توجّه أوروبي لتخفيف العقوبات: حمص متروكة لمجرمي الحرب

توجّه أوروبي لتخفيف العقوبات: حمص متروكة لمجرمي الحرب
لم تستطع جهود «إدارة العمليات العسكرية» في التعتيم على ما يجري في ريف حمص الغربي، إخفاء آثار انتهاكات كبيرة نفذها مسلّحون بحق سكان عدد من القرى التي يسكنها مواطنون ينتمون إلى أقليات دينية، بما فيها قرية فاحل التي شهدت مجزرة، راح ضحيتها أكثر من 15 شخصاً. وأُعدم هؤلاء على أيدي مسلحين دخلوا القرية إثر إعلان قوى الأمن التابعة للإدارة السورية الجديدة انتهاءها من عمليات التمشيط. وأثارت المجزرة، التي حاولت بعض المنصات المؤيدة لـ«هيئة تحرير الشام» التي تقود سوريا حالياً، الالتفاف عليها عن طريق الحديث عن الخلفية العسكرية لبعض الضحايا (ضباط ومجندون)، ردود فعل كبيرة في الشارع السوري، وفي الأوساط السياسية، وسط مطالب بوقف هذه الانتهاكات، ومعاقبة مرتكبيها بشكل علني، في سياق العدالة الانتقالية التي تتحدث عنها الإدارة الجديدة.
ودانت مجموعة «السلم الأهلي» في حمص، وهي مبادرة مجتمعية تم تأسيسها بعد سقوط نظام بشار الأسد لضمان تعزيز السلم الأهلي، في بيان، الانتهاكات وأعمال العنف غير المبررة التي أعقبت الحملة العسكرية التي قامت بها القوى الأمنية في قرية فاحل، بما فيها عمليات الإعدام التي تمت، واعتقال 43 شخصاً من سكان البلدة واقتيادهم إلى جهة مجهولة. وطالبت بالكشف عن مصير هؤلاء، ومصير بقية المفقودين من القرى المجاورة التي شهدت انتهاكات أيضاً، وتشكيل لجنة مراقبة تضم «الدفاع المدني» و«الهلال الأحمر» وجهات إعلامية محايدة، ومحاكمة مرتكبي هذه الجرائم بشكل علني.
في المقابل، وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، وزعت «إدارة العمليات العسكرية» على وسائل الإعلام تصريحاً منسوباً إلى مصدر في إدارة الأمن في حمص، يتضمن تعهداً بمتابعة الانتهاكات والتحقيق فيها وعدم التغاضي عنها أو تركها من دون ملاحقة، في وقت لم تصدر فيه أيُّ تصريحات مباشرة من مسؤولين في الإدارة أو الحكومة السورية المؤقتة. وبالتزامن مع ذلك، التقى قائد الإدارة السورية الجديدة، أحمد الشرع، ووزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، أسعد الشيباني، وفداً من «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، برئاسة المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، الذي يزور سوريا في سياق الجهود الأممية الرامية إلى توسيع قنوات التواصل مع دمشق، وبحث سبل إنهاء أزمة اللاجئين. كما وصل وفد أمني وعسكري تركي برئاسة إبراهيم قالن، رئيس الاستخبارات العامة التركية، إلى دمشق، حيث التقى رئيس جهاز الاستخبارات في الحكومة المؤقتة، أنس خطاب، والشيباني والشرع.
تتّجه الأنظار إلى بروكسل، حيث من المتوقع أن يوافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على رفع جزئي للعقوبات
يأتي ذلك فيما تتجه عيون الإدارة السورية الجديدة، التي يقودها الشرع، إلى بروكسل، حيث ينعقد اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، اليوم، وسط توقعات بأن يشهد الاجتماع توافقاً على رفع جزئي للعقوبات المفروضة على سوريا، وفق ورقة وزعتها ألمانيا على الأعضاء في وقت سابق. وفي السياق، نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصادر دبلوماسية أنه ينبغي أن يعطي وزراء الخارجية الضوء الأخضر في اجتماع بروكسل لبدء العمل على تعليق بعض التدابير، على أن يكون هذا التخفيف «قابلاً للعودة عنه»، إذا لم تفِ الحكومة في سوريا بوعود الانتقال الشامل للسلطة. وبحسب التسريبات، يدور الحديث بشكل أساسي حول رفع العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة، وقطاعات أخرى لا تشمل العمليات المصرفية، حتى الآن، بسبب مخاوف من استغلالها في عمليات «تمويل الإرهاب». وفيما من المتوقع أن تشمل الاستثناءات الجديدة رفع اسم الشرع و«هيئة تحرير الشام» من قوائم الإرهاب الأوروبية، نقلت وكالة «فرانس برس» عن مسؤول أوروبي قوله إن «ما نريده هو إعطاء إشارة سياسية قوية بأن العقوبات ستُرفع لأن الوقت حان لإعادة تأهيل البلاد»، «وفي الوقت نفسه، هناك شكوك كثيرة حول الحكم في سوريا»، ما يفسّر الإصرار على أن تكون الاستثناءات مؤقتة.
بدوره، يتابع المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسن، الذي يقيم حالياً في دمشق، مباحثاته السياسية لتمهيد الأرض لتنشيط عمليات إعادة الإعمار. وبحسب مصادر مطّلعة تحدثت إلى «الأخبار»، فإن هذه المباحثات تدور في معظمها حول سبل تعديل القرار الأممي 2254 للحل في سوريا بما يتناسب مع الظروف الراهنة، بعد سقوط نظام الأسد، الذي كان أحد أطراف تنفيذ القرار. وإذ ذكرت المصادر أن بيدرسن وضع أسساً واضحة لبعض التعديلات بعد مشاورات مع قوى عربية وإقليمية ودولية، فهي أوضحت أن التعديلات المنتظرة تدور حول الحفاظ على أسس القرار التي تتضمن عملية انتقال شاملة عبر تشكيل حكومة تمثل جميع السوريين، إلى جانب إعداد الدستور وإجراء الانتخابات، ما يعني أن التعديلات ستدور حول شطب دور نظام الأسد، وتغيير تعريف «هيئة تحرير الشام» من فصيل إرهابي (وفقاً للمادة الثامنة من القرار) إلى مشرف على تنفيذ القرار.
إلى ذلك، وفي محاولة لتقديم دفعة لصندوق إعادة الإعمار الأممي (صندوق التعافي المبكر) الذي تعوّل الأمم المتحدة على دور خليجي بارز في تمويله، وجّه «مجلس التعاون الخليجي» دعوة إلى وزير الخارجية السوري لحضور الاجتماع الوزاري المقرر انعقاده في مكة خلال الأيام المقبلة، لبحث مستجدات الأوضاع السياسية في سوريا. وتأتي هذه الدعوة عقب زيارة وزير خارجية السعودية، فيصل بن فرحان، الجمعة الماضي، دمشق، حيث التقى نظيره الشيباني والشرع.




