حذارِ من ثورة الجياع في فلسطين: غول الغلاء والحصار يهددان الأمن الاجتماعي

حذارِ من ثورة الجياع في فلسطين: غول الغلاء والحصار يهددان الأمن الاجتماعي

إعداد وتقرير: صحيفة صوت العروبة
تدخل الأراضي الفلسطينية مرحلة بالغة الخطورة اقتصاديًا واجتماعيًا، في ظل تداخل تداعيات الحرب والدمار في قطاع غزة مع سياسات التضييق والتهجير القسري وهدم المنازل والمنشآت التجارية في الضفة الغربية والقدس، وإغلاق الطرق بالبوابات الحديدية والحواجز العسكرية، ومنع أعداد من العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل. وتتزامن هذه الأوضاع مع ارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع البطالة، واستمرار حجز أموال المقاصة، وعجز الحكومة الفلسطينية عن الوفاء الكامل بالتزاماتها المالية والخدماتية.
إن التحذير من خطر «ثورة الجياع» ليس تهويلًا أو دعوة إلى الفوضى، بل تنبيه إلى مخاطر اجتماعية متراكمة قد تتفاقم إذا استمرت الأزمة من دون تدخلات عاجلة تعيد الحد الأدنى من الأمان المعيشي وتحمي كرامة المواطن الفلسطيني.
اقتصاد تحت الحصار والاستنزاف
لم تعد الأزمة الفلسطينية مجرد أزمة مالية عابرة، بل أصبحت أزمة معيشية شاملة تضرب مصادر الدخل والعمل والإنتاج. ففي الضفة الغربية، تؤدي القيود على الحركة وإغلاق المداخل والطرق بالبوابات الحديدية والحواجز إلى تعطيل النشاط التجاري، ورفع كلفة النقل، وإعاقة وصول العمال والموظفين والمرضى والطلاب إلى وجهاتهم. كما تؤدي عمليات هدم المنازل والمحلات والمنشآت الاقتصادية، ومصادرة الأراضي وتقييد الوصول إليها، إلى فقدان عائلات فلسطينية مساكنها ومصادر رزقها في وقت واحد.
وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن أكثر من 4,300 فلسطيني نزحوا في الضفة الغربية منذ بداية عام 2026، نتيجة عمليات الهدم والإخلاء واعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها. كما سجل المكتب أكثر من 2,060 اعتداءً للمستوطنين أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات حتى منتصف تشرين الأول/أكتوبر، بما يعكس اتساع نطاق المخاطر التي تواجه السكان ومصادر عيشهم.
ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى إضعاف قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار، وتراجع الطلب في الأسواق المحلية، وتراكم الديون والإيجارات، وفقدان فرص العمل، بما يهدد ما تبقى من مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي.
غزة: دمار واسع وبطالة وانعدام للأمان المعيشي
أما قطاع غزة، فما زال يواجه كارثة إنسانية واقتصادية عميقة، رغم الجهود المبذولة لتوفير المساعدات وتحسين فرص التعافي. فقد تعرضت البنية التحتية والمساكن والمنشآت الصناعية والتجارية والزراعية لدمار واسع، فيما لا تزال قطاعات الصحة والمياه والكهرباء والخدمات الأساسية تواجه نقصًا حادًا في الموارد والإمدادات.
ووفق تقديرات الأمم المتحدة، تبلغ احتياجات التعافي وإعادة إعمار غزة نحو 71.5 مليار دولار، في مؤشر إلى حجم الخسائر والتحديات التي تتطلب تمويلًا دوليًا مستدامًا. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن البطالة في القطاع بلغت نحو 78% خلال عام 2025، في ظل انهيار واسع في النشاط الاقتصادي وفقدان مئات آلاف فرص العمل في الأراضي الفلسطينية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتعني هذه الأرقام أن آلاف الأسر باتت تعتمد على المساعدات أو الاقتراض لتأمين احتياجاتها الأساسية، بينما يواجه أصحاب الأعمال والعمال والمزارعون صعوبة بالغة في استعادة مصادر دخلهم. ولا يمكن الحديث عن تعافٍ حقيقي في ظل استمرار القيود على إدخال المواد اللازمة للإعمار والإنتاج، وعدم توافر التمويل الكافي لإعادة بناء الاقتصاد.
المقاصة والرواتب والخدمات العامة
تزداد الأزمة تعقيدًا مع استمرار حجز إسرائيل إيرادات المقاصة الفلسطينية، التي تمثل مصدرًا رئيسيًا لتمويل الموازنة العامة. وذكر تقرير مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، الصادر في أيلول/سبتمبر 2026، أن الأموال المحتجزة بلغت نحو ستة مليارات دولار، وأن الأزمة المالية انعكست على قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب كاملة، واستمرار برامج الحماية الاجتماعية وتقديم الخدمات الأساسية.
ويتحمل الموظفون العموميون وأسرهم جانبًا كبيرًا من كلفة هذه الأزمة، مع عدم انتظام صرف الرواتب وتراجع القدرة الشرائية وتراكم الالتزامات المالية. كما تتأثر المستشفيات والمراكز الصحية بنقص الأدوية والمستلزمات الطبية والتمويل التشغيلي، الأمر الذي يهدد انتظام الخدمات، ويزيد معاناة المرضى، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة.
ومع أهمية تحميل إسرائيل مسؤولية حجز الأموال والقيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني، فإن ذلك لا يعفي الحكومة الفلسطينية من مسؤولية وضع خطة طوارئ شفافة، وترشيد الإنفاق، وترتيب الأولويات، وتعزيز الرقابة على الأسواق، وضمان توجيه الموارد المحدودة إلى القطاعات الأكثر إلحاحًا.
المطلوب: خطة إنقاذ اقتصادي واجتماعي
إن مواجهة الأزمة تتطلب تحركًا وطنيًا يتجاوز البيانات والتصريحات، ويقوم على إجراءات عملية، أبرزها:
أولًا، إطلاق خطة طوارئ اجتماعية لحماية الأسر الفقيرة والمتضررة والعمال العاطلين عن العمل، وتوفير دعم مباشر للفئات الأكثر احتياجًا.
ثانيًا، تشديد الرقابة على أسعار السلع الأساسية ومنع الاحتكار والتلاعب، وتوسيع برامج الدعم الغذائي والدوائي.
ثالثًا، توفير تمويل طارئ للمستشفيات والمراكز الصحية، وضمان استمرار الخدمات العامة الأساسية، ووضع آلية واضحة وشفافة لصرف الرواتب وفق الإمكانات المتاحة.
رابعًا، إطلاق برامج تشغيل مؤقتة ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعويض المتضررين وفق معايير معلنة، والعمل على إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية.
خامسًا، التحرك العربي والدولي والقانوني لاستعادة أموال المقاصة، ووقف إجراءات التهجير وهدم الممتلكات، وتسهيل حركة العمال والتجارة، وضمان وصول المساعدات ومواد إعادة إعمار غزة.
سادسًا، تعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، ونشر بيانات دورية عن الموارد والإنفاق والاحتياجات، بما يعزز الثقة والمساءلة.
حماية الأمن الاجتماعي مسؤولية وطنية
إن أخطر ما في الأزمة ليس الغلاء وحده، بل اجتماع الفقر والبطالة وفقدان المسكن ومصدر الرزق مع تراجع قدرة المؤسسات على تلبية الاحتياجات الأساسية. وعندما تتآكل قدرة الأسرة على توفير الغذاء والدواء والتعليم، يصبح الأمن الاجتماعي مهددًا، وتتسع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
إن حماية المجتمع الفلسطيني من الانفجار الاجتماعي تستوجب تحركًا عاجلًا ومسؤولًا، يضع احتياجات الناس وكرامتهم فوق الحسابات الضيقة، ويجمع بين مواجهة الإجراءات الإسرائيلية، والإصلاح المالي والإداري، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
فالصمود الوطني لا يُقاس بالشعارات وحدها، بل بقدرة المواطن على البقاء في أرضه، وتأمين قوت أسرته، والحصول على العلاج والتعليم والعمل الكريم. وأي تأخير في معالجة هذه الأولويات سيزيد كلفة الأزمة على المجتمع والدولة معًا، فيما يبقى المطلوب خطة إنقاذ واضحة تحمي الإنسان الفلسطيني، وتصون الاستقرار الاجتماعي، وتعزز مقومات البقاء والصمود




