عربي دولي

عمار بلاني يرد على المرزوقي: الجزائر غير مسؤولة عن “الموت السريري” للاتحاد المغاربي والبحث عن منفذ إلى الأطلسي خدعة مغربية

عمار بلاني يرد على المرزوقي: الجزائر غير مسؤولة عن “الموت السريري” للاتحاد المغاربي والبحث عن منفذ إلى الأطلسي خدعة مغربية

الجزائر- : ردّ السفير الجزائري السابق عمار بلاني على التصريحات التي أدلى بها الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي في حوار مع صحيفة “القدس العربي”، معتبراً أن مواقفه بشأن الجزائر تعكس، بحسبه، “خدمة للسردية المغربية” ومحاولة لإعادة كتابة التاريخ.

وفي مقال موسع نشره على حساباته على مواقع التواصل، اتهم عمار بلاني وهو الأمين العام السابق للخارجية الجزائرية وأحد أبرز المتدخلين في ملف العلاقات الجزائرية المغربية، المرزوقي باللجوء إلى عبارات “تبسيطية وتقريبية”، وإلى “ادعاءات مضللة وكاذبة بشكل واضح” في بعض الأحيان، داعياً إلى تمحيص تصريحاته في ضوء الوقائع التاريخية والسياق الإقليمي.

وفي هذا السياق، توقف بلاني عند ما وصفه بالارتباطات الشخصية للمرزوقي بالمغرب، قائلاً إن المغرب “ليس بالنسبة إليه دولة أجنبية كبقية الدول”، إذ يعتبره، “بلده الثاني”، وهو البلد الذي نشأ فيه وتابع دراسته فيه ويوجد فيه قبر والده.

وأضاف أن هذا الارتباط العاطفي والعائلي يضاف إليه، بحسبه، “علاقات وثيقة وقديمة مع دوائر سياسية فرنسية نافذة”، قال إنها تمارس، باسم مقتضيات مصلحة الدولة، تدخلاً معروفاً في الشؤون الداخلية لبعض بلدان المغرب العربي التي اختارت مسارا سياديا مستقلا.

وتساءل بلاني، انطلاقا من ذلك، عن مدى حياد المرزوقي عندما يقدم نفسه مدافعا عن الموقف المغربي في النزاعات التي تجمعه بالجزائر. كما توقف عند استشهاد المرزوقي بجوزيف غوبلز للرد على سؤال طرحه الوزير السابق عبد العزيز رحابي بشأن تعدد ولاءاته، ولا سيما فيما يتعلق بمسألة التجنيس، معتبرا أن ذلك “يكشف الكثير عن ارتباك دفاعه وعن انعدام الثقة الذي يتبدى خلف هذا الرد المفرط والمبالغ فيه”.

“الموت السريري”

وبشأن الصحراء الغربية واتحاد المغرب العربي، رفض بلاني تحميل الجزائر مسؤولية “الموت السريري” للاتحاد، وقال إن ذلك “لا يعدو أن يكون تلاعباً مضللاً تكذبه الوقائع بصورة قاطعة”.

وأوضح أن المملكة المغربية هي التي وجهت، عبر وزير خارجيتها آنذاك عبد اللطيف الفيلالي، في 20 كانون الأول/ ديسمبر 1995، رسالة رسمية إلى الجزائر، التي كانت تتولى حينها رئاسة الاتحاد، طلبت فيها صراحة “تجميد أنشطة ومؤسسات الاتحاد”. وخلص إلى أن الرباط، وليس الجزائر، هي التي بادرت إلى تعليق عمل المؤسسات المغاربية، ليتحول الاتحاد منذ ذلك الحين إلى “مجرد هيكل مؤسساتي فارغ”.

وفيما يتعلق بإغلاق الحدود البرية بين الجزائر والمغرب، دعا بلاني إلى استعادة تسلسل الأحداث الذي قال إن المرزوقي يتعمد حجبه. وذكر أنه في أغسطس 1994، غداة الاعتداء الذي استهدف فندق أطلس أسني في مراكش، فرض المغرب من جانب واحد نظام التأشيرة على المواطنين الجزائريين، وكذلك على مزدوجي الجنسية الفرنسية الجزائرية، مشيرا إلى أن وزارة الخارجية الفرنسية أدانت آنذاك هذه الإجراءات التي وصفها بالتمييزية.

وأضاف أن عددا كبيرا جدا من الجزائريين الموجودين في المغرب تعرضوا، خلال الأيام التي تلت القرار، لما وصفه بـ”أقصى أشكال الإهانة والمضايقات”، من طرد قسري من الفنادق وعمليات تفتيش مهينة ومعاملات تمييزية، معتبرا أن هذه الوقائع تركت أثرا عميقا في الذاكرة الجماعية الجزائرية.

وقال إن الجزائر، “في رد فعل على هذا التسلسل من الإجراءات الأحادية والاتهامات المجانية والمسيئة”، اتخذت في سبتمبر 1994 قرار إغلاق حدودها البرية مع المغرب.

كما أشار إلى أن وزير الداخلية الفرنسي آنذاك، شارل باسكوا، أكد علناً، بعد بضعة أشهر من تلك الأحداث، أن مدبري ومنفذي اعتداء مراكش كانوا جميعاً ينتمون إلى “حركة الشباب الإسلامي المغربي”، المعروفة أيضاً باسم “الشبيبة الإسلامية”، ووصفها بأنها منظمة ذات انتماء مغربي محض. واعتبر بلاني أن هذه المعلومة، التي جاءت من باريس وليس من الجزائر، “تسقط بأثر رجعي الأساس الذي قامت عليه الاتهامات الأولية”، والتي اتخذت ذريعة لفرض نظام التأشيرات ثم إغلاق الحدود.

وتطرق بلاني كذلك إلى قمة اتحاد المغرب العربي التي أُجهضت سنة 2012، معتبراً أن المرزوقي يستحضر ظروفها “بكل انتقائية”. وقال إن الرئيس التونسي الأسبق، بتكليف من ملك المغرب، سعى إلى فرض عقد قمة للاتحاد، لكنه كان يقر، بحسب بلاني، في الاجتماعات الدبلوماسية المغلقة بأنها لا تستند إلى تحضير جدي أو جدول أعمال ذي مضمون حقيقي، وأنها كانت ستقتصر أساساً على “صورة عائلية” تجمع القادة.

ووصف بلاني الأمر بأنه “مجرد ديكور بروتوكولي”، لم يكن هدفه، بحسبه، إعادة إطلاق مشروع مغاربي يحتضر بقدر ما كان تمكين صاحبه من الحصول على الفضل الرمزي في “جمع” رؤساء الدول.

وأضاف أن الهدف الآخر غير المعلن كان تسويق عرض يقوم على اقتراح منح الجزائر منفذاً إلى المحيط الأطلسي مقابل قبولها بالخطة المغربية للحكم الذاتي، معتبراً أن ذلك كان يعني تحويل قضية مبدئية إلى “مجرد مساومة جيوسياسية”.

وقال بلاني إنه كان حينها الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، وإن السلطات الجزائرية ردت على هذا المسعى بالرفض المعلل. وأوضح أن الموقف الجزائري كان يقضي بأن إعادة إطلاق حقيقية لاتحاد المغرب العربي لا يمكن اختزالها في استعراض بروتوكولي، بل تتطلب عملاً جدياً حول الأولويات الهيكلية، وفي مقدمتها تحقيق التكامل بين الاقتصادات المغاربية، والاستغلال العقلاني للتكاملات بين البلدان الخمسة، وبناء بنى تحتية مشتركة لتجسيد فضاء إقليمي مندمج تتطلع إليه الشعوب منذ 1989.

وأكد أن ذلك كان يتطلب، قبل كل شيء، التزاما لا رجعة فيه من المملكة المغربية بالفصل نهائيا بين معالجة العلاقات الجزائرية المغربية وإعادة إطلاق المسار المغاربي من جهة، وتسوية قضية الصحراء الغربية من قبل الهيئات الأممية المختصة من جهة أخرى.

وتحدث بلاني أيضا عن إعلان المرزوقي، من دون تشاور مسبق مع الجانب الجزائري، أن التونسيين والجزائريين سيكون بإمكانهم التنقل بين البلدين بمجرد تقديم بطاقة الهوية، واصفا ذلك بأنه “إعلان مثير بقدر ما كان غير مسؤول”، اضطر الجانب الجزائري إلى تصحيحه بحزم.

وأوضح أن حرية التنقل بين دولتين ذات سيادة تمس صلاحيات سيادية أساسية تشمل الأمن ومراقبة الحدود والمعاملة بالمثل في العلاقات الدبلوماسية، ولا يمكن حسمها، بحسبه، عبر تصريح أحادي الجانب وديماغوجي حول ما سمي بـ”الحريات الخمس”.

وأضاف أن هذا الارتجال ظهر أيضا في مناسبات أخرى وعلى المستوى البروتوكولي خلال جولة المرزوقي المغاربية، مستشهداً بمؤتمره الصحافي في الرباط، حيث طرح، في حديثه عن قضية الصحراء الغربية، بصورة ملتوية عرضاً للوساطة بين الجزائر والرباط.

وقال إن الجانب الجزائري رد فوراً برفض العرض، وإن الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية وصف فكرة الوساطة بأنها “مجرد وهم، إن لم نقل فكرة عبثية، لأن جميع قنوات الاتصال مفتوحة أصلاً بين بلدين شقيقين”.

كما ذكّر بأن مسألة إعادة فتح الحدود الجزائرية المغربية تدخل ضمن صلاحية سيادية محضة، يفترض أن تندرج، في الوقت المناسب، ضمن مسار التهدئة الثنائية، معتبراً أن ذلك كان يعني بوضوح أن محاولة وساطة تونسية في هذا الملف لم تكن موضع ترحيب.

وقال بلاني إن هذا “الاندفاع المرتبك” أسهم في إفشال محادثات كانت جارية آنذاك، وكانت قد قطعت أشواطاً جدية بمبادرة من الجزائر، مضيفاً أن المرزوقي يتحمل، وفق تقديره، “مسؤولية مباشرة عن إفشال نافذة دبلوماسية يدعي اليوم أنه يأسف لإغلاقها”.

وفيما يخص اللاجئين الصحراويين في تندوف، رفض بلاني وصفهم بأنهم “محتجزون”، معتبراً أن المرزوقي يرتكب بذلك “تزويراً خطيراً” ويتبنى السردية المغربية وعناصر خطاب السلطات المغربية.

وقال إن هذه الصياغة تمحو الظروف التاريخية لنزوح الصحراويين بعد سنة 1975، مذكراً بأن عشرات الآلاف منهم فروا من المعارك والقصف المغربي، وأن عدة مصادر تاريخية وثقت استخدام النابالم والفوسفور الأبيض ضد السكان الصحراويين.

وأضاف أن فرارهم نحو الجزائر كان أحد العناصر المؤسسة لقضية لاجئي تندوف، معتبراً أن تبني المرزوقي للمصطلحات الرسمية المغربية يظهر، بحسبه، “قدراً من التماهي والخضوع يكشف الكثير عن تبعيته للسلطات المغربية”.

كما رفض تقديم وجود اللاجئين الصحراويين في تندوف باعتباره “استغلالاً” لمعاناتهم من جانب الجزائر، وقال إن ذلك يتجاهل حقيقة أن المخيمات قائمة لأن استفتاء تقرير المصير، الذي وعد به منذ خطة التسوية لعام 1991، لم يُنظم حتى اليوم. واعتبر أن الواقع القائم يخدم قبل كل شيء “القوة التي تسيطر على الإقليم المتنازع عليه”.

المنفذ على الأطلسي

وعاد بلاني إلى مسألة الوصول إلى المحيط الأطلسي، مؤكداً أن الجزائر، “وهي أكبر دولة إفريقية من حيث المساحة، وقوة وازنة في العالم العربي، وفاعل لا غنى عنه في الفضاء المتوسطي”، لم تطلب قط، على أي مستوى من مستويات جهازها السياسي أو الدبلوماسي، منفذاً إلى المحيط الأطلسي.

ووصف فكرة عرض منفذ أطلسي مقابل قبول الخطة المغربية للحكم الذاتي بأنها “خدعة” قال إن السلطات المغربية اختلقتها من العدم وروجت لها بعض المنابر الإعلامية “بتواطؤ واضح”، معتبراً أنها تهدف إلى زرع الشك في ثبات الموقف الجزائري بشأن الدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وهو الحق الذي قال إنه كرسته ميثاق الأمم المتحدة وأكده الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975.

وأضاف أن الإيحاء بأن الجزائر مستعدة للمساومة على هذا المبدأ مقابل مكسب إقليمي أو اقتصادي يستهدف تشويه التزام قال إنه لم يتغير منذ استقلال الجزائر، أمام الرأي العام الوطني والدولي.

وختم بلاني رده بالقول: “من الأفضل للمرزوقي أن يدير لسانه سبع مرات في فمه قبل أن يتحدث عن الجزائر”، مضيفاً أن بعض الادعاءات تتطلب أكثر من “العبارات الجاهزة والاختصارات السياسية”، بل تتطلب احترام الوقائع والتاريخ وتعقيدات الواقع المغاربي.

خلفية الجدل

وكان الوزير الجزائري السابق عبد العزيز رحابي قد أثار جدلا بمقال له ذكر فيه أن الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي، أضاع على تونس فرصة تاريخية للانتقال الديمقراطي بعد سقوط نظام بن علي، متهماً إياه بتوظيف طاقة تونس ومواردها في مهام دبلوماسية أوكلتها فرنسا والمغرب، بما تجاوز، بحسبه، مكانته وخالف الحياد الإيجابي التونسي تجاه قضية الصحراء الغربية منذ 1975. كما أشار إلى تحرك المرزوقي عام 2014 لعقد قمة مغاربية، قال إن مقترحها تضمن ربط دعم الحكم الذاتي المغربي بمنح الجزائر منفذاً إلى الأطلسي.

ودفع ذلك المرزوقي إلى الرد، متهما السياسة الجزائرية بأنها تسببت في “الموت السريري” للاتحاد المغاربي، وزادت الفقر والمعاناة، محذراً من خطر التصعيد بين الجزائر والمغرب.

ودافع المرزوقي عن مقترحه منح الجزائر منفذاً إلى المحيط الأطلسي، معتبراً أنه جزء من “مصالحة تاريخية”، وقال إنه سعى سنة 2012 إلى عقد اجتماع للدول المغاربية الخمس، لكن الجزائر رفضت. كما اتهم السلطات الجزائرية، خلال فترة رئاسته، بوضع “فيتو” على الثورة الديمقراطية في تونس وعلى شخصه، وبعرقلة أي حل تصالحي مع المغرب.

“القدس العربي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب