شريط غزة يتكرّر: الإبادة ثابتاً وحيداً

شريط غزة يتكرّر: الإبادة ثابتاً وحيداً
غزة | تحوّلت الأوضاع في قطاع غزة إلى ما يشبه الشريط المصوّر الذي يعاد تكراره من دون أيّ إضافة: المشهد ذاته بالأحداث والألوان والأصوات نفسها. وفي إطار العملية البرية الإسرائيلية المستمرة في شمال القطاع منذ 3 أشهر، أضحت الانفجارات الناجمة عن نسف المربّعات السكنية «كورالاً خلفياً اعتيادياً» لروتين الحياة المستمر، حيث تُنسف مئات المنازل يومياً في بيت حانون التي تقترب من أن تتطابق صورتها الجوية مع مخيم جباليا حافراً بحافر. وإذ يسحب جيش الإحتلال «لواء كفير»، ويزجّ عوضاً عنه بـ»لواء ناحال»، فالظاهر أن «عملية جباليا» لن تنتهي وثمّة مبنى واحد قائم على أعمدته. ويوفّر مشهد غابات الركام لوزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموترتش، نموذجاً لفزاعة الخراب الأكثر رعباً، والتي هدّد محافظة قلقيلية بمصير مشابه لها عقب العملية الأخيرة التي نفذتها المقاومة وأدت إلى مقتل 3 إسرائيليين وجرح 7.
ويقول جيش الاحتلال إن العملية المتواصلة في جباليا «حقّقت منجزات كبرى في القضاء على البنية التحتية لفصائل المقاومة»، بالإضافة إلى إقامة منطقة عازلة لتأمين عودة مستوطني غلاف غزة إلى بيوتهم من دون أن يشكّل شمال القطاع تهديداً لهم في المرحلة المقبلة.
على أنه لا شيء يتوقّف، ووتيرة الغارات الإسرائيلية على المنازل المأهولة آخذة في التصاعد، فيما تقضي العشرات من الأسر يومياً تحت سقوف تلك المنازل. وفي هذا السياق، قصفت الطائرات الحربية، أمس، منزلاً لعائلة سحويل في مخيم الشاطئ غرب المدينة، ما أدى إلى استشهاد مصطفى سحويل، وهو جدٌّ لخمسة أطفال استشهد والدهم قبل عدة أشهر، وكانوا في تلك الليلة في زيارة مبيت عند جدّهم المحزون لفقد ابن شقيقه قبل أيام. هكذا، قضى أبو لؤي برفقة ثلاثة من أحفاده، والتمّ شمل الأسرة التي قتلتها الطائرات الحربية بالتقسيط: الأب، ثم الجد وأحفاده. والحدث ذاته باختلاف طفيف في الترتيب، تكرر، أمس، في حي الشجاعية، حيث ارتقى شابان من عائلة حوسو، كانت طائرات الاحتلال قد اغتالت والديهما قبل أسبوعين. وفي وسط المدينة، استشهد أبو أنس عليوة، ملتحقاً بثلاثة من أبنائه، قضى كلُّ واحد منهم في حادث منفرد.
بيت حانون تقترب من أن تتطابق صورتها الجوية مع مخيم جباليا
على هذا النحو يتكرر كل شيء في غزة، فيما يهدّد جيش الاحتلال، كما في الأشهر الأولى، بالمزيد من العنف، على رغم أن مستشاري نتنياهو يطالبون بوقف القتال تحت ضغط الخسائر البشرية في الجيش وقوات الاحتياط، وأن الجنرال غيورا آيلاند، وهو منظّر الجيش الأكثر شعبية وواضع «خطة الجنرالات»، يرى أن الحرب يجب أن تتوقّف، ويقدّم مزيداً من المقترحات البديلة للقتال، من مثل التجويع والحصار. وعلى أيّ حال، فإن الثابت دائماً هو استدامة المعاناة إلى أقصى مدى ممكن.
أما في الميدان، فلا تزال الملحمة مستمرة، على رغم أن التكافؤ غائب تماماً، وأن كفة ميزان القوة تميل لمصلحة من يمتلك مخزون ذخيرة لا ينضب، ويشغّل مئات الطائرات الحربية والمسيّرة بالذكاء الاصطناعي على مدار الساعة. أما المقاومون، فهم الذين يصفهم الإعلام العبري بأنهم يتسلّحون بـ»قوة الضعف»، إذ لا شيء يخسرونه أمام جيش عازم على استدامة الإبادة، سوى القتال حتى النفَس الأخير، وهو النفَس الذي انتزع في يوم واحد أرواح ثلاثة جنود وضباط، من بينهم قائد سرية ونائبه في مدينة بيت حانون المدمّرة. وفي خضم تلك العاصفة، يعيش الناس بالتفاؤل والأمل بأن الحرب في أيامها أو أسابيعها الأخيرة. هم لا يعلّقون آمالاً كبيرة على النجاة، لكن على الأقل سينجو بعضهم.




