انكشاف خديعة كوشنر: إسرائيل تكثّف مجازرها في غزة

انكشاف خديعة كوشنر: إسرائيل تكثّف مجازرها في غزة
نسفت إسرائيل أجواء ما بعد زيارة جاريد كوشنر بتصعيد دموي في غزة، عبر سلسلة مجازر واغتيالات، رغم الحديث عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. وهكذا، تبدو الجهود الأميركية معنيّة بالحفاظ على إطار الاتفاق أكثر من فرض التزام إسرائيل باستحقاقاته.
غزة | لم يحتجّ الردّ الإسرائيلي على تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي خاطب فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بلغة آمرة، طالباً وقف الغارات على قطاع غزة بعد موافقة حركة «حماس» على تسليم سلاحها، إلى أكثر من ساعات. فبعد أقلّ من 24 ساعة على مغادرة المبعوث الأميركي الخاص، جاريد كوشنر، تل أبيب، انتقلت إسرائيل سريعاً من الاغتيالات الفردية إلى القتل بالجملة، مدشّنةً موجة تصعيد جديدة نسفت عملياً أجواء التفاؤل التي رافقت الحديث عن تثبيت «اتفاق شرم الشيخ» والانتقال إلى مرحلته الثانية.
وبدأت هذه الموجة من ميناء غزة، حيث قصفت طائرات إسرائيلية مسيّرة استراحة مكتظّة بالنازحين، في جريمة قالت «حماس» إنّها استهدفت اجتماعاً لعدد من قادة المقاومة كانوا «يتباحثون في ملف حصر السلاح استعداداً للمرحلة الثانية». ووفق المصادر الطبية، استشهد سبعة مواطنين، بينهم طفلة، وأصيب 17 آخرون بجروح متفاوتة، معظمها حالات بتر، بعدما تحوّل المكان الذي لجأ إليه الأهالي هرباً من حرّ الخيام، إلى بركة دم امتزجت بمياه البحر. وزعم جيش الاحتلال أن الغارة استهدفت عدداً من قادة المقاومة، بينهم قائد كتيبة في «كتائب القسام» وثلاثة مسؤولين في سرايا وفصائل. غير أن المشهد بما حمله من أشلاء وأطراف متناثرة بين النازحين، بدا مقدّمةً لسياسة أوسع حظيت، بحسب الإعلام الإسرائيلي، بدفع مباشر من نتنياهو، وبغطاء سياسي من اليمين المتطرّف الذي دعا علناً إلى «اجتثاث» ما تبقّى من «حماس» بدلاً من التفاوض معها، وفق ما جاء على لسان وزيرَي المالية و«الأمن القومي»، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
تُرحّل استحقاقات «اتفاق شرم الشيخ» تحت ضغط الحسابات الانتخابية
ولم تكن مجزرة الميناء سوى الحلقة الأولى؛ فعصر أمس، ارتكب الاحتلال مجزرة أخرى استهدفت اجتماعاً لقادة جهاز الشرطة في مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد عشرة من ضباط الأجهزة الأمنية ومسؤوليها. وبحسب بيان «مديرية الشرطة»، طاولت الغارة مقرّ شرطة البلديات، وأسفرت عن استشهاد محافظ شرطة غزة الجديد، العميد أيمن جندية، الذي تولّى المنصب بعد اغتيال المحافظ السابق، جمال أبو كميل، إلى جانب مدير إدارة شرطة مدينة غزة، العميد إبراهيم تمراز، والعقيد أسامة الهجين، والعقيد علاء عليان، والمقدم عثمان أبو سمعان، ومديرة الشرطة النسائية في مدينة غزة فاتنة السحار، والملازم سماهر العجل. وارتُكبت المجزرة، وفق ما ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، بتوصيات مباشرة من نتنياهو، في إطار ما سمّته «السياسة الإسرائيلية الجديدة» في القطاع، والقائمة على ملاحقة «كلّ التهديدات والأهداف المتاحة» من دون الالتفات إلى أيّ توصيات سياسية أو مسار تفاوضي. وتزامن ذلك مع تصريح نقلته قناة «i24NEWS» عن مسؤول في «مجلس السلام»، زعم فيه أن العمل جارٍ على «آلية مخصّصة» لفحص كلّ حادثة مشابهة لعملية الاغتيال في ميناء غزة، بما يأخذ في الاعتبار حجم الأضرار، ومدى التخطيط للعملية، و«ضرورتها».
بهذه الوقائع، فرضت إسرائيل، خلال يومين من المجازر، مساراً ميدانياً معاكساً لما حاولت زيارة كوشنر تثبيته سياسياً. فبدلاً من كبح الغارات والاغتيالات، بدا نتنياهو كمَن يستخدم التصعيد لإثبات استقلالية قراره وتمسّكه بالأهداف اليمينية الكبرى للحرب المفتوحة، وفي مقدّمها تهجير أهالي القطاع والسيطرة على غزة، ضارباً عرض الحائط بالمطالبات الإقليمية والدولية بحماية مسار التفاوض.
ولا يبدو أنّ ذلك يفاجئ كوشنر وفريقه، العارفَين بتعقيدات المشهد الداخلي الإسرائيلي وبالميل اليميني المتصاعد في المجتمع الإسرائيلي. وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي، أحمد الطناني، أن «أولوية كوشنر لم تكن كبح جماح نتنياهو ميدانياً، بل الحفاظ على الاتفاق قائماً ومتماسكاً في شكله العام، من دون تركيز جوهري على مضمونه المتصل بالوضع الفلسطيني واستحقاقاته». ومن هذه الأرضية، يعمل الأميركيون مع نتنياهو على الحؤول دون سقوط خريطة الطريق التي أعدّها «مجلس السلام»، مع «أخذ مصالح نتنياهو السياسية وحساباته الانتخابية في الاعتبار، والتماهي معها إلى حدّ بعيد». ويضيف الطناني أنه بنتيجة ذلك يتمّ «ترحيل الاستحقاقات الكبرى المطلوبة من الطرفَين إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، وإن مع الإيحاء بأن الانتقال إلى المرحلة الثانية يجري بالفعل».
وإلى ذلك الحين، سيبقى عدّاد المجازر في غزة مرتبطاً بالضرورات الانتخابية الإسرائيلية ونتائج استطلاعات الرأي، فيما يغضّ الأميركيون الطرف عن انتهاكات أعادت الحرب إلى أيامها الأولى.
الاخبار اللبنانية




