أولاً، وقبل الخوض في تحليل الكتاب للعنصرية التي يمارسها الطب الشرعي في دولة الكيان الصهيوني، علينا أن نذكر أن كل الممارسات العنصرية تجاه الجسد الفلسطيني ليست وليدة انفعالات سلوكية ونفسية جمعية، بل هي أيدلوجيا ومعتقدات معمقة في الذهنية الرسمية الصهيونية، وكل الأحداث عبر العقود السابقة تشهد كيف يتعامل الصهاينة جنوداُ ومدنيين مع الجثث الفلسطينية، والشواهد على ذلك كثيرة آخرها الشهداء الذين زجوا بهم في الشاحنات مغلفين في أكياس زرقاء، وقد سرقت أحشاؤهم وحشوا التراب بدلاُ منها، ناهيك عن مقابر الأرقام، ومروراُ بكل حالات التنكيل بالجثث، لأغراض تتفاوت بين العقيدية وسرقة الأعضاء.
لكن مقالي اليوم مخصص للتعامل العنصري لمعهد الطب الشرعي (الإسرائيلي)، الذي يتعامل مع تحديد الهوية والأدلة الجنائية. وهو يتبع كلية الطب بجامعة تل أبيب ويعمل تحت إشراف وزارة الصحة في الحكومة الصهيونية. وهو الآن محط أنظار وسائل الإعلام في فترة تسليم الجثامين في صفقة التبادل الأخيرة.
يفترض من الناحية العلمية الأخلاقية أن المعهد يحمي حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الفلسطينيين. بيد أن العالمة “مايرا فايس” أثبتت في كتابها أن المعهد يعيد إنتاج الحدود بين اليهود وغير اليهود والفلسطينيين والإسرائيليين. وهذا يتعلق بشكل مباشر بالسياسات تجاه الفلسطينيين. وإن المعهد يتعامل مع الجثث اليهودية وغير اليهودية بشكل مختلف، وتسلط هذه الممارسات الضوء على التمييز الواضح في المعاملة على أساس العرق والدين.
حتى في التعاملات الرسمية لمواطني الدولة، فهناك تمييز وتسلسل للجثث: الجنود في الأعلى، والمدنيون بعد ذلك، وطبعاً الفلسطينيون في الأسفل. كما لا يخفى دور المعهد في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بما في ذلك التعامل مع جثث “الإرهابيين” الفلسطينيين والتعاون مع قوات الأمن. وتم ذكر مثال الطفل الفلسطيني علي عقل الذ أحرقت جثته، مما يشير إلى تورط المعهد في قضايا مثيرة للجدال تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان.
كما تبنى معهد الطب الشرعي (الإسرائيلي) مفهوم “الحياة العارية” الذي يقصد به أن الجثث الفلسطينية تُعامل مجردة من الحقوق. وهذا يرتبط بالممارسات الجنائية والأطر القانونية التي تعمل على تطبيع مثل هذه الاستثناءات. وتشكل تصرفات المعهد، مثل تشريح الجثث الفلسطينية دون موافقة الأسرة والتعامل السري، وتلك الممارسات جزء من هذه الديناميكية.
وللعلم أن مفهوم (الحياة العارية) هو فكرة عنصرية وردت في كتاب (الإنسان المقدس: السلطة السيادية والحياة العارية (1995)) للفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين (1942-……)، وهي فكرة لها جذورها في القانون الروماني القديم حيث يتم استبعاد الحياة الإنسانية المقدسة المتضمنة في النظام القضائي لدعم السلطة السياسية.
بالإضافة إلى ذلك، فداحة قضايا الشفافية التي ينتهجها المعهد. فعمليات المعهد ليست مفتوحة للتدقيق العام، مما يسمح بانتهاكات محتملة، وخاصة في القضايا المتعلقة بالأمن والتي تشمل فلسطينيين. وتورطه في عدة موضوعات منها سرقة الأعضاء.
إن عدم الفصل بين القضايا المدنية والأمنية في معهد الطب الشرعي (الإسرائيلي) الوحيد يعني أن القضايا الفلسطينية يتم التعامل معها في إطار القضايا الأمنية (الإسرائيلية)، مما يؤدي إلى التحيز الرسمي، وهذا ينطلي على الممارسات الشرعية مع العمال والأسر الفلسطينية. ومع ذلك، فإن تعاون المعهد مع قوات الأمن الصهيونية الإرهابية، والتحيزات المتأصلة في التعامل مع الجثث الفلسطينية هي نقاط حاسمة. تُبنى على المعاملة الهرمية والتبريرات القانونية بموجب قوانين الأمن القومي أو قوانين الطوارئ كجزء من السياسة المؤسسية.
وفي المجمل، تتشكل سياسات المعهد تجاه الفلسطينيين من خلال السلوكيات السياسية التمييزية العامة لدولة الكيان، والاعتبارات الأمنية، والنظرة الهرمية للأجساد. وهذا يؤدي إلى معاملة تفاضلية، ونقص الشفافية، والتعاون مع الأجهزة العسكرية/الأمنية، غالبًا على حساب حقوق الفلسطينيين وكرامتهم. وهو الأمر الذي أفرز ما يمكننا تسميته الآن (الطب الشرعي الصهيوني).
كاتب فلسطيني
Post Views: 16
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب