«تسويات» على المقاس… والقضاء غائب: حكومة الشرع تستنسخ أساليب النظام السابق

«تسويات» على المقاس… والقضاء غائب: حكومة الشرع تستنسخ أساليب النظام السابق
تستعيد حكومة الشرع آلية «التسويات» كأداة لإدارة الملفات المالية والأمنية، في مقاربة تعيد إنتاج أساليب النظام السابق وتهمّش دور القضاء، ما يثير مخاوف من تكريس منطق الابتزاز وتقويض الثقة بالمؤسسات بدل ترسيخ مسار العدالة.
في عام 2021، وعلى خلفية المخالفات والتجاوزات المالية الكبيرة المكتشَفة في عقود إحدى الوزارات ومشترياتها لثلاث سنوات، وُضع رجل أعمال شهير أمام خيارَين لا ثالث لهما: إمّا متابعة المؤسّسات الرقابية إجراءاتها القانونية من تحريك للدعوى القضائية اللازمة والحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة، وإمّا تسديد قيمة الأضرار التي لحقت بالوزارة من جرّاء التلاعب بالأسعار والمواصفات وغير ذلك – والتي قُدّرت قيمتها آنذاك بأكثر من 130 مليار ليرة سورية -، في مقابل وقف أيّ إجراءات قانونية وقضائية. فضّل رجل الأعمال المذكور الخيار الثاني، ليس من باب الإقرار بالذنب، وإنّما لقناعته بأن الأمور تجري بغير مصلحته، ولا سيما أن الملفّ تحوَّل إلى قضية رأي عام في ضوء ما جرى تسريبه من أسعار لبعض التجهيزات والمستلزمات، بدت فلكية في وقت كانت تعاني البلاد فيه من تدهور شديد في أوضاعها الاقتصادية والمعيشية. المفارقة أن الرجل نفسه وُضع بعد سقوط النظام السابق أمام البديَلين السابقَين نفسَيهما، ليختار مرّة أخرى الثاني. وهو بذلك لم يكن الوحيد بين مجموعة من رجال الأعمال المحسوبين على السلطة السابقة، والذين فضّل بعضهم مسار التسوية المالية، رغم بنودها القاسية، على الدخول في نزاعات قانونية وقضائية قد تكون طويلة الأمد.
من الأمني إلى المالي
ظهر مصطلح «التسويات» مع السنوات الأولى للحرب. في بداية الأمر، جاء مرادفاً لمسعى «المصالحات الشعبية» التي قادتها شخصيات اجتماعية بدعم رسمي حقناً للدماء، ثمّ تَحوّل، مع توسع دائرة المعارك والعمليات العسكرية بعد عام 2016، إلى أحد بديلَين مطروحَين أمام أفراد الفصائل المسلّحة المُحاصَرة في بعض المناطق: إمّا القبول بإجراء تسوية مع الجيش السابق، والتعهّد بعدم العودة مجدّداً إلى حمل السلاح، وإمّا رفض تلك التسوية، وبالتالي الخروج الآمن في اتجاه مناطق الشمال، وغالباً إدلب. ويحفل أرشيف الأجهزة الأمنية السابقة بقوائم اسمية لآلاف السوريين ممّن كان خيارهم إجراء تسوية. وبحسب بيانات رسمية حصلت عليها «الأخبار»، فإن عام 2019 شهد إجراء أكبر عدد من التسويات، التي شملت أكثر من 200 ألف شخص، وفي عام 2021، وصل الرقم إلى أكثر من 100 ألف شخص، في حين ظلّت بعض المراكز تفتح أبوابها لاستقبال الراغبين إلى ما قبل أشهر قليلة من سقوط النظام السابق.
شابت هذا النوعَ من التسويات الأمنية، أخطاء كثيرة حرفتها عن غايتها الأساسية في حقن الدماء؛ ففي الوقت الذي طُلب فيه من مواطنين كثر إجراء تسويات لمجرّد وجود تقارير كيدية في حقهم، لا بل فُرض على بعضهم – علاوة على ذلك – تسليم سلاح لم يكن في حوزته أصلاً أو تسديد ما يوازي ثمنه، أُدخل أشخاص آخرون متّهَمون بأعمال قتل وارتكاب جرائم شتّى في دائرة التسوية، رغم الادّعاء الرسمي أن هذا الإجراء لن يشمل مَن «تلطّخت أيديهم بالدم السوري». لاحقاً، أغرت المكاسب الناتجة من تطبيق ذلك الخيار السلطات آنذاك، فقرّرت توسيع مجالاته ليشمل أيضاً المخالفات والتجاوزات المالية، مدفوعةً بتحقيقات أجرتها «الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش»، وخلصت فيها إلى وجود مخالفات جمركية بحق سبعةٍ من أهمّ رجال الأعمال في البلاد. وعليه، جرى تخيير هؤلاء بين تسديد قيمة تلك المخالفات للخزينة العامة، أو الحجز على أموالهم وتحويل ملفّاتهم إلى القضاء، ليقرّر هؤلاء دفع المبالغ المُستحَقّة، ومن ثمّ التوجّه إلى القضاء في محاولة لاسترداد ما دفعوه.
في مسيرة التسويات الطويلة، ظلّ القضاء غائباً أو مجرّد خيار للتفاوض أو أداة للضغط
صحيح أن «التسوية» لم تكن إجراءً جديداً في عمل مفتّشي الجهات الرقابية، خاصة عند اكتشافهم نقصاً لدى محاسبي الإدارات أو وجود فروقات أسعار في المناقصات والعقود وضرائب غير مُسدَّدة وما إلى ذلك، إلّا أنه لم يكن يعني إلغاء التهمة الموجَّهة إلى المتّهَم في التقرير التفتيشي، بل التخفيف منها فحسب. أمّا التحوّل الأهمّ في مسيرة المصطلح، فسُجّل في السنوات الأخيرة، وتحديداً مع تولّي «فرع الخطيب» التابع لإدارة المخابرات العامة ملفّ المتعاملين بالقطع الأجنبي، ولا سيما أصحاب الفعاليات الاقتصادية بمختلف أنشطتها وقطاعاتها، إذ تمّ، وقتذاك، توقيف المئات من رجال الأعمال أو من المحاسبين الماليين العاملين لدى بعضهم بغية إجبارهم على مراجعة الفرع المذكور وتوقيع «تسويات» تضْمن تسديدهم مبالغ كبيرة «كاش» في حسابات ضمن المصرف المركزي، وذلك في مقابل وقف الملاحقات القضائية في حقّهم بتهمة التعامل بالقطع الأجنبي خلافاً للقانون، وهو ما دفع كثيرين إلى مغادرة البلاد أو توقيف مشاريعهم وأعمالهم. على أن المُثير للسخرية أن المصرف المركزي كان آنذاك عاجزاً تماماً عن توفير أيّ تمويل بالقطع الأجنبي، وفي حالات كثيرة كان المسؤولون الحكوميون يطلبون من التجّار والصناعيين تأمين احتياجات السوق المحلية بأيّ طريقة كانت، فيما لا يُعرف حتى الآن ما إن كانت الأموال المُحصَّلة بموجب هذه «التسويات» تذهب فعلاً إلى الخزينة العامة أم لحساب جهات أخرى غير حكومية؟
تجديد الثقة بـ«التسويات»
منذ الساعات الأولى لوصولها إلى الحكم، أعادت «هيئة تحرير الشام» العمل مُجدّداً بخيار التسويات. والبداية كانت كذلك مع الجانب العسكري والأمني، حيث طُلب من جميع عناصر الجيش السابق والمؤسّسات المدنية التابعة له والأجهزة الأمنية وبعض شاغلي المناصب الحزبية، إجراء تسويات تضاربت الأنباء حول غايتها الحقيقية، إذ رأى بعضهم أنها جاءت لبناء قاعدة بيانات لعسكريّي النظام السابق تمهيداً لملاحقة مَن تتّهمهم الإدارة الجديدة بارتكاب «جرائم حرب»، ووضع البقيّة تحت المراقبة خوفاً من إعادة تنظيم أنفسهم ضمن تشكيلات معارضة للسلطة. وفي المقابل، ذهب آخرون إلى عدّ الإجراء مُجرّد محاولة لجمع السلاح وأجهزة الاتصال العسكري وتسلّم المكاتب والسيارات وغيرها. مع مرور الوقت، تَبيّن أن غاية «التسويات» لم تخرج عن ذلك إلّا نادراً، وتحديداً عندما تمّت الاستعانة ببعض الكوادر الشرطية أو بعض الخبرات العسكرية في اختصاصات مُحدّدة، فيما ثمة شكوك كبيرة في أن تتوسّع هذه الظاهرة لتشمل أعداداً أكبر أو أن تستمرّ لفترة زمنية طويلة، خصوصاً أن الاتجاه السائد اليوم يقوم على التخلّي حتى عن الكفاءات والكوادر في مؤسّسات الدولة المدنية ريثما يشتدّ عود الإدارات الجديدة، فكيف الحال مع الكوادر العسكرية السابقة؟
مرّة أخرى، جاءت عملية «التسويات» المالية مع بعض رجال الأعمال والمؤسسات والشركات المحسوبة على النظام السابق، والمُتّهَمة بالكسب غير المشروع، على طريقة السلطة الآفلة، إذ واجه المتّهَمون هنا أيضاً خيارَين: الأوّل، إجراء تسويات مع «لجنة الكسب غير المشروع» مقابل إسقاط الملاحقة القضائية – مع استثناء جرائم الحرب كما قيل -؛ والثاني، تحويل ملفّاتهم إلى القضاء. لكنّ «التسويات» الجديدة تختلف عن نظيرتها القديمة في نقطتَين: الأولى، أنها تستهدف الاستحواذ على معظم ممتلكات رجال الأعمال، نظراً إلى أن نسبة الاستحواذ وصلت إلى 80%، في حين أن الأمر كان يقتصر سابقاً على دفع مبلغ مقطوع يتناسب والتهمة الموجَّهة إلى المتّهم. وأمّا النقطة الثانية، فهي أن النظام السابق استخدم سلاح التوقيف الأمني لإجبار رجال الأعمال على الدخول في تسويات، بينما استخدمت الإدارة الجديدة أداة ضغط مختلفة، قوامها الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة، وأحياناً وضع اليد على الممتلكات والتصرّف بها وتشغيلها رغم عدم وجود حكم قضائي مُبرَم يتيح لها ذلك.
في مسيرة «التسويات» الطويلة بمختلف مجالاتها وغاياتها، ظلّ القضاء غائباً أو مجرّد خيار للتفاوض أو أداة للضغط. وحتى عندما يفكّر البعض في اللجوء إليه، يمنعه من ذلك الخوف والقلق، بالنظر إلى سطوة السلطة، سابقاً وراهناً، على الكثير من مفاصله وقضاته. ولهذا، فإن «التسويات» قد تكون نجحت ظاهرياً في تحقيق بعض غاياتها، إلّا أنها فعلياً عزّزت من حالة عدم الثقة بالمؤسسات والنظام السياسي والاقتصادي القائم، وهو ما يدفع أحد المهتمّين بالشأن العام إلى التعليق عليها بالقول: «السوريون جرّبوا منذ بداية الحرب وإلى اليوم كلّ أنواع التسويات… إلّا التسوية السياسية».





