مقالات

معركة الدين والعلمانية من يملك حق السيطرة على الإنسان؟ بقلم زكريا نمر -السودان –

بقلم زكريا نمر -السودان -

معركة الدين والعلمانية من يملك حق السيطرة على الإنسان؟
بقلم زكريا نمر -السودان –
ليست ازمة المجتمعات العربية في وجود الدين، ولا في ظهور العلمانية، وانما في الطريقة التي تحولت بها العلاقة بينهما الى صراع على المجتمع والدولة. ومن السهل اختصار المشهد في عبارة جاهزة: الاسلاميون يريدون دولة دينية، والعلمانيون يريدون اقصاء الدين. لكن هذه الصيغة تخفي السؤال الاهم: من يملك حق تحديد شكل الدولة، ومن يقرر حدود الدين في السياسة، ومن يملك سلطة تعريف المقبول والمرفوض في حياة الناس؟ اطروحتي هنا واضحة: الصدام بين التنظيمات الاسلامية والتيارات العلمانية في العالم العربي ليس خلافا عقائديا فقط، بل هو صراع على السلطة والشرعية والمجال العام، ويتحول الى ازمة حين يحاول اي طرف تحويل رؤيته الخاصة الى قاعدة ملزمة للجميع.
العلمانية في اصلها السياسي لا تعني بالضرورة الالحاد ولا تعني طرد الدين من المجتمع. جوهرها ان الدولة لا ينبغي ان تكون ملكا لعقيدة واحدة، وان المواطن لا يفقد حقوقه بسبب دينه او مذهبه او موقفه الفكري. لكن هذا المفهوم تعرض لتشويه من الطرفين. بعض التنظيمات الاسلامية قدمت العلمانية كأنها مشروع للقضاء على الاسلام، وبعض العلمانيين تعاملوا مع التدين الشعبي كأنه بقايا تاريخية يجب التخلص منها. وفي الحالتين ضاع المواطن بين خطابين يريد كل واحد منهما ان يحدد له كيف يفكر.
المشكلة تبدأ عندما ينتقل الدين من مساحة الاعتقاد الى ادعاء امتلاك الدولة. الايمان شأن شخصي، اما السلطة فهي شأن عام. وحين يقول حزب سياسي للناس ان برنامجه يمثل الدين، يصبح خصمه في موقف صعب هل يعارض البرنامج ام يعارض الدين؟ هنا تستخدم القداسة كدرع سياسي. وهذه واحدة من اخطر مشكلات الاسلام السياسي تحويل الخلاف السياسي الى خلاف ديني، وتحويل المعارضة من حق سياسي الى شبهة اخلاقية او عقائدية.لكن الخطأ المقابل لا يقل خطورة. حين يتعامل بعض العلمانيين مع كل حضور للدين في المجتمع باعتباره خطرا، يتحول الدفاع عن حياد الدولة الى محاولة للسيطرة على المجتمع. ليس من حق الدولة ان تجبر شخصا على التدين، وليس من حقها ايضا ان تجبره على اخفاء دينه. العلمانية التي تمنع المواطن من ممارسة معتقده لا تحمي الحرية؛ انها تستبدل وصاية بوصاية.التجربة المصرية بعد 2011 تكشف حجم المشكلة. صعدت جماعة الاخوان المسلمين سياسيا بعد سقوط حسني مبارك، وفاز حزب الحرية والعدالة بعدد كبير من مقاعد البرلمان، ثم وصل محمد مرسي الى الرئاسة في 2012. لم يكن الصراع حول الحكومة فقط، بل حول شكل الدولة وموقع الشريعة والهوية الدينية في الدستور. دستور 2012 نص على ان الاسلام دين الدولة وان مبادئ الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهو ما اعتبرته قوى اسلامية تعبيرا عن هوية المجتمع، بينما خافت قوى ليبرالية وعلمانية ومسيحية من استخدام هذه المرجعية لتقييد بعض الحقوق والحريات. الخلاف كشف ان المشكلة لم تكن في وجود الدين داخل المجتمع، بل في تحويل مرجعية الاغلبية الدينية الى سؤال عن حقوق الجميع.لكن التجربة المصرية كشفت شيئا اخر: سقوط نظام استبدادي لا يعني تلقائيا ظهور نظام ديمقراطي مستقر. عندما تكون المؤسسات ضعيفة، يصبح الصراع على الهوية اكثر حدة، ويصبح الدين والعلمانية ادوات في معركة السلطة. وفي النهاية لا يستطيع اي طرف بناء دولة مستقرة اذا تعامل مع نصف المجتمع باعتباره خصما يجب اقصاؤه.
تونس قدمت مسارا مختلفا. حركة النهضة دخلت الحياة السياسية بعد الثورة، وشاركت في ائتلافات مع قوى علمانية، وظهر في دستور 2014 الجمع بين النص على الاسلام كدين للدولة والتأكيد على مدنية الدولة والمواطنة وحرية الضمير والمعتقد. التجربة لم تكن خالية من الصراع، لكنها اثبتت ان الاسلامي والعلماني يستطيعان التفاوض عندما يقتنع الطرفان بان الدولة ليست غنيمة سياسية. المشكلة تبدأ عندما يصبح التوافق مجرد هدنة مؤقتة ينتظر كل طرف بعدها فرصة الغاء الطرف الاخر.المرأة كانت ولا تزال واحدة من اكثر ساحات الصراع حساسية. النقاش حول الحجاب والميراث والزواج والطلاق والحضانة تحول في كثير من الاحيان الى اختبار للهوية. الاسلامي يرى في بعض القضايا دفاعا عن الشريعة، والعلماني يرى فيها دفاعا عن المساواة. لكن المرأة نفسها تضيع وسط هذا الصراع عندما يصبح جسدها وملابسها وحياتها الخاصة مادة للمزايدة السياسية. لا يجوز لاحد ان يجبر امرأة على ارتداء الحجاب باسم الدين، كما لا يجوز لاحد ان يجبرها على خلعه باسم العلمانية. الحرية تفقد معناها عندما يقرر المجتمع شكلها نيابة عن صاحبها.والامر نفسه ينطبق على الفن. حين يرى تيار ديني ان عملا فنيا يسيء الى معتقده، فله الحق في الاعتراض والنقد والمقاطعة. لكنه لا يملك حق تحويل اعتراضه الى عنف. وفي المقابل، حرية الفنان لا تعني ان المجتمع مطالب بالتصفيق لكل ما يقدمه. يمكن رفض العمل اخلاقيا وفنيا دون تحويل الرفض الى قمع. الدولة مطالبة هنا بحماية القانون لا بحراسة مشاعر جماعة واحدة.
المسجد ايضا يمكن ان يتحول الى اداة سياسية عندما تستخدم المنابر لتوجيه الناخبين نحو حزب او مرشح باسم الدين. في هذه اللحظة لا يعود الامر دعوة دينية، بل يصبح استغلالا للثقة الدينية في المنافسة السياسية. المتدين له كامل الحق في تأسيس حزب والمشاركة في الانتخابات، لكن حزبه يجب ان يخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها الحزب العلماني. لا عصمة سياسية لبرنامج لانه يحمل مرجعية دينية.وفي الجانب الاخر، لا ينبغي ان تتحول العلمانية الى امتياز سياسي. الحزب العلماني ليس اكثر ديمقراطية لمجرد انه علماني. قد يكون ديمقراطيا وقد يكون مستبدا. وقد يكون الحزب الديني ديمقراطيا في بعض ممارساته وقد ينزلق الى الاستبداد في ممارسات اخرى. المعيار هو احترام القانون والحريات وحقوق الخصوم، لا الاسم الذي يضعه الحزب على نفسه.تظهر ازمة المثقف العربي. بعض المثقفين الاسلاميين يكتبون عن الحرية ثم يخافون من نقد المقدس، وبعض المثقفين العلمانيين يتحدثون عن التنوير ثم يمارسون احتقارا طبقيا وثقافيا تجاه المتدينين. كلاهما قد يستخدم المعرفة كسلاح اجتماعي. الفارق بين المثقف الحقيقي والداعية الايديولوجي ليس في عدد الكتب التي قرأها، بل في قدرته على مراجعة نفسه عندما يواجه فكرة لا تعجبه.الفلسفة مهمة هنا لانها لا تمنح احدا حصانة. نيتشه هاجم القيم التي تتحول الى اصنام، وفوكو بحث في العلاقة بين المعرفة والسلطة، وسيوران شكك في قدرة الانسان على التخلص من اوهامه. هذه الافكار لا تقول لنا ماذا نؤمن، لكنها تدفعنا الى سؤال اكثر ازعاجا هل ندافع عن الحقيقة، ام ندافع عن حاجتنا النفسية الى امتلاكها؟وهذه النقطة تكشف جوهر المشكلة. بعض الاسلاميين لا يريدون فقط ان يعيشوا دينهم، بل يريدون ان تصبح رؤيتهم للدين قانونا عاما. وبعض العلمانيين لا يريدون فقط حياد الدولة، بل يريدون احيانا تحويل العلمانية الى معيار لتحديد من هو المتحضر ومن هو المتخلف. في الحالتين توجد رغبة في تصنيف الناس والسيطرة عليهم.
المجتمع العربي لا يحتاج الى معركة جديدة بين مؤمنين وعلمانيين. يحتاج الى دولة تعرف حدودها. الدولة التي تدخل في عقيدة المواطن تتحول الى سلطة على الضمير، والدولة التي تسمح لجماعة دينية باحتكار التشريع تتحول الى سلطة على المختلف، والدولة التي تستخدم العلمانية لقمع الدين تفعل الشيء نفسه بلغة اخرى.المطلوب ليس الغاء الدين من المجتمع ولا تسليم المجتمع للدين السياسي. المطلوب بناء مجال عام يستطيع فيه المسلم والمسيحي واللاديني والمحافظ والليبرالي واليساري ان يعيشوا كمواطنين متساوين. قد يختلفون في تفسير الحياة والموت والاخلاق، لكنهم لا يختلفون حول حق بعضهم في الوجود.و يجب ان نكون اكثر قسوة في نقد الطرفين: الذي يريد فرض الدين بالقوة لا يدافع عن الدين بقدر ما يستخدمه للوصول الى السلطة. والذي يريد اقتلاع الدين من المجال الاجتماعي لا يدافع بالضرورة عن العقل بقدر ما يمارس وصاية جديدة. كلاهما يريد انسانا مصمما على مقاسه.
الحداثة ليست ان تخلع دينك، وليست ان ترفع شعار العلمانية. الحداثة ان تستطيع ان ترى انسانا يختلف عنك دون ان تعتبر وجوده مشكلة. والعقلانية ليست ان تنتصر في النقاش، بل ان تكون مستعدا لاكتشاف خطئك. والحرية ليست ان تقول ما تريد فقط، بل ان تقبل ان يعيش بجوارك شخص يعتقد عكس ما تعتقد.
لهذا فالسؤال الحقيقي ليس: هل نريد دولة اسلامية ام علمانية؟ السؤال اكثر صعوبة هل نستطيع بناء دولة لا تمنح اي جماعة حق امتلاك الحقيقة السياسية وحدها؟ اذا كانت الاجابة نعم، يصبح الدين جزءا من المجتمع دون ان يتحول الى اداة لاحتكار الدولة، وتصبح العلمانية وسيلة لحماية التعدد دون ان تتحول الى عقيدة تقمع التدين. ليست في المسلم ولا في العلماني. المشكلة في الانسان حين يحصل على سلطة يعتقد معها ان اختلاف الاخر خطأ يجب اصلاحه. عندها يتحول الدين الى سلطة، والعلمانية الى سلطة، والثقافة الى سلطة، ويصبح المجتمع كله سجنا كبيرا يتنافس فيه السجانون على مفاتيح الابواب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب