مقالات

مرة أخرى عن المأزق الانتخابي والمخرج السياسي بين النهر والبحر

مرة أخرى عن المأزق الانتخابي والمخرج السياسي بين النهر والبحر

 “عوض عبد الفتاح”

 

إن الطموح الطبيعي هو أن تجري انتخابات واحدة غير مجزأة وحرة بين البحر والنهر، في وطن محرر من الاستعمار، لا يفرق بين البشر على أساس العرق والدين والقومية. إنه الحلم الذي لا يجوز أن نتخلى عنه للحظة.

يصعب، بل من غير المقبول، أن ينظر الفلسطيني إلى الانتخابات المزمع إجراؤها في إسرائيل، داخل الأرض المحتلة عام 1948، وفي الأراضي المحتلة عام 1967 خلال الأشهر المقبلة، خارج سياق النظام الصهيوني، ولا سيما في أعقاب جريمته الإبادية المستمرة. فهذه الانتخابات تطرح مفارقات وتناقضات وأسئلة وجودية هامة: كيف يمكن للفلسطينيين أن يوفقوا بين إدراكهم لطبيعة النظام الإبادي والقيود التي يفرضها على العملية الانتخابية التي تؤثر في نتائجها، وبين حاجتهم المباشرة إلى الحماية من مستوى غير مسبوق من الهمجية التي تُرتكب بحقهم، لا بوصفها رد فعل، وإنما إستراتيجية تهدف إلى القضاء على الفلسطينيين سياسيًا وجسديًا؟ وكيف يقدمون على المشاركة في انتخابات نظام استعماري يسوّق نفسه على أنه دولة طبيعية تتبنى الديمقراطية الغربية، في حين يتطلب المنطق المحض تعرية هذا التناقض والمساهمة في تعميق أزمة الكيان؟

ليس الهدف من طرح هذه الأسئلة شل الفاعلية السياسية للقوى السياسية الوطنية، وتحريم اعتماد البراغماتية المشروعة المطلوبة في التعامل مع إكراهات السياسة، بل لأن الكثيرين يؤمنون بأن هذه الأسئلة يجب أن تظل حاضرة في النقاش والحملات السياسية بهدف صيانة الذاكرة والوعي، والحفاظ على البوصلة الأخلاقية، ومنع التطبيع مع التجزئة الاستعمارية والظلم التاريخي.

قد يكون خيار مقاطعة الانتخابات، وما قد يترتب عليه من تعميق عدم شرعية إسرائيل على المستوى الدولي الشعبي والقانوني خيارًا صحيحًا ومشروعًا قبل سنوات، وأنا أعتقد أن الأحزاب العربية فوتت فرصًا ذهبية لمقاطعة الكنيست، وكان آخرها عندما أقر الكنيست قانون القومية العنصري والاستعماري. أما في اللحظة القاسية الراهنة، فقد يبدو لكثير من الفلسطينيين ترفًا بل ربما خيارًا يأتي بنتائج عكسية، فالمشاركة في الانتخابات تنبع، في جانب منها، من حقيقة أن مجالات التعبئة السياسية الشعبية قد تقلصت بحدّة، في الوقت الذي بدأ فيه النظام الإسرائيلي، بنسخته المتوحشة الجديدة، يزيد من تطبيق العديد من أساليب القمع على فلسطينيي الـ48 الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية منذ عام 1948، التي اعتاد استخدامها ضد الفلسطينيين في المنطقة الفلسطينية المحتلة عام 1967.

وهنا تكمن مفارقة صعبة: فالفلسطينيون المقيمون في مختلف أنحاء الجغرافيا الفلسطينية يجدون أنفسهم منخرطين في انتخابات تجري ضمن أنظمة مؤسسية وقانونية مختلفة جذريًا، ولكنها تقع جميعًا تحت بنية شاملة واحدة من نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني. ومع دخول الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر دورة انتخابية جديدة، فإنهم يواجهون معضلة تتجاوز بكثير السؤال المألوف: هل نصوّت أم نقاطع؟ لكن في حمأة الانتخابات نُبقي هذا السؤال جانبًا، إما لكوننا اعتدنا على تجاهله، وإما لأننا ذوّتنا اختزال عملنا السياسي في جزء من القضية، أو بسبب الخوف من ردود الفعل.

وتنشغل الساحة الفلسطينية عمومًا بأسئلة أخرى، مثل: هل تستطيع الانتخابات أن تعيد إحياء السياسة الفلسطينية من دون أن تؤدي إلى مزيد من ترسيخ تجزئة الشعب الفلسطيني مؤسسيًا؟ وهل يستطيع كل مجتمع فلسطيني أن يستجيب لمخاطره المباشرة واحتياجاته الملموسة، من دون أن يفقد جزءًا من ذاكرته بأنه جزء من شعب واحد، ومن مصير واحد؟ وهل يمكن ربط المشاركة الانتخابية بإستراتيجية تحرر طويلة الأمد، بدل أن تتحول الانتخابات إلى بديل عن هذه الإستراتيجية؟

تزداد هذه الأسئلة إلحاحًا لأن غالبية الأحزاب العربية الفلسطينية داخل الخط الأخضر، والفصائل السياسية الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة والشتات، إلى جانب العديد من النشطاء والشخصيات العامة المستقلة، قررت الانخراط في العملية الانتخابية، ليس انطلاقًا من قناعة بأن الانتخابات قادرة على تفكيك نظام الفصل العنصري الإبادي، أو أنها يمكن أن تأتي بحكومة بديلة أفضل، وإنما لأنهم يرون أن الائتلاف الصهيوني الفاشي القائم يشكل خطرًا حقيقيًا ووجوديًا، ومن ثم لا بد من تطييره من السلطة.

وحتى في ظل غياب أي توقع بأن تؤدي حكومة بديلة إلى تغيير جوهري في بنى السيطرة والهيمنة، ينظر كثيرون إلى المشاركة الانتخابية باعتبارها وسيلة ضرورية لمواجهة التهديدات المباشرة، أو من قناعة أن إسقاط الحكومة الفاشية الحالية قد يخفف من حجم الضغوط والقيود والأضرار. أما الخيارات السياسية الأخرى، بما فيها مقاطعة الانتخابات، فكان يمكن نظريًا طرحها وتعبئة الناس حولها بصورة أقوى في ظروف سياسية مختلفة. ومع ذلك يظل طرحها مشروعًا، بغض النظر عن جدواها في اللحظة الراهنة.

وفي الوقت نفسه، أخذت أصوات مرتبطة بمبادرات وبفكرة الدولة الديمقراطية الواحدة تحذر بدرجة متزايدة من أن المشاركة الانتخابية، إذا انفصلت عن وعي يتجاوز واقع التجزئة، قد تؤدي إلى مزيد من ترسيخ تجزئة الشعب الفلسطيني. فمن دون تثقيف منهجي لمختلف التجمعات والمجتمعات الفلسطينية حول هويتها الوطنية المشتركة، وروابطها بعضها ببعض، ومشروعها التحرري المشترك في فلسطين التاريخية والشتات، يمكن للسياسة الانتخابية أن تتحول إلى آلية أخرى يُعاد من خلالها إنتاج التقسيم الاستعماري، أو طمس الوعي بخطورته.

لذلك، فإن المعضلة الأعمق في اللحظة الراهنة لا تتمثل ببساطة في المشاركة مقابل المقاطعة، وإنما في المفاضلة بين سياسة تدير التجزئة، وسياسة تستند إلى رؤية إستراتيجية تسعى إلى تجاوزها على المدى البعيد. وبعبارة أخرى، وبينما ينخرط الفلسطينيون في الانتخابات، يجب أن تظل الرؤية الإستراتيجية حاضرة من خلال التثقيف والتحليل، على الأقل، وبالعمل على تأسيس مبادرات وحركات سياسية فلسطينية تنظم الفلسطينيين حول المشروع التحرري الجامع والمشاركة فيها، تدأب على أن تُعرّي طبيعة النظام الصهيوني وضرورة استبداله بنظام سياسي ديمقراطي يستطيع الجميع أن يعيشوا فيه في ظل الحرية والعدالة.

واقع مركب يدفع إلى انحرافات خطيرة

في إسرائيل، تستعد الأحزاب الفلسطينية التي نطلق عليها اسم الأحزاب العربية، وهو أيضًا شكل من أشكال التجزئة، لانتخابات جديدة للكنيست، وتناقش كيفية إعادة بناء تمثيلها السياسي المجزأ، وكيفية مواجهة القوة المتنامية لليمين الإسرائيلي الفاشي، وكيفية حماية المجتمعات الفلسطينية من تصاعد القمع والإجرام المنظم، وانعدام الأمن الجماعي والفردي.

وفي الوقت الراهن، تكافح الأحزاب العربية، إلى جانب نشطاء وشخصيات عامة مستقلين، أيضًا من أجل لجم حزب سياسي، هو للمفارقة حزب ذو أيديولوجية إسلامية، عن مسار سياسي هجين وخطير حسم أمره بالاتجاه نحو الانضمام إلى حكومة استيطانية بديلة يمينية، وكل محاولات إعادة قيادته إلى الرشد، لم تُجدِ. وقد بات واضحًا أن قيادة هذا التيار الإسلامي أصمّت آذانها ولحست تعهداتها العلنية أمام الناس بالمشاركة في القائمة. وقد وصف كثيرون هذا التنصل والسلوك بأنه انحراف وطني وديني وأخلاقي، ولا يجوز منحه الشرعية، بل يجب نبذه وتعرية خطورة توجهاته، ليس للانتقام أو العقاب، بل كضرورة تربوية وأخلاقية وتوجيهية يحتاجها هذه الأيام غالبية الناس لحفظ توازن المجتمع.

ولا يتوقف كثير من الفلسطينيين عن التساؤل: كيف يمكن لحزب فلسطيني، وهو حزب إسلامي انشق عن الحركة الإسلامية الأوسع المقاطعة للانتخابات، أن يفضّل التعاون والتحالف مع أحزاب صهيونية يمينية استيطانية، بدل التعاون والانضمام إلى ائتلاف واسع من الأحزاب الفلسطينية التي تستعد لخوض الانتخابات في قائمة واحدة؟ هل يعقل أن يسهل التفاهم مع المستعمر ويستحيل التلاقي مع الأخ؟ ولهذا تتعالى أصوات متعددة ترفض منحه شرعية، وتدعو إلى عزل هذا الحزب سياسيًا، ومحاصرة تداعيات هذا السلوك قبل أن يستفحل ويصبح من المستحيل تصويبه أو عكس أضراره إلا بعد قدوم جيل كامل.

مأزق على جانبي الخط الأخضر

وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، أعادت الدعوة إلى إجراء انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني إحياء مطلب مختلف، لكنه مرتبط بالمطلب السابق: تجديد الحياة السياسية، وتحقيق تمثيل ديمقراطي، وإنهاء حالة الجمود الطويلة التي أصابت المؤسسات السياسية الفلسطينية. لقد انخرط الفلسطينيون هناك، بأحزابهم وبنخبهم، في نقاش حول جدوى المشاركة في الانتخابات التي ستجري تحت شروط مقيدة أيضًا، قبل أن يُحسم النقاش ويتقرر تشكيل ائتلاف وطني معارض واسع لهذا الغرض. وليس لدى أحد اليقين بشأن مآلات هذه الانتخابات، أي إذا ما كانت ستحصل، وما إذا كان خوضها من المعارضة سيحدث تغييرًا ما، أو سيعيد إنتاج النظام السياسي ذاته، هذا إذا أُجريت أصلًا.

إن الظروف المؤسسية في فلسطين مختلفة بصورة عميقة؛ فالمواطنون الفلسطينيون في إسرائيل يعيشون تحت المواطنة الإسرائيلية، وباتت العلاقة مع هذه المواطنة عضوية وليست عابرة، ولكنهم يصوتون داخل المؤسسات السياسية لدولة تعلن نفسها دولة يهودية قامت على أنقاض فلسطين، التي هي وطنهم التاريخي، وتنكر عليهم المساواة القومية الجماعية، وتواصل التحريض ضدهم، بما في ذلك، في الآونة الأخيرة، التحريض ضد الأطباء والعاملين في المجال الصحي من الفلسطينيين في المستشفيات الإسرائيلية، فضلًا عن السياسات الاستعمارية الصارخة في النقب والجليل ومدن الساحل والمثلث، في الوقت الذي ترتكب فيه إبادة جماعية بحق شعبهم.

أما الفلسطينيون في الضفة الغربية، فيُطلب منهم انتخاب مؤسسات فلسطينية دون سيادة تعمل تحت الاحتلال والاستعمار، وفي ظل مخطط استيطاني ينفذ بعنف غير مسبوق، وقمع وحشي لأي شكل من الدفاع عن النفس. والأمرّ من ذلك، أنها تجري في ظل سلطة فاسدة تنصلت من مسووليتها الوطنية والتحررية.

ومع ذلك، فإن المعضلة السياسية التي تواجه كلا التجمعين الفلسطينيين ترتبط بسؤال أعمق: هل يمكن أن تصبح الانتخابات وسيلة لإحياء السياسة الفلسطينية من دون أن تؤدي إلى مزيد من ترسيخ تجزئة الشعب الفلسطيني، وترسيخ تجزئة الوعي؟ هذه هي المفارقة التي ينبغي أن تؤطر النقاش الانتخابي الفلسطيني، وذلك لمنع المزيد من تشظي الوعي بالمصير الواحد.

فبالنسبة إلى الفلسطينيين في كل جزء من فلسطين التاريخية، تستجيب الانتخابات بشكلها الحالي، وبصورة حتمية، لاحتياجات فورية وملموسة. ففي الداخل، يمكن للمشاركة أن توفر مساحة سياسية لمواجهة السياسات التمييزية، والدفاع عن حقوق الأرض والسكن، ومقاومة اليمين الفاشي الإبادي، وحماية الحريات المدنية، والتصدي للمخاطر الوجودية المتزايدة التي تواجه المجتمع الفلسطيني.

وفي الأراضي المحتلة عام 1967، يمكن للانتخابات أن توفر وسيلة لمواجهة الجمود السياسي والفساد المستشري، وتجديد القيادة، واستعادة المساءلة، ومنح الفلسطينيين صوتًا بعد سنوات فقدت خلالها مؤسساتهم السياسية بصورة متزايدة شرعيتها وصلتها بمشروع التحرر.

هناك رغبة شعبية راسخة في التخلص من السلطة الفلسطينية، وإنتاج قيادة فلسطينية بديلة قادرة على تبني مشروع تحرري، بدل الاستمرار في أداء دور المقاول لنظام الاستعمار والفصل العنصري. ويأتي قرار الانخراط في هذه الانتخابات، كما لاحظ مراقبون، بعد فشل أو عجز محاولات ومبادرات عديدة لإحداث التغيير من القاعدة إلى القمة عبر التعبئة الشعبية؛ سواء لمقاومة الاحتلال، أو تغيير وظيفة السلطة الفلسطينية، أو إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها، وتحويلها إلى مظلة تمثيلية لجميع الفلسطينيين، واستعادة دورها التوحيدي والتحرري.

ولا يمكن ببساطة تجاهل هذه الاحتياجات، ولا سيما الحاجة الملحة إلى وقف الإبادة في غزة وإعادة تأهيل سكانها، باسم إستراتيجية وطنية بعيدة المدى. فالمجتمعات التي تعيش في ظل ظروف قانونية وسياسية مختلفة تختبر الصراع بطرائق مختلفة، وتواجه أشكالًا مختلفة من الخطر، وأي سياسة تتجاهل هذه الاختلافات تخاطر بالانفصال عن واقع الحياة الفلسطينية.

لكنّ الخطر المقابل لا يقل خطورة

فإذا نظّم كل مجتمع فلسطيني حياته السياسية حصرًا حول ظروفه المباشرة، دون ربط ذلك بالظلم التاريخي الممارس ضد مجمل الشعب الفلسطيني، ودون أن يكون مسقوفًا برؤية تحررية شاملة، فقد تؤدي الانتخابات إلى ترسيخ التجزئة المفروضة على الشعب الفلسطيني تحديدًا. وقد يبدأ الفلسطينيون في أراضي 1948 بالنظر إلى أنفسهم بازدياد كمجرد أقلية قومية إسرائيلية تسعى إلى الحماية والمساواة؛ وقد ينظر الفلسطينيون في الضفة الغربية بقدر متزايد إلى مستقبلهم السياسي من خلال الإطار الضيق للسلطة الفلسطينية ومؤسساتها المقيدة؛ فيما يجري التعامل مع غزة والقدس والشتات باعتبارها قضايا سياسية منفصلة، بدل النظر إليها كأجزاء من نضال وطني واحد.

لذلك، فإن السؤال المركزي ليس ما إذا كانت لهذه المجتمعات احتياجات مختلفة، فهي بلا شك كذلك، وإنما السؤال هو: كيف يمكن تلبية هذه الاحتياجات من دون التضحية بالوعي السياسي بأننا ننتمي إلى شعب واحد، وأن تجزئة هذا الشعب تشكل في حد ذاتها عنصرًا مركزيًا في النظام الاستعماري؟

وهذا يضع أمام السياسة الفلسطينية سلسلة من الأسئلة الصعبة التي لم يعد بالإمكان تجنبها:

هل يمكن للانتخابات داخل إسرائيل والانتخابات في الأراضي المحتلة أن تساعد في إعادة وصل الحركة الوطنية الفلسطينية، أم أنها ستعمق الانقسامات المؤسسية والسياسية بين أجزائها المختلفة؟

كيف يستطيع كل مجتمع فلسطيني استخدام الفرص السياسية المتاحة له لمواجهة أخطاره المباشرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أفق وطني مشترك؟

كيف يمكن للفلسطينيين التوفيق بين الحاجة إلى تدخل سياسي عملي، والحاجة إلى الحفاظ على إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى التحرر من بنى الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري والعنف الإبادي؟

وربما الأهم من ذلك كله: كيف يمكن للسياسة الانتخابية أن تخدم إعادة بناء السياسة الوطنية التحررية الفلسطينية، بدل أن تصبح آلية أخرى يُحكم من خلالها على الشعب الفلسطيني باعتباره مجموعات منفصلة؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة في لحظة يتّسم فيها النظام السياسي الفلسطيني القائم بتجزئة كارثية عميقة، فيما تزداد الدولة الإسرائيلية الإبادية قمعًا. فقد كشفت الحرب الإبادية في غزة، وتوسع عنف المستوطنين والجيش الإبادي في الضفة الغربية، وتصاعد القمع السياسي داخل إسرائيل، واستمرار استبعاد ملايين اللاجئين الفلسطينيين، حدودَ إطار سياسي يتعامل مع الفلسطينيين وفق تصنيفات جغرافية وقانونية منفصلة، لكنّ هذه الظروف نفسها تجعل السياسة الانتخابية أكثر تعقيدًا.

فبالنسبة إلى الفلسطينيين الذين يواجهون خطرًا مباشرًا، لا يمكن ببساطة رفض المشاركة السياسية باعتبارها تعاونًا أو استيعابًا. ففي بعض الظروف، يوفر التصويت والتمثيل البرلماني والتنظيم السياسي أدوات لا غنى عنها للدفاع عن المجتمعات والحفاظ على المجال السياسي.

وفي الوقت نفسه، تصبح المشاركة خطرة سياسيًا عندما تتحول إلى غاية في حد ذاتها؛ أي عندما يبدأ الفلسطينيون في قياس النجاح السياسي بقدرتهم على التأثير في ائتلاف إسرائيلي أو إدارة مؤسسات فلسطينية محدودة، بدلًا من قياسه بقدرتهم على تحدي البنى التي تنتج اقتلاعهم وإخضاعهم.

لذلك، لا يمكن اختزال المأزق الانتخابي الفلسطيني في ثنائية المشاركة مقابل المقاطعة. إن المعضلة الأعمق تكمن في الاختيار بين سياسة تدير التجزئة، وسياسة تسعى إلى تجاوزها.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة لأن الانفصال الظاهري بين الساحتين الانتخابيتين الإسرائيلية والفلسطينية يخفي واقعًا جغرافيًا واحدًا. فمن نهر الأردن إلى البحر المتوسط، يعيش الفلسطينيون في ظل أنظمة قانونية مختلفة، ولكن ضمن بنية استعمارية متوحشة شاملة. وقد جرى تقسيمهم إلى مواطنين في إسرائيل، ومقيمين في القدس، وفلسطينيين يعيشون تحت الاحتلال في الضفة الغربية، وسكان في غزة يعيشون في ظل الدمار والحصار، وملايين اللاجئين خارج وطنهم.

إن التجزئة حقيقية، والاختلافات أو الخصوصيات بين هذه المجتمعات حقيقية، واحتياجاتها السياسية ومخاطرها المباشرة حقيقية، لكنّ العلاقة التاريخية والوطنية بينها حقيقية أيضًا.

ومن ثم، فإن التحدي أمام السياسة الفلسطينية لا يتمثل في إنكار هذه الاختلافات أو الخصوصيات باسم وحدة مجردة، ولا في السماح لهذه الخصوصيات بتدمير فكرة الشعب الفلسطيني الواحد؛ وإنما يتمثل في تطوير إطار سياسي جامع تحرري، قادر على فعل الأمرين في الوقت نفسه: الاستجابة بجدية للظروف الخاصة بكل مجتمع، والحفاظ على وعي وطني مشترك وأفق استراتيجي موحد، هذا هو الاختبار الحقيقي للدورات الانتخابية المقبلة.

فالسؤال ليس فقط من سيفوز بالمقاعد، أو أي أحزاب ستشكل ائتلافات، أو ما إذا كانت نسبة المشاركة سترتفع أم تنخفض، على أهمية ذلك، بل إن السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الانتخابات يمكن أن تتحول إلى مناسبة لإعادة بناء الفاعلية السياسية الفلسطينية عبر الخط الأخضر، أم أنها ستؤدي إلى مزيد من ترسيخ تجزئة السياسة الفلسطينية، والمزيد من تشظي الوعي؟

قد يكون صندوق الاقتراع ضروريًا في ظل ظروف نظام عنصري متوحش، وقد يكون مفيدًا جدًا في بعض الأحيان، لكن لا يجوز السماح له بأن يحدد حدود الخيال السياسي الفلسطيني.

أما السؤال الإستراتيجي، فهو ما إذا كان الفلسطينيون قادرين على دخول هذه الساحات الانتخابية المختلفة من دون أن يفقدوا رؤية النضال الأوسع: النضال من أجل تفكيك بنى الهيمنة الاستعمارية، وبناء مستقبل سياسي لا يعود فيه الشعب الفلسطيني مقسمًا إلى مجموعات منفصلة يحدد النظام الذي جزأها في الأصل آفاقها السياسية، بل نجدد من خلالها الوعي التحرري، والوعي بوحدة الوطن والشعب والقضية.

إن الطموح الطبيعي هو أن تجري انتخابات واحدة غير مجزأة وحرة بين البحر والنهر، في وطن محرر من الاستعمار، لا يفرق بين البشر على أساس العرق والدين والقومية. إنه الحلم الذي لا يجوز أن نتخلى عنه للحظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب