سوريا ليست دولة مخطوفة، بل دولة تحاول النهوض من ركام الأسد.

سوريا ليست دولة مخطوفة، بل دولة تحاول النهوض من
ركام الأسد.
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.
إن تزايد حوادث الخطف والقتل والفلتان الأمني في سوريا
يثير قلقاً مشروعاً لدى المواطنين، ويستدعي وقفة جادة من
الدولة والمجتمع والقوى السياسية والثقافية. فلا يمكن لأي
إنسان أن يقلل من خطورة هذه الجرائم، أو يتجاهل معاناة
الأسر التي تجد نفسها أمام مأساة الاختطاف والتهديد
والابتزاز، في وقت يعاني فيه السوريون أصلاً من الفقر
وضيق العيش وآثار الحرب المدمرة.
لكن هل يكفي تزايد هذه الحوادث للقول إن سوريا دولة
مخطوفة؟ وهل يمكن تقييم واقع البلاد الراهن بمعزل عن
تاريخ طويل من الاستبداد والحرب والدمار، وعن حجم
التحديات التي تواجه الإدارة السورية الجديدة في بداية عهد
مختلف؟.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي النظر إلى الواقع
السوري بموضوعية، بعيداً عن التهويل من جهة، والتبرير
غير المشروط من جهة أخرى.
من الاستبداد إلى الحرب والدمار.
عاشت سوريا عقوداً طويلة تحت حكم حزب البعث البائد،
وفي ظل نظام الأسدين الذي كرّس الاستبداد، وخنق
الحريات، وأغرق قطاعات واسعة من الشعب في الفقر
والحرمان والتهميش. ولم تنجح البلاد خلال تلك العقود في
تحقيق التنمية التي تليق بإمكاناتها ومواردها، كما حُرم
المواطن السوري من حقوق سياسية ومدنية أساسية.
وحين انتفض السوريون مطالبين بالحرية والعدالة
الاجتماعية والعيش الكريم، واجه نظام بشار الأسد
احتجاجاتهم بقمع دموي، قبل أن تدخل البلاد في حرب
مدمرة أزهقت أرواح أعداد هائلة من السوريين، وشرّدت
الملايين، ودمّرت المدن والقرى، وأضعفت مؤسسات
الدولة، وألحقت بالاقتصاد والمجتمع خسائر فادحة.
وبعد سنوات طويلة من المعاناة، انتهى حكم الأسد في
ديسمبر 2024، إثر هجوم قادته فصائل المعارضة المسلحة،
لتبدأ سوريا مرحلة سياسية جديدة، محمّلة بآمال كبيرة
وتحديات لا تقل جسامة عن تطلعات شعبها.
ومن هنا، فإن الحديث عن حوادث الخطف والقتل اليوم لا
ينبغي أن ينفصل عن هذه الخلفية التاريخية. فالإدارة الجديدة
لم تتسلم بلداً مستقراً ومؤسسات مكتملة وقادرة على أداء
وظائفها بصورة طبيعية، بل ورثت دولة أنهكتها الحرب،
ومجتمعاً عانى التهجير والفقر والانقسام، وواقعاً أمنياً
يحتاج إلى إعادة تنظيم وبناء.
هل تتحول الصعوبات الأمنية إلى دليل على أن الدولة
مخطوفة؟.
إن وصف سوريا بأنها «دولة مخطوفة» تعبير سياسي ثقيل،
يوحي بأن الدولة فقدت إرادتها وأصبحت رهينة قوى أخرى.
ولذلك، فإن إطلاق هذا الحكم يحتاج إلى أدلة ومعطيات أوسع
من مجرد الإشارة إلى حوادث إجرامية، مهما بلغت
خطورتها.
فوجود الجريمة لا يعني بالضرورة أن الدولة أصبحت
مخطوفة، مثلما أن الاعتراف بصعوبة المرحلة لا يعني أن
البلاد تسير بالضرورة نحو الاستقرار. المعيار الحقيقي هو
قدرة مؤسسات الدولة على فرض القانون، وحماية
المواطنين، وملاحقة مرتكبي الجرائم، ومحاسبة كل من
يستغل سلطته أو موقعه للإضرار بالناس.
إن سوريا اليوم أمام مهمة شاقة تتمثل في استعادة سلطة
المؤسسات القانونية، وتوحيد المرجعية الأمنية، وتعزيز
استقلال القضاء وفاعليته، وبسط سلطة الدولة على كامل
أراضيها. وهذه مهام لا يمكن إنجازها بين ليلة وضحاها،
لكنها في الوقت نفسه ليست أهدافاً يجوز تأجيلها إلى أجل
غير معلوم.
فالمواطن السوري الذي عانى الخوف والحرمان طوال عقود
لا يريد أن يستبدل خوفاً بخوف، ولا أن ينتقل من مرحلة
ينتظر فيها الخلاص من الاستبداد إلى مرحلة يقلق فيها على
حياته وحياة أبنائه بسبب الفلتان الأمني.
مسؤولية الدولة قائمة، مهما كانت صعوبة المرحلة.
إن الدفاع عن حق الإدارة السورية الجديدة في الوقت اللازم
لبناء مؤسسات الدولة لا يعني إعفاءها من مسؤولياتها، كما
أن مطالبتها بالتحرك العاجل لمواجهة الجرائم لا تعني تجاهل
الظروف الاستثنائية التي ورثتها.
فالدولة مسؤولة بالدرجة الأولى عن حماية المواطنين،
وعليها اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الخطف والقتل
والابتزاز، وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
كما أن عليها أن تعمل على منع التجاوزات، ومحاسبة
المتورطين فيها أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً ألا نطالب الإدارة الجديدة
بإصلاح كل ما دمرته عقود الاستبداد وسنوات الحرب في
أشهر قليلة، وألا نحاكم تجربتها بأحكام نهائية قبل النظر إلى
مسارها ونتائج خطواتها.
الموقف الموضوعي هو الذي يجمع بين الأمرين: لا تبرير
للتقصير الأمني، ولا تجاهل لحجم التركة الثقيلة. فلا يجوز
منح السلطة حصانة من النقد بحجة أنها في بداية عهدها،
كما لا يجوز تجاهل ما يواجهها من صعوبات موضوعية عند
تقييم أدائها.
إن بناء الدولة عملية متكاملة تتطلب إعادة تأهيل المؤسسات
الأمنية والقضائية، ومكافحة الفساد، وتحسين الأوضاع
الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ مبدأ المساواة أمام
القانون. وكلما تقدمت هذه العملية بصورة جدية، ازدادت
قدرة الدولة على حماية المجتمع واستعادة ثقة المواطنين.
المثقفون والقوى السياسية شركاء في بناء الاستقرار.
إن الكاتب السوري الذي أثار قضية الخطف والقتل محق في
التحذير من خطورتها، وفي التأكيد على ضرورة توعية
المواطنين، لكن دور المثقفين لا ينبغي أن يقتصر على
وصف مظاهر الأزمة، بل يتعين أن يمتد إلى تحليل أسبابها،
ووضعها في سياقها التاريخي، والمساهمة في بلورة رؤية
وطنية تساعد على تجاوزها.
فالمثقفون والكتاب والإعلاميون مطالبون بمواجهة
الشائعات وخطابات الكراهية والتحريض، وتوعية المواطنين
بسبل حماية أنفسهم، والدفاع عن سيادة القانون وحقوق
الإنسان. كما أن القوى السياسية، بمختلف اتجاهاتها،
مطالبة بتجاوز الحسابات الضيقة، وعدم استغلال الحوادث
الأمنية لتصفية الخلافات أو تأجيج الانقسامات.
غير أن مسؤولية المجتمع لا تعني نقل العبء الأساسي
لحماية المواطنين من الدولة إلى الأفراد. فالتضامن
والتوعية والتعاون مع السلطات القانونية أمور ضرورية،
لكنها لا تعوض غياب المؤسسات القادرة على فرض
القانون.
إن المطلوب هو تعاون وطني حقيقي، تتحمل فيه الدولة
مسؤولياتها الدستورية والقانونية، ويسهم المجتمع في
حماية السلم الأهلي، ويمارس المثقفون دورهم النقدي
بموضوعية واستقلالية، بعيداً عن التهويل والتبرير.
سوريا تحتاج إلى فرصة للنهوض، لا إلى أحكام متسرعة.
إن سوريا التي خرجت من عقود الاستبداد وحرب مدمرة
تحتاج اليوم إلى إعادة بناء مؤسساتها، وإحياء اقتصادها،
وتحسين الظروف المعيشية لمواطنيها، واستعادة الثقة بين
الدولة والمجتمع.
ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف من دون الأمن، كما لا يمكن
ترسيخ الأمن بصورة مستدامة من دون العدالة والتنمية
واحترام حقوق الإنسان. فالأمن ليس مجرد انتشار للأجهزة،
بل هو شعور المواطن بأنه محمي بالقانون، وأن حياته
وكرامته وحقوقه ليست رهينة نفوذ أي جهة أو جماعة.
ومن حق السوريين أن يطالبوا الإدارة الجديدة بنتائج
ملموسة، وأن ينتقدوا كل إخفاق أو تقصير، لكن من حق
سوريا أيضاً أن تُقيَّم تجربتها الجديدة في ضوء تاريخها
القريب، وحجم الدمار الذي خلفه النظام البائد، والمهام
الشاقة التي تنتظرها.
إن نجاح المرحلة الجديدة لن يتحقق بالشعارات، بل بالعمل
الجاد، وتثبيت الأمن، وإرساء العدالة، ومكافحة الفساد،
وتحقيق التنمية، وضمان مشاركة السوريين في بناء
مستقبلهم.
خلاصة القول: إن سوريا ليست دولة مخطوفة لمجرد أنها
تواجه حوادث خطف وجرائم وفلتاناً أمنياً، لكنها دولة لا
تزال تواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في استكمال بناء مؤسساتها
وبسط سيادة القانون. والفارق بين دولة تتعثر في مرحلة
انتقالية ودولة تفقد قدرتها على حماية مواطنيها يتحدد بما
تتخذه سلطاتها من إجراءات، وبمدى قدرتها على معالجة
الاختلالات ومحاسبة المسؤولين عنها.
فلا نطالب الإدارة السورية الجديدة بتحقيق المعجزات في
وقت وجيز، ولا نمنحها في المقابل صكاً على بياض. نساند
كل خطوة جادة نحو الاستقرار، وننتقد كل تقصير، ونتمسك
بحق السوريين في الأمن والحرية والكرامة.
لقد دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً من دم أبنائه ودمار مدنه
ومرارة التهجير. ومن حقه اليوم أن يرى بلاده تنهض من
الركام، وأن يعيش في وطن لا يخشى فيه على حياته، ولا
يضطر فيه إلى دفع الفدية لاستعادة أحبائه، ولا يشعر فيه
بأن القانون عاجز عن حمايته.
إن بناء سوريا الجديدة مسؤولية تاريخية تتطلب الصبر
والعمل والمحاسبة معاً، حتى لا تضيع التضحيات، وحتى
تتحول نهاية عهد الاستبداد إلى بداية عهد الدولة العادلة.
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.


