث تعمل بالتنسيق مع وزارات الاختصاص لتوفير خدمات تخصصية للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد وصعوبات التعلم والفئات المستهدفة الأخرى، خاصة في المجالات التي تعاني نقصًا في الإمكانات أو الكوادر المتخصصة داخل بعض المؤسسات الحكومية.
ويجسد هذا التعاون نموذجًا ناجحًا للشراكة بين القطاع الأهلي والمؤسسات الرسمية، بما يسهم في تعزيز جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتخفيف العبء عن المؤسسات الحكومية، وضمان وصول الأطفال إلى خدمات علاجية وتأهيلية وتعليمية متخصصة وفق أفضل الممارسات العلمية.
وتقدم الجمعية منظومة متكاملة من الخدمات تشمل برامج التدخل المبكر، والعلاج الوظيفي، وعلاج النطق واللغة والتواصل، والعلاج النفسي والسلوكي، والتربية الخاصة، وبرامج تعديل السلوك، والإرشاد الأسري، والتقييم والتشخيص، إضافة إلى الأنشطة الثقافية والإبداعية والرياضية والمبادرات المجتمعية التي تهدف إلى تعزيز دمج الأطفال في المجتمع، وتنمية قدراتهم، وترسيخ ثقتهم بأنفسهم.

وتؤمن الجمعية بأن نجاح العملية العلاجية لا يكتمل إلا من خلال الأسرة، ولذلك تولي اهتمامًا خاصًا ببرامج الإرشاد والدعم النفسي والاجتماعي لأولياء الأمور، وتعمل على تمكينهم من التعامل مع احتياجات أطفالهم وفق أساليب علمية حديثة، بما ينعكس إيجابًا على تطور الطفل واستقراره النفسي والاجتماعي.
ويقود هذه التجربة الرائدة الأستاذ إحسان غازي حطاب، مؤسس الجمعية ومراكز “وجود”، الذي نجح منذ انطلاق المشروع في بناء رؤية مؤسسية تقوم على توفير خدمات متخصصة وفق معايير علمية ومهنية حديثة، مع العمل على تطوير الكوادر البشرية، وتعزيز الشراكات مع الجامعات والمؤسسات الرسمية والأهلية، واستقطاب الدعم اللازم لضمان استدامة الخدمات وتطويرها.

ولم يقتصر نجاح الجمعية على تطوير البرامج والخدمات، بل امتد إلى بناء بنية تحتية متخصصة، حيث نجحت في إنشاء مركز نموذجي متكامل أقيم على أرض تبرعت بها بلدية طولكرم، ليشكل اليوم صرحًا تأهيليًا حديثًا يوفر بيئة علاجية وتعليمية متكاملة تراعي احتياجات الأطفال وأسرهم، ويضم مرافق مجهزة بأحدث الوسائل العلاجية والتأهيلية.
كما تمكنت الجمعية من كسب ثقة المؤسسات الداعمة والمانحة، فحصلت على تمويل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب دعم من عدد من المؤسسات الوطنية والعربية والدولية، الأمر الذي أسهم في تطوير مرافقها، وتوسيع برامجها، وتزويدها بالأجهزة الحديثة، ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمستفيدين.
وفي خطوة تعكس حجم الثقة التي تحظى بها الجمعية ورؤيتها المستقبلية، حصلت على قطعة أرض مخصصة بتوجيه من فخامة الرئيس محمود عباس، لإقامة بركة علاجية متخصصة ضمن مشروع تأهيلي متكامل، يهدف إلى إدخال خدمات العلاج المائي والتأهيل الحركي للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد وصعوبات التعلم وغيرهم من الفئات المستهدفة.
ويُنتظر أن يشكل هذا المشروع إضافة نوعية لمنظومة التأهيل في فلسطين، ولا سيما في محافظات شمال الضفة الغربية، حيث سيوفر خدمات متقدمة كانت تفتقر إليها المنطقة، ويسهم في تطوير برامج العلاج والتأهيل وفق أحدث المعايير العالمية.
وفي موازاة رسالتها العلاجية، تواصل الجمعية أداء دورها التنموي والمجتمعي من خلال تنظيم حملات التوعية، وتأهيل الكوادر المتخصصة، واستقبال طلبة الجامعات للتدريب العملي، وتنفيذ مشاريع ومبادرات مجتمعية تهدف إلى ترسيخ ثقافة الدمج، وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ونشر الوعي المجتمعي بقضايا اضطراب طيف التوحد وصعوبات التعلم، بما ينسجم مع مبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

وتؤكد تجربة الجمعية أن الاستثمار في الطفل هو استثمار في مستقبل المجتمع، وأن تمكين الأطفال ذوي الإعاقة وأسرهم يمثل ركيزة أساسية لبناء مجتمع أكثر تماسكًا وإنصافًا، قادر على احتضان جميع أبنائه دون تمييز.
ورغم ما يواجهه المجتمع الفلسطيني من تحديات اقتصادية واجتماعية وظروف استثنائية فرضها الاحتلال، وما ترتب عليها من ضغوط على القطاع الصحي والاجتماعي، فإن جمعية تأهيل أطفال التوحد وصعوبات التعلم الخيرية واصلت رسالتها بثبات، محافظة على جودة خدماتها، ومواصلة تطوير برامجها، إيمانًا منها بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن توفير الرعاية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يمثل واجبًا وطنيًا وإنسانيًا لا يحتمل التأجيل.
واليوم، تقف الجمعية ومراكز “وجود” باعتبارها واحدة من أنجح التجارب الفلسطينية في مجال العلاج والتأهيل والتنمية المجتمعية، ونموذجًا يحتذى في العمل الأهلي المتخصص، ورسالة أمل لكل أسرة تبحث عن خدمات مهنية وإنسانية متكاملة، تؤمن بأن لكل طفل الحق في العلاج والتعليم والاندماج والحياة الكريمة، وأن بناء الإنسان يبقى الأساس المتين لبناء الوطن وصون مستقبله.




