عربي دولي

تدريبات ومعدات أمريكية لموريتانيا.. خطوة لتحالف أمني في الساحل؟

تدريبات ومعدات أمريكية لموريتانيا.. خطوة لتحالف أمني في الساحل؟

عبد الله مولود

نواكشوط –: عادت موريتانيا لتظهر مجدداً في قلب الاهتمام الأمريكي بعد إعلان سفارة واشنطن في نواكشوط تنظيم تدريبات عسكرية وتقديم معدات وتجهيزات لصالح القوات الموريتانية الخاصة، في خطوة أثارت تساؤلات حول طبيعة المرحلة الجديدة من التعاون بين البلدين، وما إذا كانت تمهّد لتموضع موريتاني داخل تحالف أمني إقليمي جديد تقوده واشنطن في الساحل الإفريقي.

ويأتي هذا التطور في منطقةٍ تتشابك فيها الهواجس الأمنية مع رهانات النفوذ الدولي، وفي وقت تعرف فيه المنطقة تحولات متسارعة، أبرزها تراجع النفوذ الغربي التقليدي في بعض دول الساحل، وتصاعد حضور قوى دولية منافسة، إلى جانب تنامي التهديدات المرتبطة بالجماعات المسلحة والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.

وبينما تؤكد نواكشوط باستمرار تمسكها بعقيدتها القائمة على الشراكات المتوازنة وعدم الانخراط في الاستقطابات، يرى مراقبون أن تكثيف الدعم العسكري الأمريكي لموريتانيا قد يعكس توجهاً نحو منحها دوراً أمنياً أكبر باعتبارها إحدى أكثر دول الساحل استقراراً وقدرة على ضبط حدودها والتعاون مع الشركاء الدوليين.

وتبدو موريتانيا اليوم في قلب مقاربة أمنية دولية متصاعدة، تتقاطع فيها الحسابات الأمريكية مع رهانات الاستقرار الإقليمي، في منطقة الساحل التي تعيش منذ سنوات على وقع التهديدات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى شبكات التهريب والهجرة غير النظامية.

فالبيان الأخير الصادر أمس عن السفارة الأمريكية في موريتانيا بشأن تدريب القوات الخاصة الموريتانية، لا يُنظر إليه باعتباره خطوة معزولة، بل حلقة ضمن مسار متنامٍ من التعاون العسكري والأمني بين نواكشوط وواشنطن، اتخذ خلال السنوات الأخيرة أبعاداً أكثر وضوحاً وتنوعاً.

سبق للقوات الخاصة الأمريكية والموريتانية أن نفذت تدريبات مشتركة في نواكشوط ضمن برنامج “التبادل المشترك للتدريب”

وأوضح البيان أن الحكومة الأمريكية قدمت دعماً لتدريب القوات الخاصة الموريتانية على تنفيذ “العمليات متعددة المهام” المرتبطة بمكافحة أسلحة الدمار الشامل وتهريب المخدرات، مع توفير معدات اتصالات متطورة وتدريب تقني، في إطار “تعزيز التعاون الأمني الثنائي لمواجهة التحديات الإقليمية المشتركة”.

لكن هذا التعاون يتجاوز التدريب الظرفي، إذ تكشف المعطيات المتوفرة أن الولايات المتحدة تنظر إلى موريتانيا باعتبارها إحدى أكثر دول الساحل استقراراً وقدرة على لعب دور أمني محوري في منطقة تتعرض لهزات متواصلة بعد الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتراجع النفوذ الغربي التقليدي هناك.

ومن أبرز أوجه هذا التعاون مشاركة موريتانيا بصورة منتظمة في مناورات “فلينتلوك” التي تقودها القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، وهي أكبر تدريبات للقوات الخاصة في القارة الإفريقية.

وقد شاركت في نسخة 2025 أكثر من 38 دولة وما يزيد على 500 عنصر من القوات الخاصة، مع التركيز على مكافحة الإرهاب والتنسيق العملياتي بين الجيوش الإفريقية والغربية.

كما سبق للقوات الخاصة الأمريكية والموريتانية أن نفذت تدريبات مشتركة في نواكشوط ضمن برنامج “التبادل المشترك للتدريب”، ركزت على القتال في المناطق المغلقة، والتكتيكات الميدانية، والتخطيط العملياتي والإسعافات القتالية.

وفي مؤشر آخر على اتساع الشراكة العسكرية، أجرت القوات الجوية الموريتانية في نوفمبر 2025 تمريناً مشتركاً مع سلاح الجو الأمريكي شاركت فيه قاذفة أمريكية من طراز B-52، وأكدت واشنطن حينها أن التمرين يهدف إلى “تعزيز الأمن الإقليمي وتقوية الشراكة مع موريتانيا”.

وتشمل أبعاد التعاون الموريتاني الأمريكي كذلك الدعم اللوجستي والتقني، إذ أعلنت مصادر أمريكية مطلع 2026 عن تسليم معدات عسكرية لموريتانيا لمواجهة التهديدات المتصاعدة في الساحل وغرب إفريقيا.

حصلت القوات الخاصة الموريتانية نهاية 2024 على معدات اتصال وحماية وتجهيزات طبية في إطار برامج دعم دولية مرتبطة بتطوير القدرات العملياتية

كما حصلت القوات الخاصة الموريتانية نهاية 2024 على معدات اتصال وحماية وتجهيزات طبية في إطار برامج دعم دولية مرتبطة بتطوير القدرات العملياتية.

ويفسر هذا الحضور الأمريكي المتزايد بعدة اعتبارات استراتيجية، أولها الموقع الجغرافي لموريتانيا، باعتبارها نقطة تماس بين المغرب العربي ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا، إضافة إلى امتدادها الصحراوي الواسع وحدودها مع مالي التي تنشط فيها جماعات مسلحة وشبكات تهريب.

أما العامل الثاني فيتعلق بنجاح موريتانيا، مقارنة بجيرانها، في الحفاظ على قدر من الاستقرار الأمني ومنع تمدد الجماعات المتطرفة إلى أراضيها خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعلها تُقدَّم في الأدبيات الأمنية الغربية كنموذج “شريك موثوق” في الساحل.

ويبرز كذلك البعد المرتبط بمكافحة الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة، حيث تشير تقارير دولية إلى أن موريتانيا تقع ضمن مسارات عبور إقليمية تربط غرب إفريقيا بشمالها وأوروبا، ما يجعل ملف مكافحة التهريب جزءاً أساسياً من التعاون الأمني مع واشنطن.

غير أن هذا التعاون لا يخلو من تساؤلات داخلية وإقليمية، تتعلق بحدود الانخراط العسكري الأمريكي في المنطقة، وإمكانية تحوله مستقبلاً إلى حضور أوسع في ظل إعادة رسم النفوذ الدولي بالساحل بعد تراجع الوجود الفرنسي وصعود أدوار روسية وتركية وصينية.

تتحول موريتانيا تدريجياً من مجرد دولة طرفية في معادلات الساحل، إلى شريك أمني تتزايد أهميته في الحسابات الأمريكية والدولية

كما يثير بعض مراقبي هذا الملف أسئلة حول طبيعة التوازن الذي تحاول نواكشوط الحفاظ عليه بين شركائها الدوليين، خصوصاً أن موريتانيا تحرص تقليدياً على تنويع شراكاتها الأمنية وعدم الارتهان لمحور واحد.

ومع ذلك، يبدو أن المؤشرات الحالية تدفع نحو مزيد من التنسيق الأمني بين موريتانيا والولايات المتحدة، خاصة في مجالات الاستخبارات، ومراقبة الحدود، وتطوير قدرات القوات الخاصة، والتصدي للتهديدات العابرة للحدود التي باتت تمثل هاجساً دائماً لدول الساحل وللقوى الدولية المنخرطة فيه.

وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في غرب إفريقيا، تتحول موريتانيا تدريجياً من مجرد دولة طرفية في معادلات الساحل، إلى شريك أمني تتزايد أهميته في الحسابات الأمريكية والدولية، وهو ما يمنح التعاون العسكري بين نواكشوط وواشنطن بعداً يتجاوز التدريب والتجهيز، نحو إعادة تشكيل موازين النفوذ والأمن في المنطقة بأسرها.

“القدس العربي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب