منوعات

غابي لطيف: التكريم في لبنان الأجمل في حياتي وفي فرنسا تعرّفت إلى العالم العربي

غابي لطيف: التكريم في لبنان الأجمل في حياتي وفي فرنسا تعرّفت إلى العالم العربي

زهرة مرعي

تنازلت عن عرش الصورة وأصبحت صوتاً لبنانياً موثوقاً في مونتي كارلو الدولية

بيروت ـ في ذروة الترقب الذي عاشه لبنان في شهر آب/اغسطس الماضي وقع موعد تكريم الصحافية والمذيعة اللبنانية غابي لطيف بمبادرة من الصالون الأدبي الثقافي في كازينو لبنان، وبرعاية وزير الإعلام زياد المكاري. حضور إعلامي لبناني واسع احتضن سيدة الصوت والحوار، والمتميزة ببعد معرفي عميق.

صاحبة الصوت الدافئ في إذاعة «مونت كارلو» الدولية منذ سنة 1986 والمعلم اللبناني والعربي في العاصمة الفرنسية، متأهبة على الدوام لالتقاط البرهة المهنية الضرورية. حاورت غابي لطيف أسماء مرموقة، تأسر ضيفها بمهنيتها، وسعة اطلاعها، وبرقي الإنسان بداخلها.
برنامج «الوجه الآخر» جمعها بعدد كبير من السياسيين العرب، إلى لقاءات مع عرب مؤثرين منتشرين في المنافي الأوروبية وفي برامج متعددة، وكتابها الأول «بصمات على الهواء» صدر سنة 2010 أدخلها عالم الكتابة، وفيه جمعت حوارات ربما تكون تاريخية مع سياسيين مؤثرين في مواقعهم.
مع غابي لطيف هذا الحوار:
○ درعان تكريميان تسلمتيهما في زيارتك الأخيرة لبيروت، الأول من الصالون الثقافي في الكازينو والثاني من وزير الإعلام. ماذا قال لك التكريم؟
• تكريم مفاجئ، ومن الأجمل في حياتي، تقرر بسرعة، فيما الحال في لبنان مضطرب، وتوقعات حرب غير مُطمئنة. اتخاذ القرار بالسير في التكريم برأيي دليل على قوة وصمود الإنسان والمثقّف اللبناني، الذي يرفض الاستسلام للحرب والموت، بل هو يعمل رغم الحرب لأن يظهر قوة الحياة، وغلبتها على الموت، صمود ثقافي وإعلامي يُميز الشعب اللبناني. وشكّل الاستمرار في التكريم من جهة ثانية رسالة للشعب العربي والعالم بأننا موجودون، ونحن ندافع عن الثقافة والإعلام والحريات، وننادي بما هو جميل والمتمثّل بالاستثناء اللبناني. أنا البعيدة عن لبنان منذ زمن، أرى التكريم وفي هذه اللحظة من حياتي أنه الأجمل، فهو لم يكن منتظراً، ولأنه من الصالون الأدبي والثقافي في كازينو لبنان. فهذا الكازينو شكّل منذ بداياته صرحاً فنياً وثقافياً كبيراً نفخر به، استضاف كباراً في عالم الفن، وشهد على أعمال مسرحية أسطورية بنجاحها. وأسعدني أن يقلدني وزير الإعلام زياد المكاري درعاً تكريمياً. إنه وفاء واعتراف بحضور المرأة الإعلامية، وربط بين الماضي والحاضر، إنه تكريم مؤثر لي من قبل وزارة الإعلام.
○ أنت من الرعيل الإعلامي الأول المهاجر بفعل الحرب فهل كان القرار سهلاً؟
• مُطلقاً. تركت لبنان في شهر كانون الثاني/يناير 1986 بعد 11 سنة من معايشة الحرب. كنت أصل إلى تلفزيون لبنان بين القذائف المنهمرة أمامي وخلفي، وبإصرار للظهور على الشاشة. فحضورنا شكّل مبعث أمل، وتأكيد لحضورنا في تلفزيون لبنان، الشاشة الوحيدة في حينه. استمرار تلفزيون لبنان شكّل دوراً وطنياً تمسّكت به. بعد مرور 11 سنة شعرت بضرورة الراحة قليلاً من الحرب، وفي هذه الأثناء تلقيت عرض العمل من إذاعة «مونت كارلو» الدولية، فكان قرار السفر إلى باريس، وفي مخيلتي أن أمضي الوقت الذي يحتاجه تحصيل شهادة الدكتوراه، ومن ثمّ أعود، إنما للأسف تمت إقالتي من تلفزيون لبنان بعد سنتين من السفر عبر رسالة مختصرة، وما زلت في فرنسا.
○ ماذا تذكرين عن بداياتك في تلفزيون لبنان، وعن التدريب؟
• لم يكن الإعلام في بالي خلال الدراسة الثانوية. حلمت بدراسة الفلسفة وعلم النفس في جامعة السوربون، في اللحظة الأخيرة تبدّل موقف الأهل لصالح بقائي في لبنان. معرفة تجمع والدي بالإعلامي عادل مالك الذي كان يعمل في تلفزيون لبنان، فأخبره عن دورة تدريبية لوجوه إعلامية جديدة. وهكذا خضعت لإختبار أول، تلاه تدريب لثلاثة أشهر مع الأستاذ نشأت نجا لمجموعة من المتدربات والمتدربين، وفي هذه الأثناء بدأت دراستي الجامعية في كلية الإعلام في لبنان سنة 1973.
○ تخليت بسهولة عن الإعلام المرئي لصالح الإعلام الإذاعي، فيما طموح الجميلات هو التلفزيون؟
• الانتقال إلى الإعلام الإذاعي من أكبر قرارات حياتي. في ثمانيات القرن الماضي لم تكن الشهرة شغلاً شاغلاً كما الآن، لم يخطر في بالي نهائياً أن لي وجه أو صوت يشكلان أداة عمل، بل كنت اهتم بالإنسان وفكره. الظروف أخذتي إلى تلفزيون لبنان، وثمّ أخذت بيدي إلى إذاعة «مونت كارلو» الدولية. كان قرار البدء بدراسة الدكتوراه، وبعض الراحة تبعدني ولو جزئياً عن لحظات دموية عشتها مباشرة خلال الحرب، وإذ بالظروف تشاء أن تستمر حياتي في فرنسا. كنت وجهاً معروفاً في لبنان، وبالانتقال إلى الإذاعة قررت أن أصبح صوتاً. نعم نجحت في التلفزيون، لكني قررت أن لا أبقى أسيرته لأن العمر سيتسلل إلى وجهي، وأصبحت الصوت.
○ في عالمنا العربي إصرار على شباب المذيعة وهو صراع غائب في الغرب. لماذا المرأة الإعلامية أسيرة هذه المعادلة؟
• إنه المجتمع ونظرته للمرأة. أرى المرأة في الإعلامين المرئي والمسموع تعبّر عن مضمون، الشكل لن يقدّم معلومة، ولن يساهم في الوعي، أو يخدم المجتمع.
○ منذ سنة 1986 تعملين في إذاعة «مونت كارلو» الدولية كيف بدأت المهمة وكيف تطوّرت من برنامج إلى آخر؟
• منذ دخلت إذاعة «مونت كارلو» اكتشفت أننا كعاملين نشكل مجموعة كبيرة من ثقافات ومن بلدان متعددة، وننتمي الى كافة الدول العربية من مشرقها لمغربها وخليجها، وهذا كان جديداً كلياً لي، كما ونتعامل مع فرنسيين زملاء كوننا في إذاعة فرنسية. هذا التلاقح والتمازج الثقافي كان تجربة جديدة لي كي أخوضها وأربحها، ليس هذا وحسب، ففي فرنسا بدأت التعرّف إلى العالم العربي، ومن خلال الإذاعة غطيت مؤتمرات، ولقاءات ومهرجانات، ومحاضرات في كافة أنحاء العالم العربي، وفي أوروبا، وهذا أغناني، فـ»مونت كارلو» هي صوت فرنسا في العالم العربي. أضيف إليها التظاهرات الثقافية العربية التي تشهدها فرنسا، والمواعيد العربية الكثيرة فيها. من خلال «مونت كارلو» الدولية فتحت ذراعيَ للعالم جميعه.
○ والعالم فتح لك ذراعيه؟
• صحيح لهذا أقول بأني عشت وما زلت تجربة رائعة.
○ غلبت الثقافة على اهتمامك المهني لماذا؟
• مع بداية شبابي عشت الحرب، أرفضها بالتأكيد، وأجد السلام عبر الحوار. الحوار واللقاء مع الآخر هما ركن الثقافة المتين، إنه رهاني، وكذلك الأمر بالنسبة لـ«مونت كارلو» الدولية. كثيرون على صعيد العالم يُؤمنون باللقاء والحوار في العالم العربي كما رهان أوروبا، عندما أستضيف شخصاً من لبنان أو الكويت أو فلسطين ويسمعه متابعون من مختلف أنحاء العالم العربي، فهم يتعرّفون إلى أفكاره. إيماني مُطلق بالحوار والسلم، وحوار الثقافات والديانات، ولهذا تمسكت بمهمتي في «مونت كارلو» الدولية، لأني مؤمنة برسالتها التي تشبه تطلعاتي.
○ كيف يبدأ نهارك كإعلامية من واجبها أن تعرف وأن تغذي مخزونها؟
• المتابعة، فثمة أحداث آنية كثيرة في أوروبا والعالم العربي. أمس كان ضيفي حسّان البلعاوي أول مستشار في سفارة فلسطين في بلجيكا، أتى للمشاركة في مؤتمر يهدف للحفاظ على التراث والموروث الفلسطيني، وكان حواره عن دوره في المؤتمر، وعن مهمته في بلجيكا، وعن تضامن شعب بلجيكا مع الشعب الفلسطيني في الأشهر الأخيرة. وكذلك المخرج اللبناني فيليب عرقتنجي الذي يقدم مسرحية في باريس، تعالج قصته مع الحرب والهجرة وانعكاساتها على حياة اللبنانيين المنتشرين في العالم. مؤخراً كان لأدونيس قراءات شعرية في مُتحف اللوفر، وهي الأولى لشاعر عربي كبير، حضوري للفعالية كان من بين الأجمل في حياتي. تتبلّغ الإذاعة بكل فعالية عربية في باريس، ونختار الأنسب. ورداً على سؤال كيف يبدأ يومي فالجواب بهدوء، لي محطة تأملية فيها صلاة ومناجاة وتأمل، ومن ثم يبدأ الاستعداد للعمل. أهتم بالتحضير للقاء ضيفي بالقراءة والإطلاع، أحرص لأكون ملمّة بمشروعه وفكره، وتبقى زوايا نكتشفها معاً خلال الحوار. وفي كل حوار أعيش قصة صداقة مع ضيفي، يحدث تواصل غريب بين روحي وروحه، ومع مرور الوقت يتماهى أحدنا مع الآخر. بعد كل هذه الحوارات بتّ مجموعة من تلك الأصوات والأفكار والوعي.
○ هل تتيح لك «مونت كارلو» الدولية حرية اختيار الضيوف من دون خطوط حمراء؟
• لا خطوط مطلقاً. كإعلامية أعمل تحت لواء مؤسسة لها استقلاليتها الواضحة، وأسلوبها الفريد ورسالتها التي تعتمد على حرية التعبير.
○ ماذا قالت لك إزدواجية المعايير في الإعلام الغربي وسياسات دوله بعد 7 اكتوبر؟
• 7 اكتوبر كان حدثاً كبيراً للعالم أجمع. في البداية ضاع كثيرون، لاحقاً جرى تعديل في دول عدة. الإعلام الفرنسي صورة عن السياسة والمجتمع الفرنسي، وكما شاهدت نُظّمَت الكثير من المظاهرات في فرنسا، وعُقدت الكثير من الاجتماعات تضامناً مع فلسطين والعالم العربي. تعلّمت من الإعلام الفرنسي والغربي عموماً الجملة القصيرة واحترام الضيف، وأن أكون موضوعية في معالجة ما أنا بصدده، رأيي الشخصي لي، أعبّر عنه ربما في مقال. الإعلام محصور بالحدث وهذا ما نعمل وفقه في «مونت كارلو» الدولية.
○ هل تذكرين ثلاثة حوارات يستحيل نسيانها؟
• أكيد السيدة فيروز، سجّلت معها حواراً فريداً في لندن سنة 1994 لن أنساه في حياتي.
○ عادة ترفض الحوارات؟
• حدثت معجزة. فخورة جداً باللقاء وأعتبره قمة لقاءاتي. أعشق السيدة فيروز بصوتها وشخصها ورمزيتها، وما قدّمته للبنان والوطن العربي والإنسانية جمعاء، وسعيدة بصورة شخصية جمعتنا.
○ والحواران الآخران؟
• بل سأذكر ثلاثة حوارات. الرائع محمود درويش، وللأسف أضعت الحوار خلال انتقال الإذاعة لمبنى آخر، سجّلت معه لقاءً طويلاً ورائعاً لبرنامج «الوجه الآخر» وبالتأكيد كنا نلتقيه في باريس، وهو أمير الشعر المعاصر. والشاعر أنسي الحاج الذي تأثّرت جداً به، وشكّل بالنسبة لي مرجعاً روحياً. غيابه عن هذه الأرض خسارة كبيرة لي. والشاعر الكبير أدونيس الذي سجّلت معه لقاءات كثيرة وتربطني به محبّة خاصة، وهو من علّمني أن على الإنسان ابتكار الأمل، ويعتبره واجباً للبشر على هذه الأرض. وغيرهم الكثير من السيدات والرجال.
○ كتاب قرأته وبدّل بداخلك أمراً ما؟
• كل كتاب يغير بي. كتاب ما زلت أقرأه لكارمن بستاني، وتناولت مي زيادة باللغة الفرنسية، قدمتها بشكل مميز للقارئ الفرنسي. مي زيادة لبنانية ولدت في الناصرة، وعاشت في مصر، وأتقنت عدّة لغات. إنها صورة عن كاتبة شرقية دافعت عن المرأة وآمنت بالحوار. إلى كتب أخرى. أحب كتابات الفيلسوف الفرنسي أندريه سبونفيل أقرأ له بالفرنسية كتابا عنوانه «إرتجال». احتاج أحياناً لقراءات تساعد في فهم كيفية تخطي المصاعب، وبلوغ الصفاء والسلام والمسامحة وووو. إنه سعي إلى السكينة والهدوء.
○ جديد تخصين «القدس العربي» به؟
• مقالاتها تشكل غذاء دائماً لي. وضيوفي بغالبيتهم هم ضيوف «القدس العربي». احترم النظرة الشاملة للثقافة في جريدتكم. تحية للعاملين في «القدس العربي» ولقرّائها وقارئاتها.

«القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب