ليبيا «رحلات الموت»: حوادث غرق مأساوية لمهاجرين قبالة سواحل المتوسط وسط انتقادات للدور الأوروبي

ليبيا «رحلات الموت»: حوادث غرق مأساوية لمهاجرين قبالة سواحل المتوسط وسط انتقادات للدور الأوروبي
نسرين سليمان
طرابلس ـ تعتبر ليبيا وجهه رئيسية للهجرة غير النظامية، حيث يتدفق إليها آلاف المهاجرين من الدول الأفريقية المجاورة هربًا من النزاعات والفقر. في ظل استغلال المهربين ونقص الحماية الدولية، يبقى المهاجرون في ليبيا عالقين في دائرة من المعاناة.
وبالإضافة لكونها وجهة أساسية فإن الغالبية العظمى من الناس الذين يحاولون عبور البحر المتوسط يمرون عبر ليبيا، حيث يتعرضون لمستويات مروعة من العنف بما في ذلك الاختطاف والتعذيب والابتزاز إن وصلوا بسلامة.
وشهدت السواحل الشمالية من القارة الأفريقية في الآونة الأخيرة حوادث غرق مأساوية عدة، لمهاجرين وهم في طريقهم للإبحار لدول أوروبية سعياً منهم للبحث عن حياة أفضل.
حوادث متتالية
وقبل أيام أكد رئيس بلدية جزيرة لامبيدوزا الإيطالية أن السلطات أنقذت سبعة مهاجرين بعد غرق قارب كان يقلهم من ليبيا إلى إيطاليا، بينما لا يزال 20 على الأقل في عداد المفقودين.
ومن بين من تسنى إنقاذهم طفل سوري عمره ثمانية أعوام كان برفقة والدته في الرحلة المحفوفة بالمخاطر أملا في الوصول إلى الأب الذي يعيش في ألمانيا، لكن الأم لم تظهر منذ غرق القارب الثلاثاء، بحسب ما نقلت وكالة «رويترز».
وقال الناجون الذين نُقلوا إلى لامبيدوزا إن من بين المفقودين خمس نساء وثلاثة أطفال.
وأكد رئيس البلدية فيليبو مانينو: «لم يتمكنوا من الوصول إلى الشاطئ. نعلم أنهم كانوا قريبين للغاية لكن عدم تمكنهم من الوصول يبعث على مزيد من الحزن والأسى».
وانطلق القارب الصغير من مدينة زوارة الليبية في وقت متأخر من يوم الاثنين لكنه واجه صعوبات في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء الماضي قبل أن ينقلب، ولم تتمكن السلطات من انتشال أي جثث حتى الآن.
ويعد الطريق البحري بين أفريقيا وأوروبا من أخطر طرق الهجرة في العالم، حيث اختفى أو توفي نحو 24500 شخص في البحر المتوسط منذ عام 2014، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة.
ولقي معظم هؤلاء حتفهم خلال رحلات لقوارب أبحرت من ليبيا وتونس.
وتسعى الحكومة الإيطالية إلى الحد من رحلات المهاجرين هذه، قائلة إن هذا من شأنه إنقاذ الأرواح. وفي عام 2024، سجلت الحكومة وصول نحو 66320 مهاجرا مقارنة مع 157651 في 2023، بينما وصلت الأعداد إلى 105131 في عام 2022.
وقبلها، لقي 3 مهاجرين حتفهم أثناء محاولة عبور قناة المانش من فرنسا إلى بريطانيا. وبذلك، ترتفع الحصيلة المؤكدة إلى 76 قتيلا، خلال محاولات الهجرة غير النظامية عبر المضيق للعام 2024.
وأفادت خدمات الطوارئ بأن المركب الذي كان ينقل المهاجرين غير النظاميين واجه مشكلات قرب شاطئ بليريو- بلاج القريب من ميناء كاليه.
وأبلغت الخدمات البحرية الفرنسية وكالة الصحافة الفرنسية بأن الكثيرين سقطوا في المياه وهم يحاولون ركوب القارب المكتظ.
وقامت هيئات حكومية ومنظمات غير حكومية بتقديم المعونة على الشاطئ لنحو 50 شخصا، عانى كثيرون بينهم نقصا في حرارة الجسم.
وحسب المنظّمة الدوليّة للهجرة التابعة للأمم المتّحدة، لقي 227 شخصًا حتفهم على طول الطريق المحفوف بالمخاطر في وسط البحر الأبيض المتوسّط عام 2024 حتّى آذار/مارس الماضي، دون احتساب الأشخاص الجدد الّذين تمّ الإبلاغ عن فقدهم ويفترض أنّهم لقوا حتفهم.
وبشكل عام تمر الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا بثلاث مراحل بدءًا من الدول المصدِّرة للهجرة وصولًا إلى الشواطئ الشمالية للمتوسط من خلال مهرِّبين متخصصين في إيصال المهاجرين إلى نقطة محددة حيث يتحول المهاجرون من مهرِّب إلى آخر على طول مسار الرحلة.
ويتكدس المهاجرون غير الشرعيين في قوارب وسفن متهالكة تُستخدَم لمرة واحدة وفي معظم الأحيان تتجاوز حمولتها أضعاف ما هو مقرر لها ما يؤدي إلى جنوح وانقلاب هذه القوارب والسفن بحمولتها المتكدسة من البشر.
ومنذ العام 2003 وحوادث غرق وموت المهاجرين غير الشرعيين في المرحلة الثالثة من رحلة اللاعودة باتت فقرة دائمة في نشرات الأخبار، و80 في المئة من المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط قادمون من ليبيا.
أرقام مخيفة
وفي آخر تقاريرها قدرت المنظمة الدولية للهجرة أعداد المهاجرين الذين جرت إعادتهم قسراً إلى ليبيا بأكثر من 21 ألف مهاجر خلال العام 2024، وذلك خلال عمليات اعتراض نفذها خفر السواحل.
وأظهرت بيانات للمنظمة التابعة للأمم المتحدة، ارتفاعا في أعداد المهاجرين الذين يجري اعتراضهم في البحر المتوسط وإعادتهم إلى ليبيا خلال 2024 إلى 21 ألف مهاجر من 17 ألفا خلال العام 2023.
وأعربت المنظمة عن مخاوف من الزيادة في عمليات اعتراض المهاجرين من قِبل خفر السواحل في البحر المتوسط.
وقالت إن اعتراض المهاجرين في المياه الساحلية وإعادتهم إلى ليبيا دخلا الآن عامهما الثامن، على الرغم من تحذير المنظمات الدولية من خطورة الأوضاع داخل ليبيا.
وتعيد السلطات المهاجرين إلى مراكز احتجاز سيئة السمعة، وكانت وثقت المنظمات غير الحكومية الظروف المعيشية في هذه المباني، وانتشرت عدة تقارير على وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة.
ونتيجة لذلك فقد انتهى عام 2024 بانخفاض إجمالي في أعداد المهاجرين غير الشرعيين الوافدين إلى إيطاليا عن طريق البحر بنسبة 60 في المئة تقريبًا مقارنة بالعام الماضي. ويعود هذا الانخفاض «بالأساس إلى التدابير الوقائية التي اتخذتها السلطات التونسية والليبية لوقف أنشطة المهربين»، كما أكدت وكالة «فرونتكس»، وكالة مراقبة الحدود الأوروبية. وشكلت الرحلات من البلدين العربيين 92 في المئة من الوافدين المبلغ عنهم عبر طريق وسط البحر الأبيض المتوسط. وبرزت ليبيا، على وجه الخصوص، كنقطة انطلاق رئيسية لطرق الهجرة نحو إيطاليا، متجاوزة بوضوح تونس التي كانت مهيمنة في عام 2023.
وحسب المعلومات التي جمعتها «وكالة نوفا»، وصل 41425 مهاجرًا إلى إيطاليا من ليبيا، أي ما يعادل 63 في المئة من إجمالي الوافدين البالغ عددهم 65.472 حتى 24 كانون الأول/ديسمبر الماضي. أما من تونس، فقد وصل 19246 شخصا عن طريق البحر، أي ما يعادل 29 في المئة من المجموع. وغادر 3495 مهاجرا آخرين من تركيا، أي ما يمثل 5 في المئة، في حين وصل 1.109 مهاجرا من الجزائر، أي 1.7 في المئة من الإجمالي. ويظهر تحليل بلدان المغادرة بوضوح هيمنة الطريق الليبي، حتى لو كان هناك انخفاض بنسبة 17 في المئة مقارنة بـ 49740 مهاجرا غادروا السواحل الليبية وهبطوا في إيطاليا في نفس الفترة من عام 2023. وانخفض بشكل كبير بنسبة 80 في المئة، من 96160 إلى 19246 مهاجرًا اعتبارًا من 24 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وفيما يتعلق بالجنسيات المعلنة وقت وصول المهاجرين، فإن غالبية المهاجرين يأتون من بنغلاديش، حيث يمثل 13799 شخصًا 19.8 في المئة من الإجمالي. ويصل المهاجرون البنغلاديشيون عمومًا إلى ليبيا جوًا، ويتوقفون في الإمارات العربية المتحدة: يصل معظمهم إلى بنغازي، في برقة، ثم يصلون إلى غرب البلاد عن طريق البر. يليهم المواطنون السوريون بـ 12504 أشخاص، أي ما يعادل 18.7 في المئة: كما يتجهون إلى المغادرة من ليبيا، حيث يحطون عبر رحلات جوية مباشرة بين دمشق وبنغازي، أو بالتوقف في تركيا. وفي المركز الثالث يأتي التونسيون 7.683 يليهم المصريون 4.296: ويبحر الأخيرون، على وجه الخصوص، بشكل رئيسي من ليبيا، حيث توجد جالية مصرية كبيرة. وتشمل الجنسيات الأخرى مهاجرين من غينيا 3.542، وباكستان 3.284، والسودان 2.137، ومالي 1.667، وغامبيا 1.618. وأخيرا، هناك 12832 مهاجرا آخرين ينتمون إلى جنسيات غير محددة.
وبحسب «وكالة نوفا»، فإن عمليات المغادرة من ليبيا تتعلق بشكل أساسي بمنطقة طرابلس، المنطقة الشمالية الغربية من البلاد، بينما وصل نحو ألف مهاجر فقط من برقة. يمثل هذا تغييرًا عن النصف الأول من عام 2023، عندما كانت برقة، تحت قيادة الجنرال خليفة حفتر، نقطة انطلاق أكثر تكرارًا للمهاجرين المتجهين إلى إيطاليا، خاصة مع الطرق المؤدية إلى اليونان التي لم يتم احتسابها في البيانات المتعلقة بعمليات الإنزال الإيطالية. ولا يزال عدد القتلى مرتفعًا، حيث فقد 674 شخصًا حياتهم و1.015 آخرين في عداد المفقودين على طول المعبر الخطير إلى أوروبا من ليبيا وتونس، ليصل إجمالي الضحايا إلى 1.689 حتى 21 كانون الأول/ديسمبر 2024، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة «IOM».
وفي 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قال وزير الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية، الطاهر الباعور، إن حل أزمة الهجرة غير القانونية يحتاج استراتيجية أوروبية موحدة ودعم ليبيا لحماية حدودها.
وأضاف الباعور في تصريحات له أن بلاده بحاجة إلى مساعدة العالم أجمع لحل هذه الأزمة، وبحاجة إلى موارد مالية واستراتيجية منسقة بين الدول الواقعة على الشواطئ الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.
وتشير تقارير المنظمات المعنية بالهجرة غير القانونية إلى أن ليبيا احتلت المرتبة الأولى في عدد المهاجرين القاصدين إيطاليا منذ بداية العام الماضي، وقدّرت وكالة نوفا الإيطالية أن ما يقرب من 14 ألفاً و755 مهاجراً غير شرعي وصلوا الشواطئ الإيطالية من ليبيا خلال النصف الأول من عام 2024.
وحسب تصريحات لوزير الدولة لشؤون الاتصال في ليبيا وليد اللافي، في تموز/يوليو الماضي، يرجح أن تصل أعداد المهاجرين الذين يذهبون إلى أوروبا عبر ليبيا إلى أكثر من 40 في المئة من إجمالي الهجرة عبر البحر المتوسط.
وقد نظمت ليبيا في 17 تموز/يوليو الماضي منتدى دوليا لمناقشة ملف الهجرة في المتوسط، بمشاركة قرابة 28 دولة من جنوب أوروبا وشمال أفريقيا وممثلين عن دول الساحل والصحراء.
وقدّر وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية عماد الطرابلسي أعداد المهاجرين الموجودين في ليبيا حالياً بنحو 2.5 مليون مهاجر، وتوقع ارتفاع العدد إلى 3 ملايين وهو ما يشكل ثلث سكان البلاد تقريباً، مشيراً إلى أن نحو 90 إلى 120 ألف مهاجر يدخلون إلى ليبيا عبر الصحراء شهرياً.
سياسات أوروبية
والمتتبع للظاهرة لا شك أنه سيلحظ تباطؤًا وتراخيًا من قِبل الاتحاد الأوروبي حيال الهجرة غير الشرعية حتى هذا الشهر؛ فغرق المهاجرين وموتهم بالمئات في عرض البحر لا شك أنه شكَّل سقوطًا أخلاقيًّا للقارة العجوز التي طالما تشدقت بحقوق الإنسان وحقه في الحياة.
وفي السياق قالت منظمة ألمانية غير حكومية إن الاتحاد الأوروبي يموّل جهات مشبوهة في ليبيا بمجال مكافحة الهجرة غير النظامية، مشيرة إلى إعادة خفر السواحل الليبي خلال ثماني سنوات نحو 145 ألف مهاجر من عرض البحر المتوسط.
وانتقدت منظمة «إس أو إس هيومانيتي» في بيان لها، تمويلات الاتحاد الأوروبي الضخمة لدول ثالثة من أجل إدارة الحدود الخارجية وإجراءات اللجوء. وقالت إنها تؤدي إلى انتهاكات خطيرة ومتزايدة لحقوق الإنسان، وفق ما نقل تلفزيون «دويتشه فيله» الألماني.
وأشارت المنظمة إلى تمويلات الاتحاد الأوروبي عمليات وسط البحر المتوسط، والموجهة أساسا إلى كل من تونس وليبيا وألبانيا، معتبرة هذه التمويلات دعما لانتهاكات حقوق الإنسان ضد الأشخاص في أثناء التنقل من خلال إنفاق ملايين من أموال دافعي الضرائب، فمن العام 2016 إلى العام 2027، سيستثمر الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء ما لا يقل عن 327.7 مليون يورو في إدارة الحدود في ليبيا وتونس.
وقالت «إس أو إس هيومانيتي» مركز تنسيق الإنقاذ الليبي وخفر السواحل الليبي لا ينفذان عمليات إنقاذ بحرية وفقا للقانون الدولي، ومع ذلك يمول الاتحاد الأوروبي جهات مشبوهة في ليبيا.
واتهمت المنظمة الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بالتواطؤ في انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان واللاجئين والمهاجرين في ليبيا، التي تصنفها بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة في ليبيا على أنها جرائم ضد الإنسانية.
ووفق بيانات المنظمة، أعادت ليبيا بين عامي 2016 و2024 نحو 145 ألفا من المهاجرين، مشيرة كذلك إلى اعتراض خفر السواحل التونسي المهاجرين بموجب مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي والدعم المالي، بما يعد انتهاكا للقانون الدولي، حيث لا يمكن في تقديرها اعتبار تونس مكانا آمنا وفق المنظمة.
وحسب معلومات جمعتها المنظمة يعرض خفر السواحل حياة اللاجئين للخطر من خلال مناورات عالية السرعة تعرض القوارب لخطر الانقلاب، بالإضافة إلى العنف الجسدي، واستخدام الغاز المسيل للدموع عن قرب، والاصطدامات المتعمدة بالقوارب.
وقالت «إس أو إس هيومانيتي» إن اعتماد الاتحاد الأوروبي منذ العام 2023 على شكل جديد من الإسناد، لتفويض إجراءات اللجوء إلى دولة ثالثة مثل بروتوكول إيطاليا ألبانيا، أثبت عدم جدواه.
«القدس العربي»:



