تحقيقات وتقارير

آمال خليل في «خربة سلم»: رسالة حب أخيرة لـ «أهل الأرض»

آمال خليل في «خربة سلم»: رسالة حب أخيرة لـ «أهل الأرض»

في «خربة سلم»، لم تكتفِ آمال خليل بتوثيق الأزقة والوديان ووجوه الأهالي، بل اقتربت من خبز الأمهات على الصاج، ومن حكايات الشهداء وبيوت الانتظار الطويل.

سلوى دبوق

في «خربة سلم»، لم تكتفِ آمال خليل بتوثيق الأزقة والوديان ووجوه الأهالي، بل اقتربت من خبز الأمهات على الصاج، ومن حكايات الشهداء وبيوت الانتظار الطويل. أصغت للفقد والكبرياء معاً، وحوّلت التفاصيل اليومية إلى ذاكرة حيّة. اليوم، يعود تقريرها رسالة حب أخيرة تركتها بين الناس قبل الرحيل

في سلسلتها الوثائقية المؤثرة «أهل الأرض»، لم تكن آمال خليل مجرد صحافية عابرة تمرّ بقرى الجنوب لتؤدي واجباً مهنياً أو تنقل خبراً جافاً. كانت تقتفي أثر ذاك السر الوجداني الذي يربط الناس بترابهم كرباط الروح بالجسد.

ورغم أن آمال طافت بكاميرتها على امتداد قرى المواجهة، من الناقورة إلى أعالي العرقوب، تاركةً خلفها أرشيفاً يفيض بالحياة عن كل بلدة ووادٍ، إلا أنّني اخترتُ الوقوف عند محطتها في قريتي «خربة سلم» تحديداً. ليس اختصاراً لفيض عطائها الذي شمل كل الجنوب، بل لأنها في قريتي، لم تكن توثق مكاناً عابراً، بل كانت تلمس جدران بيوتنا، وتتحسّس نبض تاريخنا المخبوء في ثنايا الوعر، فصار تقريرها هذا هو المرآة الأصدق لروحها التي لا تغيب.

لقد استطاعت آمال بحسّها المرهف أن تلمس «العصب الحي» لضيعتنا، وحوّلت الكاميرا من أداة تقنية صماء إلى مرآة حية تعكس وجوه أهلنا بصمودهم الفطري، وتعبهم النبيل، وشموخهم الذي لا يلين. واليوم، ونحن نعيش مرارة فقدها، نعود لنقرأ ملامحها في أزقة «خربة سلم» كأنها رسالة حب أخيرة أودعتها أمانةً بين بيوتنا وبين قلوبنا قبل أن تمضي نحو خلودها.

زواريبُ الحكاية: حين تصبح الجغرافيا ذاكرةً حية
تتحرك آمال في «خربة سلم» بخفةٍ لافتة وألفة مدهشة، هي لا تمشي كغريبة تكتشف مكاناً مجهولاً أو تخشى وعورة الطريق، بل كابنةِ أرضٍ تدرك أنّ خلف كل حجر في هذه الضيعة حكاية تتجاوز حدود الجغرافيا الضيقة.

عندما طرحت سؤالها الجوهري: «شو يعني خربة سلم؟»، لم يكن السؤال مجرد استهلال صحافي تقليدي، بل كان مفتاحاً لإعادة اكتشاف المكان وهويته الضاربة في التاريخ؛ فخربة سلم في عيني آمال ليست «خربة» بالمعنى اللغوي المهجور، بل هي عاصمةٌ للروح يُعاد فيها تعريف كل ذرة تراب. وقفت آمال عند «الجبانة»، ولم تكن ترى فيها مكاناً للموت أو الغياب، بل كانت تصفها بـ «مصنع المجد».

هناك، تكتسب المقبرة في حديثها معنىً مغايراً تماماً؛ فهي السجل الحقيقي والوحيد للبلدة، حيث يبدأ زمن القرية من لحظة الشهادة وليس من تاريخ الولادة الطبيعية.

وحين أشارت إلى الأودية المحيطة، لم تكن تصف معالم طبيعية صامتة، بل كانت تؤنسنها ببراعة؛ فتحدثت عن «وادي سلوقي» بوصفه «الحضن الدافئ والإسناد»، و«وادي الحجير» بكونه «الشاهد» الأبدي الذي يحفظ في ذاكرته الوعرة تضحيات المقاومين الأوائل منذ السبعينيات. هذه النظرة هي التي جعلت من تضاريس ضيعتنا فصولاً في ملحمة تحكي قصة شعب عصيّ على الانكسار.

خبزُ الصاج والسلاح المدفون… أسرارُ الانتماء الفطري
في ثنايا حواراتها العفوية مع أهالي الضيعة، التقطت آمال تفاصيل مذهلة عن تلك الرابطة الخفية التي تجمع الناس بالمقاومة في حياتهم اليومية. توقفت طويلاً عند قصة الوالدة التي كانت تخبز على الصاج للمقاومين في عز الخطر؛ ذاك الخبز الذي لم يكن مجرد طعام، بل كان لغةً صامتة للحب والالتحام الشعبي، حيث كانت تضع الأرغفة في الأكياس ليأخذها «الشباب» في عتمة الليل من دون الحاجة إلى كلمة واحدة، في تناغمٍ فطري مدهش بين الأم التي تعجن وتخبز، والابن الذي يراقب ويحمي. ولعل التفصيل الأكثر دهشة وكثافة في حديثها كان عن «السلاح المدفون».

دُفن الشهداء مع أسلحتهم في فترات الاحتلال الصعبة

إن قصة الشهداء الذين دُفنوا مع أسلحتهم في فترات الاحتلال الصعبة تعكس ذاك «العهد الأبدي» الذي لا ينتهي بموت الجسد؛ فالبندقية هنا ليست مجرد أداة قتال، بل جزء من هوية المقاوم لا تنفصل عنه حتى تحت الثرى، كأنها في حالة استنفار دائم تنتظر لحظة البعث. هذا الالتحام بين الإنسان وترابه هو ما جعل آمال تصف روح القرية بـ «الجينات»؛ فالمقاومة في خربة سلم لم تعد خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل صارت طبيعةً بيولوجية تتوارثها الأجيال، من الجد إلى الأب وصولاً إلى الحفيد، كما تُدرَس بشكل أسطوري في عائلة آل«طويل» التي قدمت ثلاثة أجيال متعاقبة من الشهداء، من دون أن يتردد جيل واحد في إكمال مسيرة من سبقه.

هدوءُ المصغي… حين يتجسد الشهيد في سلاحه
في اللحظات الأكثر شجناً في التقرير، تجلس آمال في حضرة نساء عائلة آل «طويل»، وتترك المساحة كاملة لصوت «الأم» و«الأخت». هنا يتجلى رقيّ آمال كصحافية تتقن «فن الإنصات»؛ تميل برأسها لتمتصّ كل كلمة تخرج من قلب أثقله الفقد وزاده الفخر. لقد كانت تستمع لقصة تجهيز «شنطة الرحيل»، وكيف تيسّر الأمهات أمور أبنائهن للميدان بقلوب صابرة، مؤكدات أنّ الأبناء نشأوا ليكونوا نسخة طبق الأصل عن آبائهم في عشق الأرض.

تأثرت آمال بعمق وهي تسمع عن بقاء أثر الشهداء، خصوصاً في قصة الصاروخ الذي أطلقته المقاومة أخيراً وسُمي «فادي» تيمناً بالشهيد فادي طويل الذي استشهد قبل نحو 37 عاماً. في هذا السياق الرمزي، الشهيد لا يغيب أبداً، بل يعود ليتجسد في قوةٍ تدميرية تلاحق العدو، مكملاً المهمة التي بدأها بدمه الغالي. عينا آمال في تلك اللحظة كانتا مرآة لهذا المزيج من الألم والاعتزاز، وهي التي آمنت دوماً بأن الكلمة الصادقة التي تحملها في جعبتها هي سلاحٌ لا يقل شأناً عن الصاروخ في ميدان المواجهة.

ينتهي التقرير بصدى تلك الكلمات التي نطقت بها الضيفة بصلابة تهز الوجدان: «جيل يسلم جيل» ليعيش من بعده بكرامة ويرفع رأسه في هذا البلد. هذه الجملة تحمل اليوم، بعد استشهاد آمال خليل، بعداً أسطورياً؛ فقد كانت آمال تقتفي أثر تلك الأرواح الثائرة، ولم تكن تدرك في تلك اللحظة أنها ستنضم قريباً جداً إلى ذاك الركب، لتصبح هي أيضاً «جيلاً» يسلم جيل الصحافيين من بعدها أمانة الكلمة والشهادة.

لقد صار الرابط بين خربة سلم وآمال خليل رابطاً وجودياً لا يمكن فكه؛ هي التي سألت بفضول المبدعة عن سرّ البقاء، وتلقت الإجابة اليقينية من أفواه الأمهات، ثم ختمت إجابتها بدمها في الميدان. في عيوننا نحن أبناء «خربة سلم»، ستظلّ آمال تلك التي مشت في ودياننا، وأنصتت لبيوتنا، وصارت بدمها واحدةً من «أهل الأرض» الحقيقيين الذين سكنوا التراب ليزهر فخراً وعزة. رحلت آمال وبقي تقريرها شاهداً أبدياً على أنّ «ممر الثوار» لا يعبره إلا الصادقون الذين تليق بهم الشهادة… وتليقُ بهم تماماً كما يليقون بها

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب