فلسطين

الانتخابات الإسرائيلية بعيون نازحي غزة.. “المتنافسون واحد ومأساتنا تستمر”

الانتخابات الإسرائيلية بعيون نازحي غزة.. “المتنافسون واحد ومأساتنا تستمر”

أشرف الهور

غزة – : في داخل خيام النزوح أو مناطق السكن الأخرى، الموجودة بفعل الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف العام، في بقعة ضيقة جداً من قطاع غزة تمتد على طول كيلومترات قليلة في الجهة الغربية من القطاع الساحلي، لا يكترث السكان الذين يكابدون مشقة العيش البدائي من شروق شمس النهار حتى مغيبها للتطورات السياسية الحاصلة في الدولة المحتلة إسرائيل، التي تتهيأ لانتخابات برلمانية.

فكل واحد منهم مهتم بتوفير قوت يومه، ولتأكدهم من أن الأحزاب الإسرائيلية كافة تتوحد خلف قرار بقاء مأساتهم.

النازحون: لا تغيير

وبجوار منطقة نزوح غرب مدينة خان يونس، كانت حتى قبل أيام من بدء الحرب أرضاً حرجية بها سفح من الرمال الصفراء، قبل أن تعلوها خيام نزوح بالية تقطنها عائلات دمر الجيش الإسرائيلي منازلها خلال فترة الحرب واضطرت للعيش بطريقة بدائية، جلس في ظلال إحدى الخيام إبراهيم عوض، وهو رجل في منتصف الستينيات، وعمل موظفاً حكومياً قبل إحالته للتقاعد، وبجواره ثلاثة من رفقاء النزوح.

كان الجميع، في وقت راحتهم في ساعات العصر، يتحدثون عن أحوال أسرهم اليومية.

ناقشوا أزمة مياه الشرب التي لم تصل إلى منطقة نزوحهم منذ أربعة أيام، والعيش داخل خيام بلاستيكية في ظل حرارة آب/ أغسطس، وجاؤوا على ملف التهدئة الذي لم يتحرك من منطقة توقفه، بعد الأخبار التي ملأت غزة عن قرب الحل.

غير أن أياً منهم لم يكن مهتماً بالانتخابات البرلمانية التي تستعد إسرائيل، الدولة القائمة بالاحتلال، لعقدها قريباً، والتي ستفرز قيادة جديدة تشكل الحكومة القادمة.

ويجزم إبراهيم، كرفاقه، أن أوضاع غزة لن تتغير بتغير حكومة إسرائيل، وأن الأحزاب هناك، سواء أحزاب اليمين أو اليسار أو الوسط، تجتمع على بقاء مأساة غزة.

ويقول إبراهيم لـ”القدس العربي”: “بداية الحرب رأينا الجميع يؤيد الحرب، والجميع دعم حكومة اليمين وتبنى أفكارها في الحرب”.

“نحن وقود أحزاب إسرائيل في الانتخابات.. الكل سيدعو للتصعيد ضد غزة لكسب ود الناخبين”

ويضيف: “إحنا في غزة وقود أحزاب إسرائيل في الانتخابات”.

ويستطرد، وهو يتابع الأخبار جيداً، سواء تلك التي يتصفحها من هاتفه النقال أو عبر الإذاعات العالمية: “الكل في إسرائيل سيدعو مع بدء الدعاية الانتخابية للتصعيد ضد غزة، وسيلجأ لهذا الأسلوب لكسب ود الناخبين”.

ويعبر عن خشيته من تصعيد عسكري وتضييق أكثر على غزة كلما اقترب موعد الانتخابات.

والرجل، الذي أثقلت ملامحه مشقة الحياة، فبرز شعر لحيته بشكل غير مشذب، وارتدى ثوباً لم يُعهد عليه من قبل، كان يحرص بحكم عمله الوظيفي السابق، وبعد بلوغه سن التقاعد، على ارتداء ملابس رسمية أنيقة يكملها بربطات العنق.

ويقول إن هموم الحياة التي خلقتها الحرب المستمرة منذ أشهر طويلة، وركضهم كأرباب أسر وراء توفير الماء والأكل ومستلزمات الأسر الأساسية جعلتهم لا يهتمون بأي شيء آخر.

وجهان لعملة واحدة

هذا الحال شاركه فيه أحد رفقاء النزوح، ويكنى بـ”أبو عماد”، وهو رجل في أواخر الخمسينيات، وعمل سابقاً في مهنة البناء في مناطق عدة داخل إسرائيل، ويجيد إلى حد كبير اللغة العبرية.

ويقول، وهو يرسم بعود خشبي وضعه بين أصابعه خطوطاً على ما أمامه من رمل: “شو الفرق بين بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الحالي، وبين منافسه نفتالي بينيت أو غادي آيزنكوت؟”. ويضيف: “كلهم واحد، سياستهم تجاهنا ما بتختلف”.

“هناك في إسرائيل خطة وضعت بداية الحرب والكل سوف ينفذها سواء بنتنياهو أو بغيره”

ويستذكر الرجل أن بينيت خاض، خلال فترة توليه رئاسة الحكومة الإسرائيلية السابقة، حرباً ضد غزة في العام 2021، فيما شارك آيزنكوت في حكومة نتنياهو في بداية حربها ضد غزة، ودعم المجازر وفكرة النزوح والتهجير والقتل.

ويشارك الغزيون هذه الآراء على المستويات الشعبية والتنظيمية والسياسية، فلا تجد أحداً يهتم بتغيير واقعهم في حال تغير الحكم في إسرائيل، بفوز أحزاب الوسط واليسار بدلاً من أحزاب اليمين، فالجميع يدرك أن خطط الأحزاب الإسرائيلية واحدة.

ويرى السكان الذين يكابدون مشقة العيش، بعد أن أعادتهم الحرب والتدمير الإسرائيلي لكل مقومات الحياة من مبان وطرق ومستشفيات ومؤسسات تعليمية، إلى العيش بطريقة بدائية كانت قائمة قبل أكثر من 70 عاماً، أن وضعهم الصعب سيستمر في ظل عدم وجود ضغط دولي حقيقي يلزم إسرائيل بإعطائهم حقوقهم المشروعة.

وفي غزة، يقطن نحو نصف السكان في مناطق نزوح مقامة من الخيام البلاستيكية البالية، أو في مراكز إيواء مكتظة فوق طاقتها، كانت حتى اليوم الأول للحرب أماكن للدراسة والتعليم.

وجميع السكان، بمن فيهم من يقطن في منازل متضررة بفعل الغارات التي أتت على 70% من مباني قطاع غزة ودمرتها إما بشكل كلي أو جزئي، يعيشون حياة صعبة تفتقر لأبسط الاحتياجات الأساسية، وأولها توفير الطعام والدواء بالقدر الكافي، وهو ما يدفع المنظمات الإغاثية الدولية إلى تكرار تحذيراتها من المخاطر المحدقة بالسكان.

وتشن إسرائيل حرباً لم تُعهد من قبل ضد قطاع غزة، اقترفت فيها، حسب تقارير دولية، “جرائم حرب” و”جرائم ضد الإنسانية”، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وأسفرت الحرب عن ارتقاء أكثر من 73 ألف فلسطيني، فيما لا يزال نحو 10 آلاف في عداد المفقودين، وأصيب أكثر من 230 ألفاً آخرين بجروح مختلفة، علاوة على حجم التدمير الكبير الذي طال المباني والبنى التحتية.

تنافس بين برامج متشابهة

وبدأ التنافس يشتد في إسرائيل، التي تتجه منذ سنوات عدة إلى اليمين، بين الأحزاب لكسب أصوات الناخبين، بعد أن تقرر عقد الانتخابات البرلمانية يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر القادم.

وتتنافس أحزاب اليمين والوسط واليسار وسط تشكيل تحالفات من أجل إبعاد “حزب الليكود” الحاكم منذ سنوات بقيادة بنيامين نتنياهو.

وتظهر استطلاعات الرأي العام في إسرائيل تقدم غادي آيزنكوت، الذي عمل وزيراً في بداية الحرب في حكومة نتنياهو مسانداً له قبل أن ينسحب، وعمل سابقاً رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي. كما تظهر تقدم حزبه الجديد بشكل ملحوظ لينافس بقوة على صدارة المشهد السياسي، بديلاً عن نتنياهو.

وقد أطلق حملته الانتخابية تحت شعار “يجب أن تنتصر إسرائيل”، وتعهد فيها بإزاحة منافسه.

كما يقدم رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، نفتالي بينيت، نفسه بديلاً عن نتنياهو، بعدما تحالف مع رئيس الوزراء السابق، يائير لابيد، زعيم حزب “يش عتيد”، في إطار تحالف انتخابي حمل اسم “معاً”.

لكن رغم عدم الاكتراث بالنتائج المتوقعة من هذه الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، يقول محمد عويضة، 53 عاماً، ويقطن وسط قطاع غزة، إنه يأمل في أن يهزم نتنياهو في هذه الانتخابات، رغم تيقنه من عدم تغير السياسات الإسرائيلية تجاه غزة.

ويضيف: “هناك في إسرائيل خطة وضعت بداية الحرب، والكل راح ينفذها، سواء بنتنياهو أو بغيره”.

لكن أمله في اختفاء نتنياهو من المشهد نابع من رغبته في رؤيته خارج الحلبة السياسية، ويقترب، حسبما يقول لـ”القدس العربي”، من “المحاكمة الدولية”.

 

كما يأمل أن يرى فشل قادة الأحزاب اليمينية المتطرفة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، كنتيجة لـ”لعنة دماء غزة” التي ستظل تطاردهم، كما يقول.

وفي حديثه عن مباني المنطقة التي كان يقيم فيها، قال: “لقد دمرت المباني بشكل بالغ أو كلي، بينها أربعة مبان متلاصقة هدمت بالكامل جراء قنبلة كبيرة الحجم أسقطت عليها من طائرة حربية”.

وقد أدت الغارات التي طالت هذه المنازل إلى وقوع أكثر من 100 ضحية بين قتيل وجريح من الجيران، بينهم أطفال ونساء.

فـ”هناك في الشرق والشمال، يقصد المناطق الشرقية والشمالية لغزة، وفي رفح مناطق كاملة أزيلت عن الخارطة، كل المنازل تدمرت، هيك نتنياهو عمل في غزة، كل يوم جرائم”.

وتفيد الإحصائيات المحلية بأن أكثر من 9200 عائلة فلسطينية من قطاع غزة تعرضت لمجازر بسبب الاستهداف الإسرائيلي المباشر، ما أدى إلى إبادتها بالكامل أو فقدان معظم أفرادها.

سياسة واحدة

ويقول الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي، توفيق أبو شومر، لـ”القدس العربي”، إنه من المبكر جداً معرفة من سيكون الفائز في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، في ظل التنافس الشديد بين نتنياهو وآيزنكوت.

ويشير إلى أنه في حال فاز المعارضون لـ”حزب الليكود” ونتنياهو، وتحديداً آيزنكوت، فإنه “سيبني على ما فعله نتنياهو” من سياسات تخص قطاع غزة.

ويوضح في حديثه أنه لا يرى فرقاً كبيراً بين تصريحات آيزنكوت، الذي يصرح الآن وفي كل مجال قبل أن يتولى السلطة، وبين تصريحات نتنياهو.

ويقول إن قطاع غزة لم تعد فيه حياة مدنية، حيث كانت آثار الحرب أكبر بكثير من كل التوقعات.

المحلل توفيق أبو شومر لـ”القدس العربي”: “إذا فاز آيزنكوت فإنه سيبني على ما فعله نتنياهو من سياسات تخص قطاع غزة”

ويتوقع أن يقوم منافس نتنياهو بإعطاء بعض الأشياء الصغيرة، من خلال زيادة حجم المساعدات الغذائية والدوائية، دون أن يقدم على خطوات كبيرة.

ويشير إلى أن خطط “مجلس السلام” تجاه غزة “ستظل مقيدة بسياسة إسرائيل التقليدية”، حتى في حال جاءت حكومة جديدة بديلة لحكومة نتنياهو اليمينية.

كما يشير إلى أن هناك “حكومة ظل” تتحكم في أي حكومة إسرائيلية تصل إلى سدة الحكم، وتفرض عليها السياسات الواجب تنفيذها.

ويضيف أبو شومر: “بينما إذا لم يفز وبقي حزب الليكود والتيار الحريدي المتزمت في إسرائيل، فإنهم مقبلون على إكمال ما فعلوه، والإكمال يعني السعي لأكبر قدر من الترحيل في غزة”، وهو المشروع الأساسي لـ”حزب الليكود” وشريكيه بن غفير وسموتريتش.

ويحتاج أي من المرشحين إلى الحصول على دعم أكثر من نصف أعضاء الكنيست، من خلال التحالف مع أحزاب أخرى، للتمكن من تشكيل حكومة جديدة في حال فاز حزبه بنسبة عالية من المقاعد.

ويحذر أبو شومر من كارثة أخرى تنتظر الضفة الغربية في حال فاز اليمين وبقي نتنياهو في الحكم، ويقول إن الضفة “ستكون الكارثة الثانية بعد غزة”.

لكنه، في الوقت ذاته، يرى أن “مجموعة الأحزاب الفلسطينية الصامدة في أرضها منذ عام 48” يمكن أن تكون ميزان ضغط على الحكومات الإسرائيلية القادمة.

“القدس العربي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب